As Safir Logo
المصدر:

رفض التقسيم والقبعات الزرق وإجماع على انتقاد أداء السلطة الأحزاب الجزائرية وكرة الثلج البربرية

علي بن فليس
المؤلف: حرب خليل/شاهين احمد التاريخ: 2002-06-08 رقم العدد:9217

اذا كانت السلطة نجحت نسبيا خلال الاعوام العشرة الماضية في محاصرة الاسلاميين واخراجهم من الجوامع التي كانت معاقل شعبية لهم، ثم ادخال بعضهم في هياكل الحكم واضعافهم، فانها هذه المرة امام اختبار لا يقل صعوبة في التعامل مع منطقة القبائل حيث وجدت اقليات سياسية ما يكفي من الذرائع في السخط الشعبي وسوء حركة السلطة، لجعل مستقبلها مرهونا بوجود الجزائر نفسها وهويتها. ما يلوح في افق الازمة البربرية الطابع، نذير شؤم للجزائريين. يكاد يجمع الجزائريون على ان الازمة اساسا ازمة مجتمع يعيش دوامة عنف وبطالة وغيرهما. لكن قلة نجحت في جر منطقة القبائل، لما تتمتع به من خصوصية ثقافية، نحو الصدام. وسعت، من دون نجاح كبير، في وضع البربر عموما في صورة المعادين للدولة بينما هم في الواقع شريحة في جوهر المجتمع الجزائري منذ ما قبل الثورة وما بعد عاصفة العشرية الاخيرة. ومثلما اثارت التيارات الاسلامية في صعودها ثم انكسارها امام قمع الدولة ، الكثير من التخبطات في مسار حياة الجزائريين، فان ازمة منطقة القبائل التي اكتسبت صبغة بربرية، مرشحة هي الاخرى لاثارة المزيد من الانقسامات في المجتمع الجزائري، اذا لم تحسن الدولة، احزابا ومؤسسات مدنية وعسكرية، استيعابها سريعا. هنا، محاولة لرصد المواقف الحزبية من الازمة البربرية وتشعباتها من خلال مواقف وتصريحات، من دون الادعاء ان فيها ما يكشف ما هو مستور في عمق الصراعات الشائكة على الساحة او تعقيدات المسألة البربرية. لكن اللافت للنظر ان الاحزاب والتكتلات السياسية الجزائرية تلتقي على انتقاد السلطة وتحميلها مسؤولية كبيرة لما يجري على الساحة البربرية، خصوصا لجهة تعاملها فورا بقسوة مع بدايات تفاقم التذمر الشعبي في المناطق القبلية، والذي تمثل بمقتل اكثر من مئة شخص واصابة مئات آخرين منذ عام حتى الان، والذي كانت شرارته الاولى في مقتل الشاب قرماح ماسينيسا في مقر الدركة في 18 نيسان2001. ولا بد من الاشارة الى ان التيارات الاسلامية عموما تتخذ موقفا حادا مما يجري في منطقة القبائل. وتلتقي معها في الجهة المقابلة ايديولوجيا حزب العمال التروتسكي، وربما بحدة لا تقل عنها. وبينما ينطلق الاسلاميون في موقفهم هذا من ضرورة الحفاظ على دين وهوية الجزائريين، ينطلق حزب العمال من مبادئ وطنية ووحدة الجزائر وسيادتها. وروى زعيم حزب حركة مجتمع السلم الاسلامية الشيخ محفوظ نحناح ل»السفير« كيف انه اعطى تعليمات لانصار حزبه بالتصدي بالقوة لاي محاولة من جانب البربر لعرقلة مهرجان لحزبه قبيل الانتخابات في منطقة القبائل، حيث تسود مشاعر العداء للانتخابات ومن يشارك فيها. ويقول نحناح ان »دعوى الحكم الذاتي لا يوافق عليها حتى الذي يدعو اليها لانه اهوج الفكر ولا يدري ما يفعل، وقد يكون مخدرا او ثملا او متواطئا«. وخرج امير الجيش الاسلامي للانقاذ، الجناح العسكري المنحل للجبهة الاسلامية للانقاذ المحظورة، مدني مزراق، من عزلته المتفق عليها مع السلطة، وانتقد الشعارات المنكرة والخطيرة التي تؤكد الخيانة عند اصحابها وضربت الوحدة الوطنية في صميمها بالدعوة الى الانفصال وتقسيم البلاد، ورددت بالفم الملان لا اله الا الله معطوب رسول الله (المغني البربري معطوب الوناس الذي اغتيل). ويتساءل مدني مزراق »هل نسمع يوما ان وطنيين شجعانا في الدولة غضبوا لله وللامة واستعملوا قوة القانون واحالوا هؤلاء على المحاكمة لينال كل واحد جزاءه ؟!«. ومن جهته يقول زعيم حركة الاصلاح الوطني الشيخ عبدالله جاب الله »هل هذه الفوضى انعكاس لصراع موجود بين مؤسستين اساسيتين، اعني الرئاسة والجيش؟. ام انها جاءت نتيجة الاوضاع الاجتماعية المأساوية؟ ام انها نتيجة الظلم وخاصة فئة الشباب؟. ام ان الصراع الذي تكلمت عليه وجد في الاوضاع الاجتماعية السيئة ما اعانه على تفجير الوضع؟. واذا كان حصل بفعل فاعل فمن هو هذا الفاعل؟«. اما حزب النهضة الذي يتزعمه الحبيب آدمي فيعتبر ان الانزلاقات الخطيرة وما ترتب عليها من اعمال شغب ونهب، فعل اجرامي، ويطالب السلطة بتحمل مسؤولياتها. ويقول آدمي ان الحديث عن الاستقلال الذاتي امر مرفوض وان الذين يدعون لهذه الفكرة هم خونة والذين ينادون بذلك هم اولئك الذين لم يقدموا اية تضحيات من اجل البلاد. اما في ما يتعلق بالطرح الفيدرالي، فهو جزء من مشروع غربي للسيطرة على الدول العربية. وكان وزير الشؤون الدينية بوعبدالله غلام الله اتهم مسؤولين مزدوجي الجنسية ومعروفين بإيثارهم للجنسية الفرنسية بانهم وراء تحريض شبان القبائل على الانتفاضة. ومن جهته، ينتقد حزب العمال التروتسكي الذي تتزعمه لويزة حنون، صمت الدولة امام المواطنين ويحذر من وضعيات كالتي عاشتها يوغوسلافيا ورواندا وزائير. كما يعتبر ان هناك مراكز مصالح غامضة تقوم بمحاولة اثارة مكونتي الشعب اللغوية، الواحدة ضد الاخرى. ويندد الحزب بالاصوات الداعية الى تدخل الامم المتحدة للتحقيق حول حقوق الانسان في الجزائر. وتقول لويزة حنون ان »الاطراف التي تقف وراء تنسيقية العروش تمهد لتأسيس حركة سياسوية جهوية عرقية«. واذ تسلم بان هناك »شبانا يرفعون مطالب اجتماعية وثقافية وان هناك عروشا معروفة بمصداقيتها الا ان خلفها توجد حركة تستغل الاوضاع للدفع نحو حرب اهلية وعرقية«. وتلاحظ حنون ان النقاش لم يعد حول تلبية المطالب وانما حول الحكم الذاتي، متهمة تنسيقية العروش بالتحول الى حركة سياسية ذات حركة بديلة للسلطة وللاحزاب والاطر الوطنية. وتنتقد زعيمة حزب العمال استعداد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة للتحدث مع التنسيقية. كما تستغرب الدعوة التي وجهها الاتحاد الاوروبي لمحاورتها. ويقول رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية موسى تواتي ان »الامر يتعلق بوجود صراعات بين بوتفليقة ومن فرضوه كرئيس«، وان الانفجار هدفه اجبار الرئيس على التنحي، متسائلا عمن يحرك الشعب لاقالة او ابقاء شخصيات معينة. وتحذر الحركة الديموقراطية الاجتماعية (الشيوعيون) من تهديد الوحدة الوطنية، وتنتقد السلطة التي عوضا عن مد يدها للشعب راحت تلعب بالنار وتظهر تعنتا. ومن اللافت للنظر ان حزب جبهة التحرير الوطني (الحاكم الوحيد سابقا) يطالب »بكشف وفضح الذين يعملون في الخفاء على تأجيج الاحداث وتوظيف الشارع لتحقيق مآرب سياسية واغراض مشبوهة«. كما ترفض استغلال تجاوزات معزولة ومحدودة لتشويه سمعة قوات الامن. ويقول الامين العام للحزب علي بن فليس ان »الاحداث الماساوية ظهرت بعد سلسلة من الحملات المستهدفة استقرار الجزائر. لقد تغذت هذه الحملات تواردا بقضايا حقوق الانسان والمفقودين وتجاوزات مصالح الامن ومن يقتل من؟. وها هي ذي تتناول مسألة الاقليات الواجب حمايتها«. وعلى النسق ذاته، يندد حزب التجمع الوطني الديموقراطي المشارك في الحكم، »باستغلال الغضب الاجتماعي لتخريب ممتلكات الشعب ويرفض استغلال الاخطاء المعزولة لتشويه سمعة ومكانة قوات الامن«. وسبق للامين العام للحزب احمد او يحيى ان اعتبر ان من يطالب بتقسيم البلاد ليس سوى صوت معلمه، لكن الجزائر ستبقى متحدة وغير مجزأة بكل مكوناتها. خاتمة كتب سالم زواوي في صحيفة الشروق محذرا من ان »الامور مرشحة لقيام عصيان مدني من النوع الذي سيبدأ كما تبدأ كرة الثلج، ولا احد يعرف الحجم الذي ستأخذه في ما هو آت من الايام والاسابيع«. وكتب عبدالله قطاف في الصحيفة نفسها يقول ان الاحداث في منطقة القبائل فضحت في ما فضحت اشخاصا واحزابا ما فتئت تزمر وتطبل للعصرانية والدولة الحديثة ولكنها عندما تعلق الامر بقاعدتها الانتخابية وخلفيتها الجهوية خرجت علينا بأغنية من غابر العصور والازمان لتقول لنا بان نظام تاجماعت هو الانسب والافضل لتسيير امور المنطقة وهو البديل عن مؤسسات الدولة. اما الكاتب في صحيفة »اليوم« احميد عياشي فيتساءل ما اذا كان ظهور هيئات على غرار »التاجماعت« يؤشر على »توجه جديد ستكون منطقة القبائل محطته الاولى، ام لا يعدو ذلك كونه مجرد مناورة لضرب جوهر التعددية الحزبية والتقهقر باتجاه اشكال تنظيم اكثر عصبية وبدائية«. لكنه يأمل ان تكون بمثابة »الشاحذ لدينامية جديدة قد يعرفها المجتمع المدني الذي ظل لفترة طويلة محاصرا من طرف الدولة المركزية من جهة، ومن طرف الاحزاب التي تريد هي الاخرى بسط نفوذها عليه وتوظيفه بما يخدم اهدافها الحزبية ذات الطابع الانتخابي«. ويلخص الكاتب في صحيفة »الاحرار« ابن احمد، احتمالات المستقبل بثلاثة خيارات »مؤلمة لا مناص منها اذا اردنا ان نتجنب رؤية القبعات الزرق يتولون مهام الاشراف على الامن والاستقرار في الجزائر«. فاما اعلان حالة الطوارئ لاعادة الهدوء، واما القيام بمبادرة سياسية كبرى باشراك الشعب للفصل في القضايا الراهنة، والا ترك المبادرة بيد الشارع وللاضطرابات، وهو سيؤدي الى الوضعية المأساوية التي عرفتها الصومال.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة