يحلق البارون مونشهاوزن في الفضاء وهو يربط نفسه بحبل مع رفّ من الطيور، او يركب قذيفة مدفع كروية تنقله سريعا الى الهدف، او يمتطي نصف حصانه الذي فقد نصفه الخلفي عند اقتحامه بوابة قلعة معادية، او يرقص في بطن حوت ابتلعه وهو يسبح في شاطئ المتوسط. هذه صور من مغامرات البارون مونشهاوزن، وهي حكايات مسحورة وصلت الينا من القرن الثامن عشر، من عصر الفروسية والتنوير، على لسان حكواتي وفارس ألماني متقاعد، كان ضابطا في الجيش، خاض حربين في الجبهة الملتهبة بين الروس والأتراك العثمانيين. مغامرات تمشي على الارض وتسبح في الماء والفضاء قبل عصر الطيران، تلغي المنطق والمعقول وقوانين الطبيعة بقوة الخيال والمبالغة، وتنسج حكايات خارقة تقترب من الاسطورة، وتلتقي مع الرحلات العجيبة للسندباد، او الليالي الطويلة لشهرزاد، حتى كأنها بضاعتنا رُدت الينا بعد ان نسيناها وانشغلنا بالخطابة العجفاء في عصر آخر للفروسيات المهزومة. لم يكن البارون العجيب وحيدا في مغامراته الغريبة، فمن معجبيه قادة بارزون وسلاطين، وفي حاشيته رجل أسرع من الريح وصياد يصوب نحو طائر في بلاد بعيدة، ورجل يسمع حركة الحشائش وهي تنمو، بينما يلتقي في جبل لبنان برجل معجزة، ليتنا نعرف أحفاده اليوم، كان الرجل قويا مفتول العضلات، يحمل حبلا طويلا يطوق به حرشا من أشجار الارز، وحين سأله البارون مونشهاوزن عن سر ما يفعله أجاب: ».. جئت لجمع شيء من الحطب، ولكنني مع الأسف نسيت فأسي في البيت، فلم يكن بد من أن أتحايل على ذلك بوسيلة أخرى، ونجحت فعلا، فها أنتم ترون أنني طرقت أشجار هذه الغابة بالحبل، ولكن أرجو المعذرة، فان هذه الاشجار أوشكت على السقوط، فعليكم ان تبتعدوا قليلا. وما إن انتهى من كلامه حتى سحب الحبل بعنف، وما هي الا لحظة حتى انهارت الاشجار، وكانت تغطي ميلا مربعا من الارض«. ان الحكايات الشعبية لا تستطيع ان تتجاوز محيطها، لتكون جزءا من الادب الانساني العالمي، الا اذا اقتربت في مستواها من ألف ليلة وليلة والديكاميرون وحكايات كانتريري ورحلات غوليفر ودون كيخوته وفاوست، مثلا، ويمكن ان نضيف الى هذه العناوين »مغامرات مونشهاوزن«، وهي التي تركت أثرا واضحا على ما جاء بعدها من قصص الخيال العلمي، خصوصا في أعمال جول فيرن، مثل: ثمانون يوما حول العالم، غزو القمر، مغامرات في افريقيا، وفي أعمال ه.ج. ويلز، مثل: آلة الزمن، حرب العوالم، طعام الآلهة، وفي »الحكايات الخرافية« التي كتبها هيرمان هيسه. خمس وعشرون ليلة جاءت مغامرات مونشهاوزن على شكل حكايات في خمس وعشرين ليلة، تتوالد بعض هذه القصص او تتواصل مع قصص اخرى عن انتصاراته في الحرب ومعجزاته في الصيد وتطويع الوحوش والتغلب على قانون الجاذبية وقوانين الطبيعة وإثارة الدهشة والاعجاب في كل البلاد التي مرّ بها، شرقا وغربا، وربما كان همه الاول ان يتخلص من الكآبة التي تسيطر عادة على حياة المتقاعدين او المهزومين او العاطلين عن العمل، والتي كانت تحاصره مع الهموم العائلية التي نجمت عن خيبته في زواجه البائس مرتين، فالمبالغة والكذب الأبيض والكذب الاسود قد تكون عنصر تعويض عن الاخفاق في تحقيق الطموحات العسكرية او العاطفية او غيرها. لم تكن شخصية مونشهاوزن خيالية، فهو هيروغوس كارل فريدريك فون مونشهاوزن (1720 1797) الذي عاش في منطقة هانوفر، والتحق بالجيش ثم حصل على رتبة نقيب في سلاح الفرسان، واشترك في حربين منفصلتين مع الأتراك بين عامي 1737 1739 ثم استقال وتقاعد عام 1752، وانضم الى مجموعة من أصدقائه القدامى، يمتعهم بحكاياته، ولكنه أصيب بصدمة حينما عرف ان الناس من حوله أطلقوا عليه لقب »البارون الكذاب«، ومع ذلك أُقيم له تمثال، بعد وفاته، في مدينته »بود نويردر« وهو يمتطي النصف الاول من حصانه، كما جاء في إحدى حكاياته. اما المؤلف الأول لمغامرات مونشهاوزن فهو رودلف اريك راسب (1737 1794) الذي ينتمي الى منطقة هانوفر ايضا، وهو من جيل مونشهاوزن نفسه، ولم تكن حياته بعيدة عن المغامرات، درس علم اللغة والعلوم الطبيعية في جامعتي غوتنغن وليبزيغ، واستلم أمانة المكتبة فيهما، وكان خبيرا في المناجم، وأعطته خبرته في معرفة ودراسة الشعر الانكليزي القديم وكتاباته عن الجيولوجيا والمناجم فرصة ليكون مدرسا وعضوا في الجمعية الملكية ومسؤولا عن الكنوز والمجوهرات الأثرية النفيسة لأحد الأثرياء، ولكن حياة راسب لم تكن مستقرة، حيث تراكمت عليه الديون ووقع في ورطة حينما باع بعض تلك الكنوز والمجوهرات وفرّ الى هولندا ثم الى بريطانيا عام 1775 لتجنب المحاكمة والسجن، وعمل في بريطانيا كخبير في المناجم، ثم كتب في عام 1785 »المغامرات العجيبة للبارون مونشهاوزن« معتمدا على بعض ما قرأه من حكايات الصيد لدى مونشهاوزن، حيث نشرت في مجلة تصدر في برلين قبل سنوات قليلة، اضافة الى الأخبار التي استقاها من أحد أقارب مونشهاوزن، حينما كان في مدينة غوتنغن، واضاف اليها حكايات مبتكرة يعود بعضها الى مصادر وحكايات شعبية قديمة، مع تأثر واضح بكتاب جوناثان سويفت »رحلات غوليفر«، وحينما نشر راسب بالانكليزية ما كتبه في مطبعة مجهولة لم يجد صدى يذكر لما كتبه، وساءت أحواله في بريطانيا فسافر الى ايرلندا عام 1791، حيث توفي بعد ثلاث سنوات هناك. وقام الشاعر الألماني غوتفريد بورغر بترجمة كتاب راسب الى الألمانية واضاف اليه بعض الحكايات، التي لاقت رواجا في ألمانيا في عام 1788، ولكن عمل راسب لم ينل الشهرة والانتشار الواسع الا في عام 1847، وتوالت شهرته في بداية القرن العشرين حينما تحول الى السينما في عدة أفلام، أهمها الفيلم الصامت لجورج ميليه 1911 في فرنسا، والفيلم الألماني الملون الناطق لجوزيف فون باكي 1943 وفي كل مرة تأتينا هذه المغامرات في وجه جديد.