As Safir Logo
المصدر:

»قصة محاكمة أنطون سعادة« لأنطوان بطرس من استلم سعادة من دمشق وأين جثته؟

المؤلف: ابو فخر صقر التاريخ: 2002-07-01 رقم العدد:9236

الكتاب: قصة محاكمة انطون سعادة. الكاتب: انطوان بطرس. الناشر: خاص، 2002. شغف الزميل انطوان بطرس، ايما شغف، بالافلاك والنجوم، وبالامور الشائكة في هذا الكون الرحب، واشتهر، فضلا عن التوثيق الدقيق، بانكبابه الدؤوب على الموضوعات العلمية ولا سيما تلك التي تثير الخيال وشهوة المعرفة معا؛ فأنجز، في هذا المضمار، كتابات مهمة وراقية، وحاز جوائز رفيعة وذات قيمة. وكان كتابه »لغز الهرم الكبير« (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1998) واحداً من مؤلفاته المبتكرة الذي أراد منه البرهان على ان نسق بناء الاهرام غرب نهر النيل يماثل، تماما، نسق نجوم »برج اوريون« في السماء غرب مجرة درب التبانة؛ فالمصريون طالما اعتبروا النيل انعكاسا للمجرة مثلما اعتبروا المجرة نيلا سماويا. غير ان انطوان بطرس ما انفك، بين الحين والآخر، يفاجئنا بكتاب مختلف، وها هو اليوم ينشر على الناس كتابه الجديد »قصة محاكمة انطون سعادة وإعدامه«. والحقيقة ان هذا الطراز من الكتابة ليس غريبا علي الكاتب الذي عرف باستقلاليته وعلمانيته وعدم حزبيته، فهو خبير في الحفر والتنقيب ومولع ب»النكش« في المطمورات القديمة. يهدف هذا الكتاب، على ما احسب، الى إعادة اكتشاف انطون سعادة، لا كمؤسس وزعيم لحزب سياسي فاعل فحسب، بل كمفكر مجدد دعا الى تدشين نهضة شاملة في الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاد الشام والعراق معاً، واكتشف، مبكرا (في سنة 1921 بالتحديد) خطر الصهيونية على هذه النهضة وعلى هذه المنطقة، ووجد ان الاكثر إلحاحا في نجاح هذه النهضة هو الشروع في مغادرة كهوف الطائفية والمذهبية والانغلاق، وهي عناصر موروثة من مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، الى رحاب العلمانية والمواطنة الحرة والمساواة، وهي عناصر لا غنى عنها في بناء الدولة الحديثة. ويكتسب هذا الكتاب اهميته من انه يمثل، بشخصية سعادة، النقيض التام لمظاهر التعصب والارتداد نحو القبيلة او الطائفة، ما يشير الى تفسخ الاحوال الفكرية والاجتماعية في »شرق المتوسط«، وهو، بما يحمل من تاريخ وأفكار ورؤى، نقيض حقيقي لهذه الاحوال والاهوال كلها. *** يطالب الكاتب برد الاعتبار لأنطون سعادة، لا من اجل سعادة نفسه، بل من اجل محو وصمة العار في تاريخ الدولة اللبنانية (ص8). ثم إن رد الاعتبار لسعادة هو مشروع للمستقبل ايضا، لأن الجيل الذي نهض مع سعادة قبل نحو سبعين سنة صار اليوم بعدد اصابع اليد. والذين يعتنقون مبادئه الآن ينظرون إليه لا كرجل تاريخي، بل كأسطورة، بينما الكثيرون الذين اعادوا اكتشافه مجددا، وكانوا في الامس من اعدائه الاشداء، يعترفون بأن المبادئ الاصلاحية لسعادة تشكل حلا، او مدخلا لحل الازمة اللبنانية المتجددة والمستعصية على جميع الحلول. ولهذه الاسباب كلها يمكن، بقليل من المجازفة، القول إن هذا الكتاب هو شوط فكري وتوثيقي وتاريخي مميز في رحلة طويلة نحو إعادة اكتشاف سعادة لا كحقبة في التاريخ الحديث لبلاد الشام، بل كمفكر مجدد وقائد كاريزمي وزعيم فذ وسياسي خطير. *** يبدأ الكتاب من اللحظة التي عاد فيها سعادة من المهجر في 2/3/1947، ثم من حادثة الجميزة في 9/6/1949 التي اقتحمت فيها مجموعات متعصبة من حزب الكتائب اللبنانية »مطبعة فضول الحديثة« وأحرقتها لأنها كانت تطبع صحيفة »الجيل الجديد« التي يشرف عليها انطون سعادة. وتبين، لاحقا، ان هذا الهجوم كان الحلقة الاولى في خطة محكمة تواطأ عليها بيار الجميل ورياض الصلح والاميركيون معاً للقضاء على الحزب الذي أسسه سعادة. وبالفعل، شنّت السلطات اللبنانية حينذاك حملة اعتقالات واسعة في صفوف الحزب وأعلنت حلّه، واضطر انطون سعادة الى اللجوء الى دمشق. وفي دمشق بدأت الحلقة الثانية التي تكفل بتدبيرها حسني الزعيم هذه المرة. فاعتقل سعادة وسلمه الى السلطات اللبنانية التي حاكمته وأعدمته خلال 24 ساعة فقط. ويحتوي هذا الكتاب نصوص هذه المحاكمة ووثائقها كاملة، كالتحقيق والاستجواب وأقوال الشهود ومطالعة النائب العام ومرافعة سعادة ومذاكرة هيئة المحكمة وتلاوة الحكم وتصديق الحكم ثم الإعدام. ولم يكتف الزميل انطوان بطرس بمجرد إثبات هذه الوثائق فقط، بل لجأ الى كتابة دراسة وافية عن تلك الفترة توضح المقدمات السياسية لتصفية انطوان سعادة، وبرهن ان هذه الخطة شارك فيها كل من رياض الصلح وحسني الزعيم والملك فاروق ومساعد الملحق العسكري الاميركي في دمشق الميجر ميد. ولمزيد من ايضاح حقائق تلك الفترة وضع دراسة ثانية بعنوان »مطامع صهيون في لبنان« ركز فيها على فكرة »تحالف الاقليات في المنطقة«، ولا سيما التحالف الماروني اليهودي، والدور الذي لعبه إلياهو أبشتاين (ايلات) في الاتصال ببعض الشخصيات اللبنانية، فتمكن من تنسيق العمل مع بعض الأعلام البارزين امثال ألبير نقاش وجورج نقاش وهكتور خلاط والمطران مبارك وشارل قرم والياس ربابي وعبد العزيز الاحدب ورياضح الصلح وغيرهم. وظهرت، في هذا السياق، هيئات تروّج فكرة تحالف الاقليات وكانت من بينها »جمعية الشبان الفينيقيين« التي أسسها ألبير نقاش وشارل قرم وهكتور خلاط. *** حشد المؤلف في كتابه هذا الكثير من المعلومات والصور والوثائق، وحرص على ان ينسب اي معلومة الى مصدرها الاساس. وتمكن، بحرفة عالية، من ان يقيم من ركام هذه المعلومات والوثائق معماره التأريخي، ونجح، بالفعل، في إعادة إحياء هذه القصة المثيرة والمأساوية، بدقة منهجية وتفصيل جذاب، فجاء عمله مميزا وممتعا ومفيدا وفاخرا معا. وفي سبيل هذه الغاية استعان المؤلف باثنين وسبعين مرجعا بالعربية، وثمانية مراجع بالانكليزية، وأجرى ثلاثا وأربعين مقابلة، وعاد الى الاوراق الشخصية لكل من جورج عبد المسيح والياس رزق الله، ثم الى الجريدة الرسمية لسنة 1949، والى محاضر مجلس النواب، فضلا عن قانون العقوبات، المدني والعسكري، وأصول المحاكمات الجزائية، وراجع ثلاثا وعشرين دورية، وعشرات النشرات الحزبية المتفرقة، ونشر، الى جانب هذا كله، 138 صورة مختارة، فصار هذا الكتاب، بجماع صفحاته، وثيقة متكاملة لا تصلح دراسة تاريخ لبنان الحديث من غير العودة إليها والاستناد الى معلوماتها والاستعانة بها. *** استنكف المؤلف عن الخوض في مسألة مثيرة وغامضة، بينما جال، بالتفصيل، في مسألة ثانية. والمسألتان لهما اهمية خاصة في جلاء خفايا هذه الحقبة، وهما: اين جثة انطون سعادة؟ ومن هو الضابط الكبير الذي رافق الامير فريد شهاب (مدير الأمن العام اللبناني سنة 1949) والزعيم نور الدين الرفاعي (قائد الدرك) الى دمشق لاستلام سعادة مخفورا؟ ومع ان المؤلف خاض، بإسهاب، في تفصيلات الايام التي اعقبت إعدام سعادة، الا انه لم يزحزح اللثام تماماً عن مصير جثمان سعادة، ولعل جعبته لم تنجده في جلاء المغاليق جلاءً نهائياً. وربما يتمكن، في احد الايام، من إزاحة الأستار عن هذه الاسرار، فتكتمل فصول تلك الخطة التي نفذها سلاطين الانحطاط العربي ضد رجل ما زال سلطانه الفكري حاضرا بقوة حتى اليوم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة