»حتى نعرف أن فراشة تهز جناحيها في البرازيل تساعد في صنع إعصار في الولايات المتحدة«. كان هذا ما قاله روجر كوبلاند الناقد وأستاذ المسرح الأميركي، في توضيحه لسبب صنعه مع طلابه فيلماً بعنوان »صرخة الفراشة«. الفيلم الذي يستعير بعنوانه أغنية جيم موريسون، ويقتبس في شكله الفني »U.S.« مسرحية بيتر بروك عن حرب فييتنام. بحث كوبلاند وطلابه عن آثار العالم في الولايات المتحدة بحثاً عن فهم أوسع لما حدث في أيلول الماضي. أصوات كهذه لا تملك السلطة أو المال في الولايات المتحدة، ويندر أن يستطيع أمثالها الوصول إلى شهرة خارج الطبقة المثقفة المحدودة. لكنهم مثل أولئك الممتلكين للأسلحة والميزانيات العملاقة تأثروا بأحداث11/9 وأخذت تلك الأحداث بالتالي حيزاً واسعاً من عملهم منذ حدوثها. في السينما منذ الأسبوع الأول بعد النكبة عرف المنتجون والمسوقون في هوليوود ما يستطيعون وما لا يستطيعون عرضه. فيلم أرنولد شوارزينيغر »Collateral Damage« (ضرر مرافق) كان أول المتضررين، إذ تم تأجيل عرضه عدة شهور لأنه يحكي قصة رجل إطفاء ينتقم لزوجته وابنه اللذين ماتا في هجوم إرهابي (ولكن أميركي لاتيني) على الولايات المتحدة. »آرني« برغم أنه يعيد نفس الفيلم كل مرة (تقريباً) ما زال لديه ما يقوله، قال آرني: »أعتقد أنه قبل هذا الفيلم وقبل 11/9 لم يكن أحد يعير انتباهاً للبريئين الذين يموتون دائماً في الحروب أو في أي نوع من الهجمات الإرهابية«، مانحاً الفيلم أهميةً تاريخية برغم اعترافه بأنه »صنع من أجل التسلية المحضة«!. وتلاه فيلم جون وو »Windtalkers« الذي يلعب بطولته نيكولاس كيج، والفيلم لا يرتبط بما يذكر بالأحداث لكنه فيلم حربي، ما دعا المسؤولين عن تسويقه إلى تأجيل عرضه تخوفاً من ألا يتجه المتفرجون إلى الصالات لرؤية فيلم حربي والحرب تحيط بهم في كل لحظة على شاشات التلفزة. أجل عرض الفيلم ليأخذ أكبر فرصة ممكنة في شباك التذاكر، ما لم ينجح بالقدر الذي تمنوه حين عرض الفيلم بالفعل. كذلك مُنح مارتين سكورسيزي وقتاً أطول لمونتاج فيلمه »عصابات نيويورك« إذ لم يعد من الضروري عرض الفيلم بسرعة... وسحبت في الأشهر الأولى إعلانات »سبايدرمان« لأنها كانت تحوي صوراً لبرجي مركز التجارة العالمي، لكن الفيلم كان مبرمجاً لأيار منذ البداية. كما حذفت حلقة من مسلسل »Friends« لأن أحداثها كانت تجري في مطار... وراء الكواليس، وإن علناً، كان الحدث الأكبر أهميّة، هو سعي المؤسسة الأمنية والإدارة الأميركية لتعزيز غير مسبوق في علاقتهما بهوليوود. هوليوود التي عملت طوال القرن الماضي على دعم الإنجازات والحروب والخيارات، وعلى ترويج الحلم الأميركي. بدأ ذلك بطلب اختصاصيي الاستخبارات العسكريين والحكوميين الأميركيين التعاون مع عدد من صناع السينما الموهوبين في ابتكار الأفلام الشبيهة بما حدث، كان منهم فينشر مخرج »Fight Club« وديسوزا كاتب سيناريو »Die Hard« وآخرون. كانت الفكرة أن يتخيل هؤلاء ما يمكن أن يكون الهجمات الإرهابية اللاحقة. ثم جاء في نفس السياق لقاء مستشار بوش السياسي (كارل روف) بمدراء شركات هوليوود. حسبما صرّح المستشار كان الحوار »لا يتضمن أي تحديد للموضوعات، بل يقيم اتفاقاً على مساهمة هوليوود في رفع المعنويات، وفي توضيح أن الحرب على أفغانستان ليست ضد الإسلام بل ضدّ الإرهاب وإرسال الأفلام لتسلية الجنود الأميركيين في مواقعهم حول العالم، وإنتاج أفلام التوعية الإعلانية لطمأنة العائلات والأطفال«. كان الاجتماع الشبيه بهذا قد جرى بعد بيرل هاربر!! في الاجتماع صرّح مدير شركة باراماونت »يمكننا أن نحاول إخبار العالم بأن أميركا كانت وما تزال أكرم البلدان في العالم، لقد أطعمنا وكسينا ووفرنا الملجأ لملايين الناس، وبدون أن نطلب أي مقابل«. تلى ذلك دعم غير محدود من الCIA لإنتاج فيلم »مجمل كل المخاوف« الذي يلمع صورة الوكالة والإدارة ويلعب بطولته بن أفليك. لتوضيح آليات العمل في مبنى الإدارة المركزية للوكالة كان جورج تينيت (مخطِّطنا الكبير ومدير الوكالة!) في خدمة أفليك، فجال به وحدثه لعدة ساعات تحضيراً للدور الذي سيقوم به في الفيلم. على الضفة الأخرى، اعتبر كثيرون أن أوليفر ستون (المخرج المشاغب صاحب بلاتون ومولود في الرابع من تموز وولدوا قتلة...الخ) ، قد فقد عقله تماماً وبدأ يقول أشياء تشير إلى جنونه أو إلى وقوعه في الادمان الكحولي حين استفز كثيرين بقوله:»مايكل آيزنر (مدير) قرر أنه لا يمكنني أن أصنع فيلماً عن مارتين لوثر كينغ. ستراهم يعربدون على أبواب ديزني لاند، هذا هراء، ولكن هذا هو النظام العالمي الجديد. إنهم يتحكمون بالثقافة، يتحكمون بالأفكار، وأظن أن ثورة 11 9 كانت تقول: اللعنة عليكم، اللعنة على نظامكم« وتابع »لدى العرب ما يقولونه، وسينضم إليهم أولئك الذين احتجوا في سياتل، والعشرة بالمئة المعتادة من أولئك الذين يرفضون كل شيء.« متحدثاً عن مشروعه لفيلم لا يتجاهل وجهة النظر العربية. اليوم يبدو أن أمنية آلن لم تتحقق. إذ طالما كانت هوليوود قائمةً على التسلية والاستهلاكية والارتباط السياسي المباشر، ستبقى الكوارث سلعة رابحة، وسيستمر »التسلي بالموت«. على الضفة نفسها وبأشكال مختلفة تجد العديدين. أحد أبرزهم هذه الأيام هو مايكل مور صاحب »Bowling for Columbine« الذي استحق احتفاءً كبيراً في مهرجان كان الأخير. مايكل مور الذي يدين المنظومة الأميركية على عنفها في السلطة وفي الشارع، يذكر في الرواح والمجيء بما يراه شبهاً بين بن لادن وبوش وتشيني. ويقود حملة احتجاج على الكونغرس وقراراته بشأن »وزارة أمن الوطن« المزمع إقامتها. بعد 11 9 تمنى وودي آلن أن يكون لها أثر إيجابي في إنهاء سلاسل الأفلام العنيفة والتي تبالغ في استخدام التقنيات لتصوير الكوارث والأبطال. في الثقافة!! هل كان لنكبة ضياع فلسطين عام 1948 أثر حقيقي أم أنه كان أثراً على »الموضوع« وليس على عمق البحث في الشكل أو في الخصوصية؟ هل سيتجاوز الارتباط الذي تم تعزيزه بين مؤسسات السلطة الأميركية وهوليوود الآني من موضوعات الأفلام والتوجهات التسويقية الخاصة بها، أم أنه سيدخل أعمق من ذلك ليؤثر على »فن السينما«؟ هل سينتج الألم الأميركي مدرسة شعرية جديدة أم أن الحادي عشر من أيلول سيبقى موضوعاً هاماً آخر؟ يبالغ العديد من الكتاب الأميركيين في توصيف آثار أحداث 11/9/2001 على تاريخ الثقافة البشرية. ونعترض ويعترض كثيرون على أساس أن نفس الميزان المغشوش هو ما يستخدم. الميزان الذي لا يعدل بين قتيل ومئة وبين إرهاب وإرهاب و... الخ. يذهب هؤلاء »العديدون« إلى انتظار حقبة متمايزة من تاريخ الإبداع البشري تسمى »ما بعد 11/9« بوصفها المرحلة اللاحقة لما بعد الحداثة أو لأي اقتراح آخر... لكن الحقيقي هو أن الأحداث تلك قد فعلت فعلها في الثقافة الأميركية، وأن هذه الثقافة هي السائدة حتى في بلادنا التعيسة والمقاطعة. ما يعني في مجال الإبداع أننا نتفرج على الأفلام الأميركية أكثر من غيرها بكثير، وأننا نستمع إلى الموسيقى الأميركية أكثر من غيرها من غير العربي، وأننا نترجم من الصحافة الأميركية أكثر ونتابع الإعلام التلفزيوني الأميركي أكثر من الأوروبي.... وننسخ طرق العمل الأميركية بوصفها »الحل« لتخلفنا، ونعشق النجوم الأميركيين، كما نضحك على إعلانات المشروبات الغازية الأميركية حتى ونحن نقاطعها. تأثير 11/9 حتى اليوم لا يتعدى ردود الأفعال. هو لم يستطع بأي شكل من الأشكال أن يؤثر على جوهر البحث الإبداعي، أي أن يصوغ قوالب جديدة أو أن يبتكر أبحاث جديدة في الشكل أو المضمون أو علاقتهما... الخ، بل غير فقط في الموضوع وفي درجة التشنّج في طرحه. في جوابهما على سؤال حول التأثير الفني واللغوي لأحداث الحادي عشر من أيلول على الشعر أجاب شاعران أميركيان: ماتاغرانو: »خارج الشعر إن كان سيظهر أي أثر على اللغة المحكية فسيكون أثراً سيكولوجياً وعاطفياً، للمساعدة في التعامل مع الرعب والتوتر والإحباط الآتية ولمواجهة مستقبل غير مفهوم. وهذا ليس جديداً. سمّه آلية دفاع عن النفس. لطالما تبنّت اللغة التروما، الحرب العالمية الثانية مثلاً لم تؤثر فقط على الكلام المحكي بل ولدت عدة كتب عظيمة. سيكون مثيراً للاهتمام بالتأكيد أن نقرأ ما سيبزغ من المعارضة والبارانويا بصيغة الفعل المضارع«. جينيللي: »لا أظن أنه كان لها أي أثر على الشعر حتى الآن. الوقت مبكر للحكم في هذا. في رأيي أن هذه الأحداث وما أنتجته من »حرب« هو تتمة للبناء الأورويلي (من جورج أورويل صاحب 1984 وحديقة الحيوانات): عملية »الحرية اللانهائية« وتعبير »الحملات الصليبية« و»استئصال الشر« و»سحقهم« و... الخ الخ. كل عبارات التربيت هذه تخدم بشكل حقيقي في جعل استمرار حالة الحرب والتدمير والموت والكوارث مقبولةً بل مطلوبة. مثل تسمية ضرب زوج لزوجته »إساءة معاملة منزلية« أوتسمية موت المدنيين أوإصابتهم »ضرر مرافق«. هذه العبارات جميعاً تقيم حالةً من اللا عدالة في لغتنا وبالتالي هي تزوّر إحساسنا بالواقع«. وفي صيغة أخرى من ردّ الفعل، برزت أعداد كبيرة من التعبيرات الأدبية والفنية عن الكارثة الأميركية وحربها. ما سينتج بالتأكيد أصواتا جديدة على الساحة. كان الأكثر لفتاً للنظر بين هذا النوع من أدب الهواة هو الجزء الأهدأ بالاً والأقل تشنّجاً وعصبية. الذي لفت النظر إلى العديد من أعمال الهواة بوصفهم مواهب أدبية، أو بوصفهم يمثلون الشريحة الأكثر تطوراً حضارياً في المجتمع الأميركي. من ذلك أترجم بداية نص قصير لكريس كوريغان بعنوان »الجواب، حسب إبنتي«: »اليوم كنت أنا وابنتي إين نمشي في الغابة ونلعب لعبة. كانت تمثل أن في الغابة وحوشاً وأنهم سيأتون ليأكلونا. كان علينا أن نبقى حذرين«. سألتها »ما هي الخطة؟ ماذا سنفعل إن رأينا أحد الوحوش؟« أجابت »نطعمه« »نطعمه!« قلت. أظن أنها قدمت الجواب. تخيّل لو أن جورج بوش أخذ الاربعين مليار دولار التي أعطاه إياها الكونغرس واستخدمها لإطعام الناس. وإن لم يكن فليأخذ نصفها للأمن ولإصلاح نيويورك ونصفها الآخر لإطعام الجياع، وليس بالطعام وحده. ماذا لو قررنا أن إطعام أرواح الناس هام أيضاً، وأخذنا ملياراً واحداً من الدولارات وبنينا به أضخم وأجمل مسجد في العالم، هناك في وسط كابول. وماذا لو كان ذلك هدية وبدون شروط، مجرد مكان يغذي الناس أرواحهم فيه«.