As Safir Logo
المصدر:

»أندلس لبغداد« لمحمد مظلوم مرثية بغداد.. جوقة من كل الأصوات وقصيدة شاملة

المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2002-06-07 رقم العدد:9216

قصيدة محمد مظلوم، الشاعر العراقي المقيم في دمشق، »أندلس لبغداد«* قصيدة طويلة جميلة مركبة من سرد وإيقاع وتضمين، شجية قاسية متوترة أخّاذة بالنفس في أكثر من مقطع من مقاطعها، مشحونة بقلق الحكايات والهذيان، قصيدة أماكن كثيرة (من أصل بغداد) وأزمنة متعاقبة (من تاريخ بغداد). وإلقاء مدينة على مدينة ويوم على يوم، وقصيدة أشخاص مجانين وسكّيرين وشعراء وأولياء وطغاة وقادة وعسكريين وهامشيين ومنفيين من هذيان وتخريف وحسرة وذاكرة مكتظة بآلهة وملائكة وشياطين ومدن مطمورة من أكّاد وسومر، ومدن من وشم ودم وروح الكوفة والنجف والشيعة وبغداد.. بغداد.. بغداد.. دائما الأصل بغداد والشاعر يرثيها بمراثيه الملتاعة، وكأنه »أرميا« في مزاميره، ويرثي من خلالها ذاته المبدّدة المقطّعة الأوتار ككمان ممزّق أو كحنجرة مبتورة، الشاعر الذي كلما استيقظ وجد جهنم تنام معه في السرير، وكلما تلفّت حواليه وجد أصدقاء مرضى هاربين بلا شيء وراءهم ولا ظلال... ويجن ويتنهد »يا أبي لا تتزوج كثيرا/ أخاف عليك من أبناء يقتلون على الحدود« ويصوّب صرخاته المتوترة في الاتجاهات وصوب الله. »يا الله... لماذا كلما رصدتنا كاميراتك/ سجنتنا في متاحفك... يا الله لماذا/ من ثلاثين عاما/ وأنا واقف في الصحراء/ ولساني ممدود تحت أمطارك؟..« يا الله.. ويا الله، ويا شعراء ويا موتى وأحياء موتى ويا نهر الخابور والفرات ويا دجلة والسيّاب والجواهري ويا مجمع شعراء تاريخ العراق، من أبي تمام للبياتي ومن أبي نؤاس لحسين مردان، ومن الحلاج حتى... مظفّر النوّاب، وجميعهم حاضرون في قصيدة »مظلوم« بشخوصهم ونصوصهم وأحوالهم ومحتشدون في عربة مخلّعة يقودها الشاعر وسط حقل من ألغام او كأنه يمشي جميعا في العاصفة، او، مثلا، وسط ثيران تتحرك في العتمة.. ولا بد له، في كل خطوة، من موت، في حروب بدائية، او حوادث سيارات، او قهرا على رصيف او في زنزانة، او منفى، او صعقة.. موت قديم متجدد مكرّر.. فالقصيدة بكاملها محطات للموت ومسارد وحكايات له، مراث متلاحقة، ولا عرس فيها او وعدا بعرس. عناصر شعرية قصيدة محمد مظلوم، تتأتِّى ستراتيجيا من فضائها، وتنفيذيا من تقنياتها. فهي قصيدة ذات فضاء شاسع في الأمكنة والازمنة والاشخاص كما في الاحالات والتضمينات الشعرية المختارة من شعراء آخرين بحيث أنها تغدو في قسم وافر من أقسامها »قصيدة تناصّ« او تداخل نصوص شعرية، كلاسيكية وحديثة، فترد في بناء القصيدة أبيات لأبي نؤاس واخرى للحلاج وبيتان لأبي تمام، وأبيات للبيد بن ربيعة، وجزء من قصيدة للجواهري ومقطع من حسين مردان. ولا تظهر الأبيات او المقاطع المضمّنة ملصقة إلصاقا تعسفيا في القصيدة، بل هي جزء من بنائها ومن فضائها، وصحيح انها قصيدة نثر طويلة، لكنها قادرة على ان تهضم في جوفها أشعارا قديمة وحديثة بأوزانها التامة، كما ان الشاعر نفسه يكتب مقاطع ايقاعية حرة أحيانا، وخليلية في أحيان اخرى، فمن شعره الايقاعي الحر قوله: »على مقعد في المقاهي البعيدة/ كان محمد منتظرا وحشة الميتين/ وكان العجوز يدسّ جريدته في الحقيبة ثم ينتظر الزائرين/ متى تتدخل بغداد بينهما/ وتقدم شايا لمنتصف العمر/ أسود او أصفر اللون، لا فرق/ فالصيف بينهما معتم ووحيد...«... وهو يهتم بقصيدة موزونة مقفاة على الوزن الكامل، جميلة وحديثة في صيغة وزنها: »من ألف ليلة والرواة مؤنّثون محرّفون، وفجرهم جلاد أنّى لأندلسٍ وراء النهر نكتبها.. بفحمة روحنا ويضيعها الأحفاد طهرية العلوي هادي نخلها ورماد فائق طيرها الوقّاد حبر الفراديس ارتعى بعيوننا حتى رأينا الموت وهو بلاد..« قصيدة حرة ما يعني في النتيجة أننا أمام قصيدة حرة طويلة ومركبة، ويغلب عليها السرد الحكائي في الكثير من مقاطعها، وهذا السرد الحكائي جزء من كونها قصيدة نثر، من حيث اعتمادها عناصر سردية قريبة من الحكاية، فالسردية الحكائية جزء من عناصر قصيدة النثر، على ما يرى عبد القادر الجنابي في كتاب »الأفعى بلا رأس ولا ذيل أنطولوجيا قصيدة النثر الفرنسية« (دار النهار للنشر، بيروت، ط2001/) »وكأنها قصاصة نثر سقطت من عمل روائي طويل« (ص20)، واذا كان لا ينقصها التوتر، الا انه ينقصها، من عناصر قصيدة النثر، الايجاز والجزاف. يكتب محمد مظلوم في مقطع من القصيدة، السرد الحكائي التالي: ».. وفي الحيدر خانه/ كان أبو داوود بشوارب تركية/ وإزار يغطّي كرشا يضمر مع الأيام/ وسيجارته تتكلم بين شفتيه/ يدعو الدكتور مالك المطلبي للذهاب الى عيادته/ بدل الجلوس في المقهى/ والحديث مع الصعاليك/ بينما أقداح الشاي المخلوط بالترياق/ تصبغ أصابع يديه/ وفحم الموقد/ وأصوات الزبائن من أيام حسن عجمي/ تقطع عليه الطريق الى أسرته«. ومثل هذا المقطع من سرد قصصي، كثير في القصيدة، بل هو جزء بارز من تأليفها، إضافة لأجزاء أخرى محبوكة جميعا بخيوط محكمة بل بشبكة شعرية متقنة. أما تقنيات الأداء الشعري لدى مظلوم، فتلجأ، إضافة للسرد الحكائي آنف الذكر، والتضمين، الى الصورة التي تراوح بين التصوير والفنتازيا السريالية. يقول بنكهة سريالية »كنت أرعى طيوري بنيران يلهث فيها الملائكة« ويقول »أذرع موشومة بالجذام لشياطين بوجوه ثيران تبكي« ويقول »انها زرافة العصور/ تتلفت بأسنانها البيض/ ولا شجرا، يسودّ/ او فريسة تلمع..«، وهذه الصور وسواها، يظهر انها تطلع من مخيلة ميثولوجية على العموم، او تاريخية او دينية احيانا. سنعثر في النص على سبيل المثال، على قيثارات معلقة على أسوار أوروك، وعلى مدينة هي بغداد، بستان الرجل الميت، وعلى بئر جريحة تحت لسان الرصانة، وعلى حرائق تتدحرج عبر القرون ولا تصل، وعلى عبد المحسن السعدون ببدلته الرمادية ينزل من تمثاله مطعونا بالسكين، وعلى صور تشيب بالتدريج في ألبوم قديم... وعلى صور اخرى متداعية من أعماق تاريخية او دينية او اسطورية، ولكننا ايضا سنعثر على ما هو مباشر وكأنه وصف لا يزيد ولا ينقص... »بعد قرون/ فجر السابع عشر من كانون الثاني 1991/ وقفت على جبال ديانا في كردستان كي أرى مدينتي/ وانحدرت اليها في اليوم التالي/ فوجدت المزارعين يعودون الى قراهم...«... فهذان التحديد والتحييز، يكسبان النصوص احيانا نكهة من واقع موصوف.. واقع نثري يكسر حدّة التوترات والتهويم، والغنائية. مرثية بغداد والحال انه ما من مرثية كتبت لبغداد كمرثية محمد مظلوم هذه لها. وهي بأصوات ومراحل غير رتيبة، وبمعجم يجول به صاحبه باقتدار من لبيد بن ربيعة لحدود جان دمّو والبياتي وسعدي يوسف... بغداد التي اغتصبت باكرا في الزمان، وتوالى اغتصابها بلا هوادة، حتى اليوم، فدماؤها وناسها وكتبها »مهملة على جسر وحيد«. والشاعر جزء من حرائقها وذبائحها »شممت في المنافي/ رائحة الطير التي ذبحت في بساتينها«، وهو يرثي في كل مراثيها نفسه. ويبتكر لها ما يسميه »معجم الخراب«... ولا يعوزه، من أجل الكتابة، حيل وتقنيات كثيرة: التعداد، مثلا، والنداءات لمنادى واحد: بغداد التي غرقت في عين ديك القيامه.... بغداد المعصوبة العينين... بغداد الرماد... بغداد المغول.. بغداد الحلفاء.. بغداد عبد الكريم قاسم.. بغداد الغارات.. بغداد الجسور المقصوفة.. بغداد الأنهار الخائفة.. بغداد المقاهي والارصفة.. وثمة نداءات اخرى يوجهها الشاعر للشعراء، في مقاطع نستطيع تسميتها بمقاطع الشعراء: النؤاسي ومردان والحلاج وسعدي والسيّاب والجواهري والبياتي والنوّاب ودمّو وأبي نؤاس والشعراء الستينيين والسبعينيين والثمانينيين.. وهكذا.. ومع هذه النداءات للشعراء، يكتب »لم يبقَ من الشعراء من يرثي بغداد«. وثمة نداءات للطوائف والشعوب التي شكلت على امتداد التاريخ بابل العراق: للكلدانيين والمندائيين على جبل أرارات وللايرانيين والشيعة والأكراد... حتى لكأن المدينة لا يستقر لها وجه ولا صورة. يقول: »لا أحد في بغداد/ يعرف من أين جاءت بغداد« او »ككفّين في جسد لا يتصافحان«. ويوالي نداءاته التي هي على صورة صرخات او استغاثات لأبواب بغداد: باب للبصرة وباب لخراسان وباب للشام وباب للكوفة، وللجسور ايضا، وهي من جميل ما ختم به محمد مظلوم قصيدته: »جسر للنساء جسر للخدم والحاشية جسر للخليفة جسر لعلي بن الجهم يمرّ عليه السيّاب ويطلق النار من مسدسه الشخصي على قمر يحبّه جسر لموسى يقيسه بقيده ويترك في السجن بقية الله جسر لتقصفه الطائرات وجسر للقيامة«. * أندلس لبغداد قصيدة محمد مظلوم دار المدى، دمشق 002

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة