As Safir Logo
المصدر:

رحيل المخرج المصري رضوان الكاشف نشيد الحياة، نشيد الموت

رضوان الكاشف (2591 ـ 2002)
المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2002-06-06 رقم العدد:9215

لم يكن اختيار المخرج السينمائي المصري رضوان الكاشف، الذي توفي امس الاربعاء عن خمسين عاما، »نظرية البهجة«، عنوانا فرعيا لفيلمه الروائي الطويل الثالث، »الساحر«، من قبيل الصدفة. ذلك ان المضمون الدرامي، الذي سعى صاحب »ليه يا بنفسج« و»عرق البلح«، الى قراءته، لم يكن اقل من تصوير بارع لمواجهة المرء قلقه وآلامه وعزلته، في وسط مدينة او مجتمع. فالفيلم دعوة الى الفرح، ونشيد للحياة. محاولة سينمائية للتعبير عن رفض الموت والغربة والالم. قراءة بصرية متواضعة لمعنى الحب والصداقة ومماحكة الهزيمة الفردية والجماعية. كأن المخرج استكمل، في هذا »الساحر«، مشروعه الثقافي، المرتكز اصلا على معاينته الدائمة الذات الانسانية، في علاقاتها بنفسها، اولا، ثم بالآخرين. وعلى الرغم من ان الفيلم الثالث لم يرق الى المستوى الابداعي الجميل في »ليه يا بنفسج«، والأجمل في »عرق البلح«، الا انه بدا امتدادا فنيا ما لكيفية قراءة الموت، بأشكاله المختلفة، ومقاومته، وان من خلال منحى آخر يكاد يتناقض مع تشريحه الدرامي الحاد للموت وتفاصيله وتأثيره في الناس وارواحهم، الذي برز جليا ومتألقا في فيلميه الاولين. ف»الساحر«، او »نظرية البهجة«، اقرب الى الكوميديا الانسانية الخفيفة. في حين ان »ليه يا بنفسج« اوغل في متاهة الواقع وتمزق الانسان، بينما اسرف »عرق البلح« في تفتيت البنيان الانساني، والغوص في الذات الانسانية، الساعية الى حلم لا يلبث ان يفضح صورته، فإذا به مجرد وهم وسراب. إذاً، توفي رضوان الكاشف، قبل شهرين اثنين على بلوغه الخمسين من عمره، فهو ولد في السادس من آب من العام 1952، في كنف عائلة من مدينة ريفية اسمها »سوهاج«، تقع في جنوب مصر. اصيب بأزمة قلبية حادة، ومفاجئة، لم تمهله الوصول الى المستشفى. اذ ان الذين التقوه في »مهرجان الفيلم العربي الثاني في روتردام« (هولندا)، في الاسبوع الاول من ايار الفائت، حين شارك فيلمه الاخير في المسابقة الرسمية، قالوا انه بدا حيويا ومتحمسا لمزيد من العمل السينمائي، وانه لم يبد عليه اي اثر لمرض او لارتباك صحي. قيل، ايضا، انه انهى الاستعدادات اللازمة للبدء بتنفيذ مشروعه الجديد (»عقبال عندكم«). غير ان قلبه لم يسعفه، اكثر من ذلك. ظل الموت هاجسه. ففي »ليه يا بنفسج«، انطلقت الحكاية من موت العمة، الذي أسس لمسار حياة مختلفة للشخصية الاساسية (فاروق الفيشاوي)، طرحت عليه اسئلة الحياة والوجود والتمزق والوجع، في الذات والمجتمع. بدا الفيلم نوعا من متاهة بين الحياة والموت، وبين الواقع والحقيقة، او بين تناقضات عدة. في »عرق البلح«، جاء الموت تدريجا، في سياق تصاعدي وحاد للاحداث والمواجهات، طارحا نفسه خاتمة مأساوية دمرت ما تبقى من طهر وشفافية، في مجتمع ريفي غرق في التشوه الروحي، والفراغ العاطفي، والعزلة النسائية التي فضحت انانية الرجل، وعرّته امام نفسه. هناك تشابه بين هذين الموتين، ان على مستوى الغياب الجسدي، او لجهة الموت الروحي. في »الساحر«، بدا رضوان الكاشف لاهثا خلف شيء من الفرح. فالموت، هنا، لا يقل خطورة مما كان عليه في الفيلمين السابقين، وان اطل بتواضع ورهبة. يختلف الفيلم الثالث عن سابقيه، لجهة »هاجس الموت«. ف»الساحر« ارتكز، اكثر، على معنى الجمال والحب في الحياة، وعلى التعاضد والفرح من اجل الانتصار للحق الانساني في البهجة. انه نظرية خاصة ب»البهجة«، وان تمثلت في شخصيات مهزومة ومحبطة ومدمرة. درس رضوان الكاشف الفلسفة في »كلية الآداب« في »جامعة القاهرة«، وتخرج في العام 1978، حاملا اجازة فيها. اثناء دراسته الجامعية، اختبر النشاط الطالبي، بانتسابه الى الحركة الطالبية الديموقراطية، في مرحلة السبعينيات، المليئة بالتحديات والتحولات الداخلية والخارجية. بعد ست سنوات، اي في العام 1984، تخرج من »المعهد العالي للسينما« بشهادة بكالوريوس، منجزا فيلم »الجنوبية« (روائي قصير، 45 دقيقة، 16 ملم، ألوان)، كمشروع للتخرج. عمل، في خلال مرحلة الدراسة الجامعية، مساعدا لبعض المخرجين المصريين، ابرزهم يوسف شاهين وداود عبد السيد ورأفت الميهي. كتب مقالات نقدية عدة، نشرها في صحف ومجلات مختلفة، وانجز افلاما وثائقية، منها »الحياة اليومية لبائع متجول«، في العام 1992، اي في العام نفسه الذي شهد اطلاق العروض الجماهيرية الاولى لفيلمه الروائي الطويل الاول »ليه يا بنفسج« (بطولة فاروق الفيشاوي). ثم حقق »عرق البلح« (شريهان وعبلة كامل ومنال عفيفي وحمدي احمد) في العام 1998، الذي عرض في »مهرجان بيروت السينمائي الدولي الثاني« (2 9 تشرين الثاني 1998). ثم كان »الساحر« (محمود عبد العزيز وسلوى خطاب ومنّة شلبي)، الذي نال عنه اكثر من جائزة عربية ودولية، كما حصل معه في فيلميه الأولين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة