As Safir Logo
المصدر:

»قوارب جبلية« رواية وجدي الأهدل ثالوث النجاح الأدبي

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2002-06-04 رقم العدد:9213

الكتاب: قوارب جبلية المؤلف: وجدي الأهدل النوع: رواية الناشر: رياض الريس للكتب والنشر لا شك ان الاخبار المتواترة التي وصلتنا من اليمن، لعبت دورا كبيرا في دفع »منشورات رياض الريس«، الى اصدار طبعة ثانية من رواية »قوارب جبلية« للكاتب اليمني وجدي الأهدل بعد ان كانت صدرت في طبعة اولى عن »مركز عبادي للدراسات والنشر ونادي القصة، المقه، صنعاء 2002« (وهي نشرت ايضا العام 1998 سلسلة على حلقات في صحيفة »الثقافية« تحت عنوان »إضبارة جمهورية الانتفاخ«. وفقا لما جاء في »نبذة عن المؤلف« في آخر الكتاب). ولا شك ايضا ان الاخبار ذاتها، تدفعنا، وبسرعة، الى قراءة هذه الرواية، بحثا عن السبب الذي جعلها تعرف »شهرة« ما... وجدي الأهدل، ومثلما تفيدنا الأخبار، ضحية اخرى، من ضحايا »عصر التنوير العربي«، الذي يلفنا بسعته ورحابته، اذ قررت »السلطات اليمنية سحب جميع النسخ من الاسواق، معتبرة انها مسيئة للدين الاسلامي والأخلاق لاستخدامها مفردات دينية اسلامية لشرح مواقف جنسية بعبارات فاضحة، في حين اغلقت دار النشر التي طبعت الرواية«. وقيل أن وزارة الثقافة، كانت تلقت شكوى من الناقد والباحث اليمني عبد السلام الكبسي تضمنت مقتطفات من الرواية وهي »المقتطفات المسيئة«، لذلك قررت مصادرتها لأن واجبها »حماية قيم وأخلاقيات وثوابت المجتمع« وقال انه لا يمكن السماح بتجاوز هذه الاخلاقيات والقيم والثوابت الدينية للمجتمع اليمني. ازاء ذلك عبر العديد من الكتاب والأدباء اليمنيين عن قلقهم من مصادرة الرواية واغلاق الدار واتهم بيان تضامني مع كاتبها وجدي الأهدل الجهات المسؤولة بوزارة الثقافة بممارسة الارهاب الفكري، وقال البيان ان قرار الوزارة مثل ضربة موجعة للعقل والضمير والوجدان العربي. ووصف البيان وبلاغ الباحث والناقد عبد السلام الكبسي عن محتوى الرواية بأنه عمل ووشاية قام بها احد الموتورين مذهبيا والمحسوبين خطأ على الأدباء والمثقفين وأكد إدانة الأدباء للواشي المخبر ومن يقف خلفه. سؤالان ازاء ذلك، ثمة سؤالان اوليان لا بد ان يطرحا نفسيهما: اولا، انه وفقا للقانون اليمني، فان اي رواية او عمل ادبي، لا يمكن طباعتهما الا بعد الحصول على تصريح من الجهات المعنية التي تقوم بمراجعة العمل. من هنا، لم يتضح ما اذا كانت هذه الرواية قد خضعت للرقابة ام انها طبعت دون تصريح. اما السؤال الثاني، الذي لا بد ان ننقاد اليه، فهو صدور الرواية مسلسلة في العام 1998 في صحيفة »الثقافية«، بيد ان رئيس تحرير الصحيفة المذكورة الصادرة في تعز، سمير اليوسفي، كان ذكر في احدى الصحف العربية مؤخرا، ان مضمون رواية »قوارب جبلية« بعيد تماما عن مضمون الرواية التي نشرت بالجريدة تحت اسم »اضبارة جمهورية الانتفاخ« مضيفا ان هذا النص هو غير النص الذي نشر على حلقات. على كل، وبعيدا عما نشر او تبدل، ما الذي تتضمنه الرواية، لتوصف عما هي عليه؟ اننا في قلب اليمن المعاصرة، حيث الصراع العلني، مفتوح على مصراعيه، ما بين الاسلاميين والعلمانيين، وهو غالبا، ما يبدأ عبر حرب شعارات، لينتهي بالعديد من القتلى والجرحي. قد يكون هذا هو الاطار العام، الذي يلف باب اليمن، الا ان الروائي، يدخلنا عبر 7 مجاديف (او 7 فصول قصيرة) الى هذا اليمن السعيد الواقع في تفاصيله اليومية، وأشيائه الضاربة في نوع من »الاكزوتيكية«، اذا جاز التعبير، او لنقل في نوع من »الواقعية السحرية«، اذا اننا امام النساء المغتصات والشحاذين، والأيتام، والمهووسين الجنسيين وأقبية التعذيب، والكهوف والمغاور والكائنات الخرافية والأساطير. انها »الأساطير«، التي تؤسس الحياة اليومية، انه الفضاء الذي يتحرك فيه ابطال هذه القصة الطويلة، وبخاصة سعيدة، هذه البنت التي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، المتخلفة عقليا والتي تطوف طوال النهار تشحذ من المارة. خضراء اليد كانت سعيدة تصاب احيانا بنوبات صرع، فتسقط متصلبة على ارضية باب اليمن، وفي سقطتها، ترفع رجلا واحدة الى اعلى، لتتفجر بارتعاشات وتقلصات عنيفة فتنكشف عورتها المغلظة للمارة والباعة والجوالين... لكن سعيدة، كانت »خضراء اليد«. اصيبت وهي صغيرة بكفها الأيسر، حيث ادت الفطريات الى تشقق الجلد ونمو العفن الأخضر في راحة الكف ومغابن الأصابع. هذا الأمر، دفع بالتجار، من شتى ارجاء المعمورة، الى الذهاب الى سعدية لنيل بركتها، اذ سرت بين الناس شائعة مفادها ان لتلك اليد الشوهاء تأثيرات سحرية، فهي ان لمست البضاعة الكاسدة، سرعان ما تنفق من الاسواق، واذا تحسست عانسا تتزوج في غمضة واذا ما نظرت الى عضو رجل سرعان ما يصبح في اليوم التالي، مسؤولا كبيرا في الدولة... بيد ان هذا »الوحي«، سرعان ما غادرها، مثلما غادرت الثروة اهلها الذين كانوا يستفيدون من بركتها، وعندما تعود الى سابق عهدها في التسول، تقع اسيرة عامل حبشي، مهاجر، يسجنها في تخشيبة، يضاجعها، الا انها تبقى عذراء، مثلما نجد في نهاية الكتاب، حين يتزوجها امام الجامع الكبير، مفتي الديار اليمانية، صاحب الفضيلة »معاذ الجبلي«. ملكة سبأ هناك ايضا شرمان القليس، مهرب السلاح، ومثري حرب، الذي استطاع ان يتزوج من ابنة احد الاثرياء الكبار بعد ان غرق زوجها في البحر ليستولي على ثرواتها وأملاكها وليعيش في القصر الكبير، الذي اصبح فيه السلطة المطلقة، وهو من يمول مشاريع كثيرة من بينها، عملية استنساخ بلقيس، ملكة سبأ. هذا المشروع، مشروع الاستنساخ، يؤلب عليه سخط الجماعات الاسلامية، الذين يتحالفون، بمعنى من المعاني، مع سيف، ابن زوجته (وهو الشاب المهووس بطلب العلم، والذي لديه الرغبة في الحصول على ارفع الشهادات الاكاديمية)، الا ان شرمان يطرده من قصر اجداده ليحصل قوت يومه. في هذا التقاطع بين المشروعين، تحاك الدسيسة، الا ان شرمان، يقتل من جراء نسر، ظن ان صلعة شرمان اللامعة، بفعل شمس الظهيرة، بيضة ثعبان، فحمل صخرة ثقيلة وألقاها من علو شاهق لتسقط على رأسه وتقتله. حكايات تنحو كثيرا الى هذه الفانتازية، مع العلم، انها لا تخلو من السخرية، من الجماعات الاسلامية ومن المتدينين، ولا تمس الدين نفسه الا بمقدار. بيد ان رواية »قوارب جبلية«، لا تجعل الدين، احد اقطابها فقط، بل انها ترتكز في الأساس على هذا »الثالوث المحرم«، اي الدين والسياسة والجنس، من هنا، ربما، هذه المشكلة التي اثارتها.. لكن المشكلة الحقيقية، تكمن دائما، في هذه »السلطة«، التي بمصادرتها الكتب، تجعل من كتابها ضحايا، لا بد ان يتضامن المرء معهم. السؤال الحقيقي الذي لا بد ان نطرحه: هل فعلا، نحن امام ادب كبير، حاولت الرقابة ان تلغيه؟ ولا مرة، شعرنا اننا كتاب يملك مقوماته الفعلية، امام لغة مجدولة، وحبكة عميقة، تضعنا في قلب الأدب. ربما لأن الاستسهال اليوم، يصل الى نقطة متقدمة، يكفي ان نسخر من الدين، ولنضع فوقه الكثير من الجنس والسياسة، ليمنع الكتاب، ونتحول فجأة، الى كتاب مشهورين! والأهم في هذه »الزوبعة«؟ أين هو الأدب؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة