نحا جودت فخر الدين في شعر التفعيلة اللبناني منذ »أوهام ريفية« منحى متفردا، توخى الدقة والتسلسل والوضوح والفكرة وفوق ذلك احتفى بالخارج والأشياء احتفاء يُبعد عن شعره الاغراق في الذاتية. كانت هذه بداية مشروع تداوله فخر الدين ديوانا بعد ديوان. يتأخر فيه ويتقدم. ديوانه الأخير »سماوات« حلقة في هذا المشروع، حديثنا معه كان حول رؤيته ومشروعه الشعري. في البداية، تصل اليوم الى كتابتك الشعري السابع. لو عدنا الى الوراء قليلا، الى ديوانك الثاني »اوهام ريفية«، لوجدنا انه كان يتضمن تأسيسا لمشروع شعري، كان مبنيا على قصائد تحاول ان توسع مساحة الشعر، ان تنقل الموضوع الشعري الى امكنة غير شعرية، الى امكنة واقعية او حتى علمية، الى وصف الحركة، الى وصف الصوت، الى وصف المكان. هذا المشروع الذي ابتدأ في »اوهام ريفية«، الى اي حد استمر في شعرك الذي جاء في الدواوين اللاحقة؟ { في كتابي »اوهام ريفية« الذي هو كتابي الثاني الذي صدر في العام 1980، اي منذ اكثر من عشرين سنة، كان هناك ملامح مشروع شعري، يمكنني القول انه اتجاه في الكتابة الشعرية، اتجاه خاص، ملخصه انني احببت ان افتش على اللحظات الشعرية فيما هو تفصيلي، فيما هو احيانا بسيط، وقد لا يظن انه من قبيل الشعر، قد يظن انه بعيد عن اللحظات الشعرية، انا اقول ان اللحظات الشعرية الحقيقية هي التي توجد في التفاصيل، فيما بين الاشياء، فيما هو معيش، فيما هو يومي، فيما هو بعيد عن الاحداث التي يتوهم البعض انها احداث كبيرة ويتوهم البعض بأن الشعر يجب ان يرتبط بها. أنا في شعري اجمالا احاول ان افتش عن اللحظات التي تبتعد عن هذه الاحداث العامة اذا صح التعبير. افتش فيما هو تفصيلي كما قلت، بين الاشياء. لذلك ا حب ان يكون للاشياء حضور خاص في شعري، اشياء الطبيعة وأشياء العيش اليومي وما الى ذلك. هذه ناحية من نواحي المشروع اذا صح ان نسميه مشروعا، ولكن الناحية الاهم في نظري هي طريقة معالجة الموضوع الشعري مهما يكن هذا الموضوع، الطريقة، اقصد بها اللغة الشعرية المستخدمة، حاولت ان استخدم لغة بسيطة ولكنها قوية في الوقت نفسه، البساطة لا تعني الضعف، بل تعني القوة والمتانة بعيدا عن التهويل واستخدام الاساليب البلاغية المعروفة التي تقدم احيانا وقعا، الا انه غالبا ما يكون اجوف او فارغا. انا حاولت ان ابتعد قدر الامكان عن التهويل، ان استخدم لغة مشذبة، مهذبة، بسيطة، وان تكون موضوعاتي لها خصوصية معينة وان يكون للأشياء حضور خاص في شعري. هذا قد يكون ملخصا للمشروع الذي بدأ في »اوهام ريفية«. لكن من يقرأ »سماوات« لا بد ان يلاحظ، ان هذا المشروع، لم يعد موجودا، نجد هنا كتابة مختلفة. موضوعات مختلفة، اذا جاز التعبير، وكأن الشعر اخذك الى مكان آخر. { ما هو جوهري في المشروع، اظن انه لا زال موجودا. ولكن طبعا، من الافضل ان تكون هناك اختلافات وتغيرات، ليس من الضرورة ان يبقى المشروع كما كان منذ البدء. طبعا هناك تغييرات، ومن الطبيعي ان تتغير الموضوعات، وأنا اقول ان الموضوع ليس سوى قيمة ثانوية في الشعر، ليس له قيمة اساسية في الشعر، الموضوعات اذا عرضة لأن تتغير، ولكن ما هو جوهري اي ما يتعلق بطريقة التناول، ما يتعلق باللغة الشعرية، اظن انه لا زال موجودا وان كان قد اصبح مصقولا اكثر، مدروسا اكثر اذا صح التعبير، مع ان كلمة »مدروس« عادة، ينفر منها في الكلام على الشعر، انا عادة، استخدم لغة دقيقة وأحاول ان لا يكون فيها كلام زائد، وكل ذلك ما زال امينا للمشروع منذ انطلاقته. ولكن في هذه المحاولة يبدو وكأن صوتك اصبح اكثر خفوتا.. { الخفوت يقال عني عادة، في كل مناسبة، وكأن هناك اجماعا في الكلام عن صوت خافت. انا اظن ان الكلام في هذه النقطة ليس دقيقا ايضا، ماذا نقصد بالخفوت؟ عادة ان الذين يتكلمون عن الخفوت في شعري انما يقصدون الموضوعات بالدرجة الاولى، والموضوع كما قلت ليس له الا قيمة ثانوية. ولأن الموضوع عندي ليس عاما، لا يرتبط بحدث كبير اجمالا، يظن ان الصوت خافت او هادئ او الى ما هنالك. انا ازعم بأن شعري فيه نبرة قوية او عالية، اذا اردت ان تدرس هذه النبرة من الناحية الايقاعية او العروضية او البلاغية، يمكن ان تجد ما هو عال او قوي. لا ادري ماذا يقصد بالضبط بكلمة الخفوت. اما اذا كان يقصد بالخفوت الابتعاد عن التهويل، الابتعاد عن الجلبة، عن الوقع الذي لا يؤدي الى معنى، فأنا أتبنى ذلك. الموضوع اريد ان اضيف شيئا حول الموضوع، ربما كان صحيحا ان ليس للموضوع قيمة حقيقية في الشعر، لكني احسب ان قيمة الموضوع وأهميته تتفاوت من شعر الى آخر، وشعرك فيما يتراءى لي، شعر للموضوع فيه أهمية تفوق ما له في اشعار آخرين. ثمة اشعار ليس فيها موضوع اصلا. شعرك، شعر فيه موضوع وعنوانه ليس اعتباطا، واذا جاز التعبير، ان تكلم هذا الشعر عن شجرة فهو يتكلم عن شجرة، واذا تكلم عن ريح او عن لحظة، فهو يتكلم عنهما؟ { أعود فأقول ان القصيدة لا تأخذ قيمتها من الموضوع وانما الموضوع يأخذ قيمته من القصيدة اذا كانت ناجحة، واذا كان فيها طريقة خاصة في التناول، ولغة شعرية مبتكرة. فمثلا، نستطيع ان نبسط الموضوع فنقول ان ابا نواس ليس شاعرا جيدا لأنه كتب في الخمر، موضوع الخمر اصبح موضوعا مهما لأن ابا نواس قد تناوله بطريقة معينة. نستطيع ان نقول ايضا ان موضوع الحب موجود عند جميع الشعراء، لكن ليس كل من كتب قصيدة في الحب فمعنى ذلك ان هذه القصيدة سوف تكون جيدة، من الممكن ان يأتي شاعر ويكتب قصيدة رديئة في الحب. موضوع الحب يأخذ احيانا قيمته عند هذا الشاعر او ذاك بحسب طريقة التناول، بحسب اللغة المستخدمة، وأحيانا يأتي الشاعر الى موضوع شائع جدا كثير التداول، فيتناوله بطريقة خاصة يعطيه قيمة جديدة. انا افعل ذلك احيانا وهذه مغامرة، هذا تحد للذات اذا صح التعبير. المثال على ذلك قصيدتي الاولى في مجموعتي الجديدة، تتناول القصيدة شخصية الإمام علي، هل هناك مغامرة اكثر من ان تتناول في قصيدة شخصية الإمام علي التي كتب فيها الكثير الكثير، شعرا ونثرا. انت عندما تأتي الى هذ الموضوع، عليك ان تأتي بشيء جديد، في موضوع عولج كثيرا. هذه مغامرة. اذا كانت هذه القصيدة ناجحة، معنى ذلك انني اضفت شيئا جديدا في موضوع شائع جدا، لكن بالطبع، في كتاباتي السابقة، منذ »اوهام ريفية« كنت افعل ذلك. قيل يومها عن مجموعتي هذه ان فيها رومنسية، فقط لأنني تناولت بعض اشياء الطبيعة في الريف عندنا، في القرية الجنوبية. كنت اشعر يومها بأنني اتناول هذه الاشياء تناولا خاصا، ليس بالمعنى الرومنسي الشائع والمعروف جدا. هذه صعوبة في تناول الموضوع، احببت ان اقتحمها، ان اتناول موضوعات شائعة ولكن ان اتناولها بطريقة جديدة. بالطبع، القارئ، فيما بعد، هو الذي يحكم على مدى نجاحي في هذه المغامرة. هناك ابتعاد كلي عن هذه الامور التي كنت تتداولها، كنت تكتب عن الفيزياء، عن أشياء الطبيعة، صرت تميل منذ مجموعتك ما قبل الأخيرة: »منارة للغريق«. الى التجريد أكثر، الى فكرة.. { ما زالت هناك أشياء حاضرة في مجموعتي الجديدة، كانت موجودة في مجموعات سابقة، فمثلا في قصيدة »سماوات« بالذات القصيدة الأساسية في هذه المجموعة يمكن ان تجد ما يشبه الأشياء السابقة. لكنك تشير الى نقطة صحيحة وهي انني أصبحت أكثر تأملا، هذا النوع من التأمل في مسألة الوجود الشخصي، إزاء وجود عام، وهذا أمر، لا أستطيع ان أفسره. يمكن ان يكون الأمر كذلك بالنسبة الى شاعر مضى على تجربته زمن معين او أخذ يتقدم في العمر، او ما أشبه ذلك، طبعا، رؤيته للأشياء، وطريقة تفكيره تتغير، هذه أمور اعتبرها أيضا طبيعية، ولكن في النهاية ليست لها قيمة فنية أساسية. أنت من الشعراء القليلين في جيلك، الذين يكتبون قصيدتهم وكأنهم يعالجون فكرة، وهذه الفكرة تبدأ من السطر الأول وتتعرض لجدل ولمناقشة ولبرهان أحيانا ولتوسعة، فالقصيدة بهذا المعنى، تملك وحدتها على نحو ما من الفكرة نفسها. الفكرة هي عمود القصيدة وهذا يجعلك، إذا جاز التعبير، بعيدا عن سربك. { هذه نقطة أحب ان أتكلم فيها، وأولا أريد ان أقول ان الفصل ليس بالضرورة ان يكون حاسما بين شعر لغة وشعر فكرة.. ليس للحسم، وإنما للتمثيل فقط.. { عادة، يحب البعض، او يميلون الى هذا التصنيف، هناك شعر يقوم على الفكرة وهناك شعر يقوم على الصورة مثلا. أحب ان لا يكون هذا الفصل حاسما، ويمكن ان يكون الشعر جامعا لهذين الطرفين. ان يعالج افكارا معينة وان يقدم في الوقت نفسه لغة شعرية جديدة الصور والتراكيب، وما الى ذلك. عادة يقال عن شعري انه يهتم بالفكرة أولا، وهذا ناتج عن انني فعلا أتابع الفكرة، فليس هنالك أي تشوش فكري في قصائدي، إذا صح التعبير. لكن أنا أميل الى القول بأن اهتمامي الأساسي في كتابة القصيدة هو اهتمام لغوي، يعني انني أعتبر ان القصيدة وقبل أي شيء كيان لغوي، وتكون ناجحة إذا استطاعت ان تكون هذا الكيان القائم على ابتكارات لغوية في التراكيب النحوية وفي كل ما يتعلق باللغة الشعرية ولكن، الفصل، وكما قلت، ليس ممكنا او حاسما. فالشعر الناجح في نظري هو الذي يستطيع ان يقدم لغة، الذي يستطيع ان يقدم صورا جديدة، لكنه في الوقت نفسه، يكون متضمنا لأفكار يمكن ان تتابعها. ليس عيبا ان تكون هناك فكرة في القصيدة وان يعالجها الشاعر على نحو يسمح للقارئ بأن يجد بداية ونهاية لهذه المعالجة، معالجة الفكرة. وليس هينا ان تجد فكرة في القصيدة، ابتكار الأفكار أيضا هو أمر ليس بالسهل. باختصار أنا اتمنى ان تجمع قصيدتي بين هذين الطرفين، ان تقدم نفسها على انها كيان لغوي وان توحي في الوقت نفسه بأنها تقدم أفكارا.. لقليل من الايضاح، يمكن ان نميّز في شعرنا الحديث بين نموذجين، من نماذج كثيرة، هناك نموذج من الشعر الذي يظن أصحابه ان تلاحق الصور واحتشاد الصور المعقدة بمعنى ان يكون في الصورة أطراف كثيرة فيظن أصحاب هذا النموذج بأن الشعر يجب ان يقوم على مثل هذا الحشد من الصور وغالبا في هذا النموذج، إذا أنت فتشت عن دلالات او معان او افكار، فانك قليلا ما تقع على شيء، يكون احتشاد الصور، أشبه بتهويل قد يأخذ أحيانا باهتمام القارئ او السامع ولكن لا يبقى لدى القارئ او السامع أي شيء، بعد الانتهاء من سماع القصيدة او قراءتها. هنالك نموذج ثان في شعرنا، وهو شعر ذهني ينطلق أساسا من أفكار ولا يهتم إلا بمتابعة هذه الأفكار وان كان ذلك على حساب اللغة الشعرية او على حساب الصور او طريقة التعبير بشكل عام. بين هذين النموذجين، أنا لست، لا مع هذا النموذج ولا مع ذاك، وأحب ان لا يُصنّف شعري لا في هذا الطرف ولا في ذلك. أحب للأفكار، في شعري، ان تكون منضوية في النسيج اللغوي الايقاعي.. الايقاع هو الذي يتقدم على كل شيء وليكن بعد ذلك للقارئ ان يستخلص الأفكار التي يمكنه ان يستخلصها. الشعر الناجح هذا صحيح ولكنني لاحظت من كلامك انك تتكلم عن القصيدة كما لو ان القصيدة تملك وصفة معينة، فيها نسب من المقادير لكي تكون ناجحة، حتى انك قلت الشعر الناجح، هل تظن ان ثمة ترسيمة معينة او وصفة معينة للشعر الناجح؟ { معايير النجاح في الشعر، لا يمكن ان تكون عامة، دائما هناك معايير شخصية او مزاجية، ولو كان في الامكان ان تكون المعايير عامة لاتفق الناس على الشعر الناجح وعلى الشعر غير الناجح. ذكرت قضية النجاح، وهناك طبعا في ذهني معايير خاصة وليست ثابتة، لست متعصبا او متزمتا او متمسكا بمعايير معينة، هذه المعايير ممكن ان تتغير حتى بالنسبة الى الشاعر نفسه، من مرحلة الى مرحلة، وأحيانا من قصيدة الى قصيدة. ولكن أنت تعجب أحيانا بقصيدة، فتقول عنها انها ناجحة، فقط، لأنك أعجبت بها وقد يأتي زمن على ذلك، وتجد نفسك بأنك أصبحت غير معجب بهذه القصيدة ذاتها، فمعنى ذلك ان معاييرك قد تكون قد تغيرت. ولكن عندما تكلمت عن نموذجين في شعرنا تكلمت عن اتجاهين في كتابة الشعر وقلت لا أحب ان أكون منتميا لا الى هذا الاتجاه ولا الى ذاك، أحاول ان يكون لقصيدتي نكهة خاصة، أنا أدأب على ان أحققها. لم تكن مع نموذج الانتشار اللغوي، والاحتشاد الصوري، القصيدة العائمة والقصيدة السائلة تذكرنا بالاتجاه اللبناني بدأت اقرب الى صلاح عبد الصبور. { لا انكر انني كنت في بداياتي الشعرية معجبا أكثر ما كنت معجبا بشاعرين من بين شعراء الحداثة، (فأنا لا أتكلم هنا عن قراءاتي للشعر القديم) هما السيّاب وعبد الصبور، لكنني مع مرور الزمن اكتشفت مواضع ضعف كثيرة هنا وهناك، طبعا من وجهة نظري الشخصية. لكن كما قلت أنت، لم أشعر في البداية بانتماء الى بؤرة شعرية لبنانية او حتى غير لبنانية، كنت أظن ان الانتماء الشعري يمكن له ان يكون الى اللغة العربية أولا والى الشعر العربي بشكل عام. »أقصر عن حبك«، كتابك الأول، يبدو قريبا من المنحى الأول، من المنحى اللبناني. { أعترف ان كتابي الأول لم ينطو على ملامح أساسية لما سميته مشروعي الشعري الذي بدأ في كتابي الثاني، صحيح انه في مجموعتي الأولى يمكن ان تجد تأثرا هنا، او هناك، بهذا الشاعر او ذاك. بداية المشروع الخاص، اعترف بأنها بدأت مع الكتاب الثاني.. قلت ان خفوت صوتك، هو محاولة للابتعاد عن الجماعة، على الأقل، عن أبناء جيلك. سؤالي هو، كم كنت واعيا أنت نفسك لتتميز من هذا الجيل، او كم كان الشعراء الآخرون، يبعدون عن هذا الشعر العربي، بهذا المعنى، وكانوا أكثر اقترابا من الشعر اللبناني... { قضية الأجيال لا أعرف فيها كثيرا لم أشعر يوما بأنني أنتمي الى جيل معين لا بالمعنى الزمني ولا بالمعنى الفني. عندما تقول جيلي، لا أعرف من تقصد... هل تقصد بالجيل »شعراء الجنوب«؟ لنفترض جدلا تسمية جيل السبعينيات، فقط للاصطلاح. { أظن بأن كل شعر يكتب انطلاقا من حس نقدي، ليس بالضرورة، من رؤية نقدية شاملة ولكن من حس نقدي تجاه نفسه وتجاه غيره. هذا الحس النقدي، بدأ عندي من كتابي الثاني »أوهام ريفية«. وقد تطور هذا الحس وأصبح أكثر نضجا عبر مجموعاتي الشعرية المتتالية، وصولا الى مجموعتي الجديدة »سماوات«، لا أدري كم بقي من شعري في أثر لهذا الشاعر او ذاك من الشعراء الذين أعجبت بهم في بداياتي. ويمكنني من ناحية ثانية ان اذكر شعراء أعجبت بهم، دون ان اتأثر بهم. من هؤلاء الشعراء مثلا أحمد شوقي، الذي ينفر منه المتحمسون للحداثة، ويعدّونه صوتا من الماضي، فيما أعده من أهم الأصوات الشعرية في النصف الأول من القرن العشرين. أسلافنا الأجانب لماذا، في هذه الأسماء التي ذكرتها، لا نجد أي اسم لشاعر أجنبي، علما بأن شعر مجايليك ينتسب لشعراء أجانب؟ { أنا لا أدعي بأنني على علاقة قوية ببعض التجارب الأجنبية، وأنا عندما اقرأ شعرا أجنبيا فغالبا ما أقرأه مترجما الى اللغة العربية، وأنت تعرف كم ان الترجمة تسيء الى الشعر، عندما تنقله من لغة الى لغة أخرى. لكن طبعا، كغيري من كتاب الشعر في المرحلة الحديثة تعرفت على نحو او آخر بشاعر مثل اليوت وبشاعر مثل سان جون بيرس، كما ببعض الترجمات لشعراء مثل بودلير ورامبو.. وقد اكون تأثرت على نحو او آخر، لا أستطيع ربما ان أصف تأثري على نحو مفصل. كذلك استخدم معرفتي ببعض الشعراء الأجانب في تدريسي لبعض المواد في الجامعة، فمثلا منذ سنتين وأنا معني كثيرا بشعر غوته (الالماني) وأعدت قراءة مسرحياته الشعرية وديوانه المعروف جدا »الديوان الشرقي للمؤلف الغربي«، ووجدت نفسي أعجب اعجابا شديدا بهذا الشاعر ولا أنكر أنني قد تأثرت ببعض هذه الأشعار حتى في كتاباتي الشعرية. لا أعرف كم يبدو صائبا ما سأقوله، ومع ذلك سأطرح السؤال التالي: إذا أردنا ان نستعيد التجربة التي كتبتها بدوت كأنك كنت تبحث عن مكان من خلال هذه التفاصيل. الواضح في شعرك الأخير لم يجد الشعر هو الذي يبحث عن المكان، وإنما المكان يبحث عن شعره؟ { في كتاباتي الاولى، يمكن ان يكون هنالك ما يوحي باحساس بفقدان المكان.. المكان الذي انطلقت منه وهو دائماً حاضر في شعري، هو الضيعة الجنوبية التي نشأت فيها، وانا دائماً اتذكر كائنات الريف الذي اتيت منه اينما كنت.. في البداية كان هنالك احساس بامكانية فقدان هذا المكان، لانه كان مهدداً دائماً. انت تعرف الظروف الامنية التي مر بها الجنوب اللبناني علي مدى سنين طويلة. ولكن بشكل عام، لو تجاوزنا هذه النقطة، ادعي بأنني اتعامل تعاملا خاصاً مع المكان، املك احساساً خاصاً بالمكان، وخاصة حين اذهب الى مكان جديد لم اذهب اليه من قبل. فاذا احببت هذا المكان، احب ان اصادقه، ان اتعرف اليه اكثر فأكثر، لهذا السبب تجد في مجموعتي الجديدة »سماوات«، تجد كلاماً على امكنة بعيدة او امكنة جديدة، ذهبت اليها لأول مرة او لمرتين او ثلاث مرات وأقمت علاقات خاصة بهذه الامكنة. احب ان يكون للمكان حضور في شعري. وأنا اقول ان القصيدة الناجحة عندما تتكلم عن مكان جديد، يجب ان تنطوي على روح هذا المكان. الداخل الملاحظ في »سماوات«، كما في »»منارة للغريق«، وكأنك تنسحب اكثر الى الداخل، ليس هذا الانسحاب تأملا في الوجود فقط، بل هناك علاقة ميتافيزيقية اكثر مع اللغة والكلمات والموضوع، مع نفسك. { صحيح هذا الامر، اولا بالنسبة الى اللغة، في الكتابين الاخيرين، »منارة للغريق« و»سماوات«، يمكن ان نلاحظ ان اللغة اصبحت مصفاة وأكثر دقة اذا صح التعبير، وانا لا انفر من كلمة الدقة في الكلام عن لغتي الشعرية، مع ان البعض يمكن ان يجد فيها جوانب سلبية، اي ان الدقة ليست من قبيل اللغة الشعرية، انا أنحو صوب الدقة في لغتي الشعرية. هذا بالنسبة الى اللغة. بالنسبة الى المسألة الثانية اوافقك القول ان في هاتين المجموعتين نوعاً من الانكفاء اكثر فأكثر الى الداخل، محاولة التكوين ركن خاص، شخصي، احتمي به او افيئ اليه، كأنها رغبة في العزلة، في الابتعاد عن الآخرين، لا استطيع ان افسر هذا على نحو واضح تماما ولكن قد يكون الامر متعلقا بتجاربي في الحياة وايضا في تقدمي في التجربة الفنية وفي العمر ايضا. كيف يمكن ان نسمي ذلك، صوفيا او غير صوفي، لا ادري.. عادة كلما كان هنالك اتجاه نحو الداخل يقال ان ذلك هو اتجاه صوفي. شئت أم أبيت، وضعت في فترة من الفترات، ضمن فئة من الشعراء عرفت باسم »شعراء الجنوب«، ماذا بقي من هذه التسمية؟ { منذ البداية كنت اقول ان هذه التسمية ليست فنية، وانما اطلقت على اشخاص اتوا من منطقة جغرافية معينة هي الجنوب اللبناني، ومنذ البداية كنت اشعر بأن هنالك اختلافات كبيرة بين هذا الشاعر او ذاك، فمن اطلق عليهم اسم شعراء الجنوب، كنت اعي منذ البداية الفرق الكبير بيني وبين الشعراء، داخل هذه التسمية. الآن ايضا، اكرر الكلام نفسه، اقول ليس هنالك مدرسة فنية او اتجاه فني اسمه »شعراء الجنوب« وان كانت هناك هموم مشتركة بين هؤلاء الشعراء، او موضوعات مشتركة، ولكنها موضوعات وهموم قد تكون مشتركة بينهم وبين شعراء عرب كثيرين. لا تزال تكتب قصيدة التفعيلة، لماذا؟ وما رأيك في قصيدة النثر؟ { كلها تصنيفات تفتقر الى دلالات مهمة: الشعر العمودي، شعر التفعيلة، قصيدة النثر... الخ. هناك افتعال كبير في الكلام على ظواهر شعرية في ايامنا هذه. وبسبب من غياب الظواهر الحقيقية، يجري الكلام على اتجاه هنا او اتجاه هناك. والغريب ان الكثيرين يتحزبون في هذا الجانب او ذاك. فتجد مثلا دعاة »النثر« يقفون موقفا معاديا من كل ما هو موزون، وكذلك في المقابل، نجد دعاة الوزن لا يتقبلون شيئا مما هو غير موزون. التحزب هو دليل اضافي على افتقارنا الى ظواهر شعرية حقيقية. من جهتي لست متحزبا ولا متعصبا، وأنتظر الشعر الجيد من اي مصدر من المصادر. وأقول ان المراهنة في ايامنا هي على تجارب فردية، بل على نصوص معينة، وليس على ظواهر او حركات او اتجاهات. وهذا في حد ذاته امر يشير الى تفتت عام، في اوضاعنا العربية، في جميع المجالات. السجال بين »الوزن« و»النثر« هو في ايامنا سجال سطحي، ينبغي ان نتخطاه الى سجالات اكثر حيوية وعمقا، وذلك في سبيل البحث عن آفاق جديدة للتعبير الشعري.خ. هناك افتعال كب