As Safir Logo
المصدر:

خمسون عاماً على ثورة يوليو: السؤال الأول: هل كانت الثورة لازمة؟ 3 7 رصاصات .. وحرب!

محمد حسنين هيكل
عبد الحكيم عامر
زكريا محيي الدين
المؤلف: هيكل محمد حسنين التاريخ: 2002-06-01 رقم العدد:9211

عندما اقتربت الحرب العالمية من نهاياتها سنة 1945، كانت الدنيا تعيش حالة شبيهة بظواهر الطبيعة حين يؤذن الشتاء على الرحيل ويبدأ موسم ذوبان الجليد، وتتحول الكتل والمساحات البيضاء المتراكمة على القمم والسفوح إلى سيول تنحدر من مساقطها ويشتد هديرها وتكتسح أمامها ما يعترض طريقها، ثم يزيد الفيضان فإذا هو الطوفان. وكذلك حدث لأمم الأرض وشعوبها ما يحدث على تضاريس الطبيعة ومعالمها، فالحرب بالضرورة تجميد للحياة المدنية، وقيد على الأمل، وتعطيل لحق الاختيار، والناس يقبلون بإدراك أن مطالب البقاء والنصر، لا بد أن تكون لها أولوية تسبق ما عداها. لأن أمم الأرض وشعوبها عندما تجد نفسها في مواجهة تحديات البقاء والنصر تقبل تطوعا في زمن الحرب ما لا تقبله غصبا في ظروف عادية، ورجاؤها أنه حين تحقق التعبئة غايتها وطاقتها بالبشر والموارد، وتقدم التضحية ما عندها دون مساءلة، وتحقق الإرادة ما عزمت عليه وصممت إذن فإنه في ذلك الوقت وليس قبله يذوب الجليد، وتومئ البشائر إلى ربيع آتٍ. والحاصل أن أمم الأرض وشعوبها التي رأت (سنة 1945) بوادر تغيير الفصول، راحت تفتح بالطموح ما أوقفته الحرب بالتجميد، وعندها تحركت التصورات والرؤى، والأفكار والآمال، والمشروعات والخطط، تسابق بعضها بعضا، وتتدافع راغبة في تأكيد مواقعها ومطالبها على خريطة دنيا جديدة تراها عند الأفق القريب! ولأن الحرب العالمية الثانية بالذات كانت أقسى وأعنف صراع سجله التاريخ الإنساني فإن شتاءها حل طويلا وموحشا، وجليده جاء كثيفا وعميقا، وكان ذوبان الصقيع باهرا وفي بعض اللحظات مخيفا، لأن كرات ثلج في ثقل الجبال أفلتت وانقضت على السفوح والوديان، تدهمها كأنها مقادير نازلة. ومع نهايات الحرب العالمية الثانية كانت الظاهرة الطبيعية الإنسانية، نشيطة وفاعلة على نحو لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب، لأن ذوبان الجليد بعد هذه الحرب بالذات فك وأطلق قوى وعناصر مهولة، منها ما كان في موضعه من الأصل، ومنها ما استجد بفضل ما كان يتفاعل في العمق تحت الجليد المتراكم! وعلى سبيل المثال بداية فإن الحرب العالمية الثانية كانت أول حرب في التاريخ يمكن وصفها بأنها »حرب كل الناس«، بمعنى أنها لم تكن حرب فراعنة وقياصرة وأباطرة ولا حرب أديان سماوية وكتب مقدسة ورسل مكلفين ولا حرب إمارات وممالك وإمبراطوريات ولا حرب ماريشالات وجنرالات وجيوش، وإنما كانت بالفعل »حرب كل الناس« والأسباب: أن الموارد المطلوبة لتمويل تلك الحرب أوسع من خزينة أي دولة بما تحصله من ضرائب، وعليه فإن ذلك المطلوب لا بد أن يتوافر بالقبول والرضى ليؤخذ من خزائن ومدخرات »كل الناس«. والجنود الذين تحتاج إليهم المعارك أكبر من أي جيوش حاربت من قبل، ولذلك تحتاج في الحشد إلى تطوع »كل الناس«. والحرب لم تعد جبهات قتال وإنما هي بسبب ظهور الطيران والصواريخ، جعلت المدن والقرى والمصانع والحقول وحتى دور العلم والبحث أهدافا عسكرية مرصودة، وبالتالى جبهات قتال يقف عليها »كل الناس«. وقلوب وعقول الشعوب تحولت بظهور الراديو وبعيدا بعيدا عن جبهات القتال، إلى مواقع حرب نفسية تختبر عليها الإرادات الوطنية، والمعنى أن الحرب في المبتدأ والمنتهى داخل قلوب وعقول »كل الناس«. وعلى سبيل المثال ثانيا فإن اشتراك الاتحاد السوفياتى وهو دولة الطبقة العاملة المؤمنة بأنها غاية التاريخ (وإن لم تكن نهايته) ودخول الولايات المتحدة الأميركية (وهى المعتبرة أمل التاريخ لأنها »موطن الحرية والفرصة المتكافئة«) جعل المقاتلين ضد النازية على الناحيتين على اختلاف ما بينهم جندا يختلف عما عرفته ميادين القتال سابقا. والداعي أن الرجل العامل (السوفياتى)، والرجل العادي (الأميركي)، كلاهما جاء إلى الميادين حاملا عقيدة اجتماعية: أحدهما يرفع في يده حلم »العدل والمساواة«، والآخر يقدم »حلم الطموح والديموقراطية«. ومعنى ذلك أن الحرب نموذجان في تنظيم وإدارة المجتمعات كلاهما يحارب دفاعا عن وجوده ضد النازية وفي نفس اللحظة يحارب لتأكيد وإعلان تفوقه بعد النصر. وثالثا على سبيل المثال أيضا فإن الحرب لم تظهر حاجة ماسة إلى الموارد وقوة النيران فقط، لكنها استدعت عنصرين جديدين: أولهما العلم والتكنولوجيا (قوة رئيسية وليس قوة مضافة كما كان الحال من قبل). وثانيهما الثقافة والفكر (تأثيرا فاعلا وليس تأثيرا مساندا كما جرى في مرحلة سابقة)، وعندما توصل العلم في ظروف الحرب إلى اختراقات هائلة في مجالات غير مسبوقة مثل الفضاء والذرة، فإن الثقافة والأفكار بالتوازي حققت نفاذا مذهلا في عرضها لوعد المجتمعات المتنافسة بعد نهاية الحرب المشتركة ضد هتلر. وحين توقفت الحرب لم يكن الطوفان ما ذاب من الجليد فقط وإنما جرف الطوفان معه عناصر صنعتها الحرب في حد ذاتها، وتخلق كيانها الحي في رحم ظروفها الصعبة المشبوبة بالنار والمصبوغة بالدم. وهكذا فإنه عندما انتهت الحرب، كان المشهد الجديد مجتمعات وعقائد متنافسة، وقيما ونظما تعرض نفسها، وعلوما وثقافات وطموحات، تحرك »جموع الرجل العامل« و»الرجل العادي«، و»كتل الناس« في كل مكان، وبالتحديد أجيالا من الشباب، هي التي حملت عبء الحرب، وهى المشغولة بالمستقبل بعدها. وكان تدفق الطوفان قادرا على بلوغ كل القارات مع اختلافات في الكتلة والسرعة! وما حدث هو أن الطوفان وصل إلى أميركا الشمالية هادئا طيعا لأسباب، منها أن الولايات المتحدة الأميركية بعيدة عن ميادين النار، وبالتالي فإن ضرورات تجميد الحياة المدنية أثناء الحرب لم تكن قاسية ومن ناحية ثانية إن وفرة الموارد لم تجعل المتأخرات المستحقة حمولات ثقيلة تضغط وتتعجل ومن ناحية ثالثة إن الولايات المتحدة جاءت إلى الحرب متأخرة، وجاءت واثقة من النصر، فهي عندما شاركت فيها كانت الجيوش الألمانية غارقة في الشتاء الطبيعي على طول المسافة من وارسو إلى موسكو، والمعنى أن واشنطن لم تشعر بالتوتر أو الخوف في أي وقت! والحاصل أنه كان سهلا على الولايات المتحدة استقبال الطوفان، لأنه وصل إلى شواطئها البعيدة موجات استنفدت عنفوانها أثناء عبور المحيط. والأهم أن الولايات المتحدة بكل ما توافر لها من ظروف كانت جاهزة، خصوصا وقد لجأت إليها خيرة عقول العالم واحتمت بها أغلى كنوزه، وقصدت إليها القمم في ما توصل إليه العلم وتطبيقاته، كما تيقظ لديها شباب في التجربة التاريخية وفي العمر وفي الإمكانيات المتاحة، مع طموح إمبراطوري قادر على تحقيق مشروعه إذا ملك الحكمة (وكانت تلك هى المشكلة). وفي أوروبا (وهي ميدان القتال الرئيسى) وقع عندما بدأ ذوبان الثلوج أن مؤخرة جيوش الاحتلال النازي أصبحت هدفا مكشوفا، لمقاومة شعبية (فرنسية نرويجية هولندية) في الغرب، و(بولندية تشيكوسلوفاكية يوغوسلافية) في الشرق، وقد وجدت هذه المقاومة أن بعض ما حصلت عليه من الأسلحة الصغيرة التي تركتها الجيوش المهزومة وراءها كالمدفع الرشاش والقنبلة اليدوية واللغم المزروع في الأرض، يسمح بنوع جديد من القتال المؤثر والفاعل. ويستحق الملاحظة في ما حدث وراء الخطوط في أوروبا أن الأسلحة الصغيرة ظهرت مع المقاومين في يد بينما اليد الأخرى تحمل منشورات من ورقة واحدة في الغالب، تدعم إطلاق النار بإطلاق الأفكار، والمثير أن الفكر الذي توافق مع سلاح المقاومة على مؤخرة الجبهات في الغرب كان من الشرق (الماركسي) معظمه، كما أن الفكر الذي توافق مع سلاح المقاومة في مؤخرة الجبهات في الشرق كان من الغرب (الديموقراطى) معظمه. وكانت وراء ذلك دلالة مهمة تشير إلى أن كل جانب ينادي متشوقا ما يخشى أن يضيع منه، ويبحث في أي اتجاه عما يراه مكملا لطموحه، بمعنى أن فكرة العدل الاجتماعي تبحث عن الحرية السياسية كما أن الحرية السياسية بدورها تبحث عن العدل الاجتماعي. وعلى وجه التحديد فقد كان ذلك مجال الحرب الباردة: الثلوج تذوب على القمة والوديان ترتعش من الصقيع! وفي آسيا كان الطوفان هادرا. ومع أن بلادا مثل الصين والهند تبدت ساحات مفتوحة لذوبان الثلوج فإن التأثير الأظهر للأحوال الجديدة بان أول ما بان في إندونيسيا، التي أصبحت أول مستعمرة ترفض العودة إلى ما كانت عليه قبلا. بل إن شعبها وقف وأمسك أقداره بيديه مطالبا بالحرية والاستقلال وباحثا عن حياة جديدة ولو بالثورة المسلحة. وبالنسبة لإندونيسيا بالذات كانت الظروف مناسبة: لأن إندونيسيا بلد كبير يتأثر ويلتف حول بعضه في أرخبيل هائل يتكون من ثلاثة آلاف جزيرة. ولأن القوة الإمبراطورية التي كانت تستعمر إندونيسيا قبل الحرب، بلد أوروبي صغير هو هولندا، فإنها اصطدمت بالحقائق عندما راودها وهم العودة إلى مستعمرتها القديمة، وعندها اكتشفت أن الزمان اختلف. وكان الشعب الإندونيسى مهيأ لا ترهبه خرافة »تفوّق الرجل الأبيض«، لأن شعب إندونيسيا من ذلك الموقع في أقاصي الشرق رأى »الرجل الأصفر« اليابانى (ممثلا في قائد بحري مثل الأميرال »ياما موتو« قائد الأساطيل اليابانية في »بيرل هاربور«، والجنرال »ياما شيتا« قائد الجيوش اليابانية في غزو »الملايو«) كلاهما يطارد الرجل الأبيض ويطرده، ثم إن الرجل الأبيض لم يتصرف مثلما تتصرف الآلهة (كما كان الإيحاء الإمبراطوري)، وإنما تصرف هذا »الجبار« المتوهم مثل كل البشر في أحوال عافيتهم وفي أحوال الوهن! مضافا إلى سقوط هذا الضرب من الوهم، فإن الرجل الآسيوي (الإندونيسي) وجد حوله وفرة من الأسلحة الصغيرة تركتها الجيوش اليابانية وراءها (حتى لقد قيل وقتها أن الإندونيسيين في أيديهم من قطع السلاح ما هو أكثر من أرغفة الخبز). وكان الطوفان قد سبق الوهم الإمبراطوري وهناك على الجسر الواصل ما بين سنة 1944 إلى 1945 فإن ثورة إندونيسيا (تحت قيادة ثائر وطني مسلم هو »أحمد سوكارنو«) أعطت النموذج والمثل، وحرضت ولفتت نظر شعوب آسيا وأفريقيا، إلى أنه زمان جديد!. مصر غائبة في لحظة من اللحظات والطوفان يكتسح ويعم بدا وكأن مصر في كوكب آخر معزول عما يجري، أو على وشك أن يجري، في هذا العالم في هذه اللحظة. ويوم 8 أكتوبر 1944 تلقى »مصطفي النحاس« (باشا) خطاب الإقالة الذي كان قيد الإعداد منذ اليوم الأول لوزارته التي جاءت بانقلاب عسكري (بريطاني) مساء 4 فبراير 1942. ومع أن »النحاس« (باشا) كان يتوقع الخطاب، فإن لهجة الإهانة التي حملتها السطور زادت وفاضت، وكاد الرجل أن يفقد أعصابه مع الرسول الذي حمل إليه الخطاب وسلمه له باليد (»حسن يوسف« (باشا) القائم بأعمال وكيل الديوان). والغريب أن الأزمة التي أودت بوزارة الوفد كانت حادثة تافهة بأي معيار (خصوصا في مناخ طوفان عالمي)، فقد حدث أن الملك قصد (يوم 14 سبتمبر 1944) يؤدي صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان (الجمعة اليتيمة) في مسجد عمرو بن العاص. وتجمع حشد من الناس يهتفون له، ولمح الملك وموكبه يقترب من المسجد لافتة بعرض الطريق تحمل عبارة »يحيا الملك مع النحاس«. وعندما نزل من سيارته أشار إلى مدير الأمن العام »محمود غزالي« (بك)، وكان واقفا في انتظاره يشرف على تأمين موكبه قائلا: »إنه لا يتصور أن يجد اسمه مقرونا باسم أحد«، وهو لا يريد عندما يفرغ من الصلاة ويخرج من الجامع أن يرى تلك اللافتة. واعتبر »غزالي« (بك) ما سمعه أمرا، ودخل الملك بوابة مسجد عمرو بن العاص، وتوجه مدير الأمن العام إلى حيث كان حكمدار (»قائد«) بوليس القاهرة اللواء (الإنجليزي) »راسل« (باشا) يقف مشرفا على تأمين الموكب الملكي ناقلا الأمر إليه وطالبا تنفيذه. لكن مدير الأمن العام (محمود بك غزالي) لم يكد يعود إلى بيته بعد صلاة الجمعة حتى أبلغه وزير الداخلية »فؤاد سراج الدين« أن »رفعة رئيس الوزراء« هائج بسبب اختفاء لافتة تحمل اسمه. وهو يرى أن ذلك التصرف »عدوان على الشعب«، لأن الذي كتبها واحد من المصريين له حق التعبير عن نفسه ! وقد طلب »رفعة الباشا« إجراء تحقيق في ما جرى، وإلى حين إتمام التحقيق فإن »مدير الأمن العام« عليه التزام بيته موقوفا عن العمل! وتحولت الحادثة إلى أزمة لأن الديوان الملكي اتهم »النحاس« (باشا) بوقف موظف كبير في الدولة عن العمل لأنه نفذ أمرا ملكيا لم يكن في مقدوره ولا مقدور غيره أن يعصاه. ثم إن »الملك مصمم على إلغاء قرار إيقاف مدير الأمن العام كما أنه يرفض التحقيق معه«. ومع تحول الحادثة إلى أزمة فإن السفارة البريطانية اهتمت، ولأن السفير نفسه كان غائبا لإجازة في جنوب أفريقيا، فقد تولى القائم بالأعمال مكانه وهو الوزير المفوض »تيرنس شون« إخطار وزارة الخارجية في لندن، وبعثت الوزارة تطلب معلومات مفصلة، وهنا كلف »تيرنس شون« قائد بوليس القاهرة (الإنجليزي) »راسل« (باشا) باعتباره شاهد عيان أن يكتب تقريرا عن الواقعة، وبالفعل كتب »راسل« (باشا) وختم بما مؤداه »أن إيقاف »غزالي« (بك) لا معنى له، لأن الرجل كموظف في الدولة، كان ملزما بتنفيذ أمر مباشر صدر إليه من رئيس الدولة (حتى وإن لم يعجب رئيس الوزراء!) ومن الواضح أن لندن نفد صبرها وسئمت إقحامها المتكرر في الشأن المصري، وكذلك وصل تقرير »راسل« (باشا) إلى وزارة الخارجية البريطانية في جو مهيئ لقبوله، وكتب القسم المصري إلى وزير الخارجية البريطاني »أنتونى إيدن« مذكرة مختصرة تعرض نقطا رئيسية لها معانيها: »لا يصح لطرف في مصر أن يستدرجنا إلى الدخول في منازعات على هذا المستوى، خصوصا إذا كان الاستدراج من حزب الوفد الذى استمرأ هذه العادة. مع ملاحظة أن هذا الحزب أعطى ما عنده ولم يعد في مقدوره أن يزيد شيئا، وبالتالي فهو عبء علينا«. ورأينا أن الوقت حان لكى نترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعى، مع العلم أن الملك عندما يحس بذلك سوف يبادر إلى إقالة الوزارة دون انتظار. واقتراحنا أن تكون تعليماتنا للسفارة في القاهرة بعدم الدخول طرفا في هذه الأزمة، وترك الفرصة لفاروق يتحمل مسؤولية ما يفعله. وتوصيتنا أن نقف بعيدا ونتابع تأثير ما يجري على الرأي العام، وبعدها تصبح الخيارات مفتوحة أمامنا وفق ما نرى في حينه. وقرأ »أنتوني إيدن« هذه المذكرة وكتب عليها بخط يده تأشيرة نصها، »أظن أن ذلك هو الصحيح«! I think that this is right. توقيع: أنتونى إيدن 19 سبتمبر وبحقائق الأحوال فإن القصر كان على علم باتجاه الرياح، وربما أن نص رسالة من رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية البريطانية »بيتر سكريفنر« موجهة إلى القائم بأعمال السفير البريطاني في القاهرة »تيرنس شون« يكشف هذا التغيير، والنص كالتالي: لندن وزارة الخارجية سري جدا 23 سبتمبر 1944 عزيزى »تيرنس« »أشكرك على تقديرك الواضح للموقف السياسي المصرى كما ورد في برقيتك رقم 1844، ومن الظاهر لنا أن العلاقات بين الملك والحكومة وصلت إلى حيث يصعب إصلاحها، وأن التغيير أصبح حتميا. وفي الحقيقة فإن أي وزارة يختارها القصر سوف تكون أقل ضررا مما تسببه الأوضاع الراهنة، وربما يكون في مقدور وزارة جديدة أن تدير شؤون البلاد على نحو أكفأ، وفي كل الأحوال فإن الملك يتحمل مسؤولية تصرفه«. وفي هذا السياق توجه »أحمد حسنين« (باشا) مساء يوم 5 أكتوبر 1944، وقابل »تيرنس شون«، بحضور المستشار الشرقي للسفارة البريطانية ودار بين الثلاثة حديث صريح (ولو أنه مزعج) تعرضه برقية السفارة البريطانية إلى وزارة الخارجية في لندن (تحت رقم 3464 41333/ 371): »جاء »حسنين« إلى مقابلتي هذا المساء حضر معنا المستشار الشرقي للسفارة. تحدث »حسنين« عن ظروف حادثة »محمود غزالي«، وشرح أن »النحاس« يعرف أن الملك لم يعد مستعدا للصبر عليه، وأن الإنجليز لم يعودوا مصرين على تأييده، ولذلك فهو يرتب للخروج بذريعة موقف وطني يثير به مطالب مصرية تدغدغ أحلام الناس بعد الحرب، وذلك لا ينبغي السماح به، لأنه إحراج لأى وزارة تجيء بعد الوفد. أشار »حسنين« إلى أفضلية أن يخرج »النحاس« فورا وبدون بطولة مزيفة(!) وبذريعة تصرف خاطئ تهور فيه بما لا يليق في حق الملك (حادثة محمود غزالي)، وتكون تلك مسألة لا علاقة للإنجليز بها، ولا يستطيع أحد استغلالها ضدهم. أضاف »حسنين« »أن هناك تفكيرا في حكومة موالية للإنجليز ترعى مصالحهم وتلبي مطالب الحلفاء مع استمرار الحرب دون أن تتسبب في مشاكل لأحد«. يعلق »تيرنس شون« في نهاية برقيته: »أظن أنهم يريدون إذنا للتصرف، وإذا كان هناك ما تودون إبلاغي به، فأرجو أن أتلقى تعليماتكم سريعا«. وكان سكوت لندن عن الرد، علامة رضا! يوم 6 أكتوبر استقر »فاروق« على تأليف وزارة جديدة لا تكون وزارة قصر (برئاسة حسنين)، وإنما وزارة حزبية (ملكية في نفس الوقت) ووقع الاختيار على »أحمد ماهر« (باشا) رئيس حزب السعديين. واتصل »حسنين« بالقائم بأعمال السفارة يستطلع رأيه في رئاسة »أحمد ماهر« للوزارة، مضيفا إلى ذلك رغبة القصر في التصرف سريعا لأن الأخبار »وصلتهم« بأن »النحاس« (باشا) يحاول اختلاق موقف وطني يخرج بعلته«. وأبدى »تيرنس شون« »أن القصر له أن يتصرف كما يشاء«، على أنه لم تمض غير دقائق حتى عاد »حسنين« يتصل بالقائم بالأعمال البريطاني ينقل إليه رغبة »فاروق« في لقائه على الفور. ويتحفظ »شون« »بمظنة أن استدعاءه لمقابلة الملك في هذا الظرف يوحي بأن السفارة تتدخل في تغيير الوزارات المصرية«. ويرد »حسنين« (باشا) بقوله: »المشكلة أن جلالة الملك لا يصدقني قياسا على تجارب سابقة وهو يخشى أننى أُبَسِّط الأمور أمامه، فإذا جاء وقت التصرف والتغيير، اكتشف أنكم غير موافقين، ولذلك يريد أن يسمع منك وليس مني وبوضوح أنه ليس لديكم اعتراض على تغيير الوزارة«. ويستطرد »تيرنس شون« في رسالته إلى لندن (البرقية رقم 1991/ 3500): »أبلغت »حسنين« أنه يستطيع أن يؤكد للملك حريته في التصرف كاملة، مع إعفائنا من الظهور علنا في مقدمة الصورة«. ويستطرد »تيرنس شون« في برقيته: قال لي »حسنين« »إن »أحمد ماهر« تعهد أن يقوم بتنفيذ أمين لنصوص وروح معاهدة سنة 1936 ورددت عليه »بأننا نتوقع ذلك من أي رئيس وزراء في مصر«! فهمت أن عملية طرد »النحاس« سوف تتم غدا«. يوم 7 أكتوبر قام الوزير البريطاني »تيرنس شون« بعدة إجراءات: بعث برقية إلى السير »مايلز لامبسون« (لورد كيلرن الآن) يخطره بما يجري في مصر، بينما هو يقضي الإجازة في جنوب أفريقيا. استدعى »أمين عثمان« (باشا) وألمح له أن الأمور تتحرك بسرعة، واستأذنه »أمين عثمان« إذا كان يسمح له أن يقول »شيئا« للنحاس (باشا). تلقى رسالة من رئيس الوزراء المكلف »أحمد ماهر« (باشا) عن طريق »حسن رفعت« (باشا) وكيل وزارة الداخلية يعرض عليه مشكلة حساسة تواجه »أحمد ماهر«: »فهو يعرف أنه سوف يصبح رئيسا للوزراء بعد ساعات، ويعرف أن السفارة لم تعترض على ترشيحه، لكنه يجد نفسه في مأزق لأنه لا يستطيع تصور وجوده في هذا المنصب بينما شقيقه الأكبر (علي ماهر) موجود في السجن، وهو يسأل »هل يمكن أن يطمئن عائلته أن في وسعه »عمل شيء«. يستطرد »تيرنس شون« »كلفت »حسن رفعت« بإخطار »أحمد ماهر« أن موضوع الإفراج عن شقيقه مسألة عويصة لا ينبغي إثارتها الآن«! سمع من اللواء »راسل« (باشا) حكمدار بوليس القاهرة أن رئيس الديوان الملكي »حسنين« (باشا) اتصل به وأبلغه أن تغييرا وزاريا سيعلن عنه في ساعات، وأن عليه أن يكون مستعدا بما يراه من إجراءات للمحافظة على الأمن في العاصمة. وصباح اليوم التالي (8 أكتوبر) اتصل »حسنين« (باشا) بالسفارة يقول للمستشار السير »والتر سمارت« أن »المسألة سوف تتم اليوم«، وأن كل شيء معد، وأن مساعده »حسن يوسف« في القطار الآن إلى الإسكندرية ومعه خطاب الإقالة يسلمه للنحاس (باشا) بيده! ثم يضيف »حسنين«: »إن »النحاس« (باشا) سوف يفرقع من الغيظ عندما يقرأ خطاب الإقالة »لكنه يستحق«. ويستطرد »حسنين« قائلا »إن خطاب تكليف »أحمد ماهر« تم إعداده، وفيه إشارة صريحة إلى أهمية التعاون الوثيق مع الحليف البريطاني الكبير الذي يضحي بالدم في سبيل حرية الأمم والدفاع عن حقوقها المشروعة«! كانت مصر منشغلة بوزارة جديدة وبانتخابات تجريها هذه الوزارة. وحضر »النحاس« (باشا) مأدبة غداء في السفارة البريطانية تكريما له وتعويضا عن الإهانة الملكية، وقال للقائم بأعمال السفارة البريطانية: »إن حزبه على استعداد لدخول الانتخابات إذا جرى إيقاف العمل بقانون الأحكام العرفية فترة إجرائها، وقال له مضيفه على الغداء في السفارة البريطانية »أن وزارته (وزارة النحاس) بعد 4 فبراير 1942 أجرت الانتخابات في ظل الأحكام العرفية«، ورد »النحاس« على الفور: »لأن تلك الانتخابات جرت وروميل على الأبواب«. وخطر على بال السفير استشارة لندن في هذه النقطة، وترد لندن عن طريق وزارة الحرب برفض اقتراح وقف العمل بالأحكام العرفية فترة الانتخابات، »لأن الحرب في أوربا لم تنته بعد«. وقرر حزب الوفد مقاطعة الانتخابات رغم أن بعض رجاله دخلوها على مسؤوليتهم الشخصية، وجاء مجلس نواب جديد وعلت الصيحة بين أعضائه بضرورة محاكمة »مصطفى النحاس« (باشا). وكان الذى حدث أن »مكرم عبيد« (باشا) أُطلق سراحه من المعتقل، ودخل وزارة »أحمد ماهر« (باشا) بوصفه وزيرا للمالية (مرة أخرى) ودخل معه أربعة من وزراء حزبه (الكتلة) قد أعد عريضة اتهام أكثر سوادا من الكتاب الأسود، وأدق توثيقا لأنه استعان بعد دخوله إلى وزارة المالية بمستندات لم يستطع أصحابها إخفاءها في الوقت المناسب، وبينها مذكرة من السفارة البريطانية مُرسلة للعلم الشخصي لوزير المالية وقتها »أمين عثمان« (باشا)، وهي تحوى معلومات عن صفقات دخل فيها السيد »أحمد الوكيل« شقيق قرينة »النحاس« (باشا)، وصفقات أخرى لغير »أحمد الوكيل« من الأقارب والأنصار. والمذكرة توجه نظر »أمين عثمان« (باشا) إلى ضرورة إفهام رئيسه »النحاس« (باشا) أن ذلك كله يسىء إلى أبعد حد له ولسمعته ولأسرته وللسفارة البريطانية أيضا (بوصفها المسؤولة في النهاية). وبادر »مكرم عبيد« إلى نشر هذه المذكرة البريطانية في جريدة أنشأها تحمل اسم حزبه (الكتلة)، واعتبرت السفارة تصرفه »إفشاء سر وخيانة أمانة« لأن »مذكرة توبيخ »النحاس« (باشا)« (كما كتب السير »والتر سمارت«) كانت لعلم »أمين عثمان« (باشا)، ولم تكن للنشر العام، وفي معرض الهجوم على »النحاس« (باشا) وطلب محاكمته. وقامت السفارة البريطانية بإبلاغ لندن، وتلقت أمرا »بلفت نظر الملك إلى أن الحكومة البريطانية لا تسمح باستعمال أوراقها على هذا النحو، ولا تسمح بمحاكمة »النحاس« (باشا) أو أي من وزرائه، فكل هؤلاء شاركوا في وزارة تعاونت »معنا« إلى أقصى درجة في أصعب فترات الحرب، خصوصا لحظة معركة العلمين الخطرة والحرجة«. وتلقى السفير البريطانى السير »مايلز لامبسون« (لورد كيلرن)، الذى عاد من إجازته إلى القاهرة رسالة تقول له »أنت مفوض من وزارة الحرب بإبلاغ الملك »فاروق« ما يلى: إن محاكمة »النحاس« (باشا) تحمل معنى الإساءة إلى هيبة حكومة صاحب الجلالة البريطانية. إن حكومة صاحب الجلالة لا تسمح بذلك، لأن الرجل تعاون معنا بإخلاص في الظروف الصعبة. إن حكومة صاحب الجلالة البريطانية تفضل أن لا يُحاكم أحد من وزراء »النحاس«، ومع أنه سوف يصعب علينا حماية بعضهم، إلا أن المحاولة ضرورية، لأن مثل هذه المحاكمة لأحد وزراء »النحاس« قد تجر رئيس الوزراء نفسه. وتوقف الحديث عن محاكمة »النحاس« (باشا). وتراجع الملك »فاروق« إلى طرح »حل وسط« يعاقب به رئيس الوفد، بسحب قلادة »فؤاد« الأول منه، وبذلك يسقط عنه لقب »صاحب المقام الرفيع« وأبدى السفير البريطاني امتعاضه، وكذلك لم تقع محاكمة، كما ظلت قلادة فؤاد الأول في مكانها حول عنق »النحاس« ومعها اللقب! لكن العلاقات عادت إلى نوع من الشد والجذب بين السير »مايلز لامبسون« (اللورد كيلرن) وبين »فاروق«، ومن ذلك مثلا أن السفير تضايق عندما وقع الإفراج عن بعض موظفي القصر من الإيطاليين، وبينهم »أنطون بوللي« (الذي أصبح في ما بعد مديرا للشؤون الخاصة للحياة الليلية للملك »فاروق« مع منحه رتبة البكوية)، ولم يكن ضيق السفير البريطاني من قرار الإفراج في حد ذاته، فقد كان يسلم أن استمرار اعتقال »بوللي« وغيره لمجرد الاحتىاط زمن الحرب لم يعد له ما يبرره باختلاف الظروف وإنما كان ضيقه بسبب عودة »بوللي« وغيره من الإيطاليين إلى خدمة القصر. وفي إحدى مقابلات السفير البريطاني مع »عبد الفتاح عمرو« (باشا) أبدى اللورد »كيلرن« نصيحته بأن هؤلاء »الإيطاليين« لابد أن يخرجوا من القصر. وكان رد الملك (وفي الغالب فإنه لم يتعمده، بل أبدى ملاحظة أمام قائد الطيران البريطاني في مصر الجنرال »شولتو دوغلاس«، دون أن يخطر بباله أن »دوغلاس« قد ينقلها عنه وتصل إلى السفير البريطاني والذي حدث أن »دوغلاس« كرر الملاحظة منسوبة إلى صاحبها) وفيها قول الملك: »أن لورد »كيلرن« يطلب مني إخراج الإيطاليين من بيتي، موافق، سوف أطرد الإيطاليين عندي، إذا هو طرد الإيطاليين عنده!«، وكانت الإشارة واضحة إلى قرينة السفير البريطاني »جاكلين كاستيلاني«، وغضب السفير، واتصل بحسن يوسف (باشا) في الديوان يطلب منه أن يقول للملك »فاروق« »أن نكتته لم تعجبني« I am not amused. وسأله »حسن يوسف« عن مقصده، ورد السفير بأن »فاروق سوف يفهم«. وعندما نُقلت الرسالة إلى الملك، أدرك أن ملاحظته أمام »شولتو دوغلاس« وصلت. وأن علاقته باللورد كيلرن عادت إلى التوتر من جديد، وأن شهر العسل بينهما انتهى. ثم إن الخلاف لم يعد في السياسة، وإنما أصبح شخصيا. وترامى إلى علم الملك أن »كيلرن« يحكي في مجالسه الخاصة جوانب من تفاصيل العلاقة بين »فاروق« وزوجته »فريدة«، وكان الزواج الملكي بين الاثنين قد تحول إلى فضيحة تتوالى فصولها حلقات، ووجدها السفير البريطاني فرصة لرد الجميل! ووسط هذه المشاهد العبثية، كان الطوفان يقترب بمصر متخطيا الحواجز، متجها إلى القاهرة! وكان بعض الطوفان دما، وهو طبيعي لأن القمم المتجمدة التي ذابت ثلوجها عبرت على ميادين القتال محملة بعوالق مع الماء حمراء قانية. وبطبيعة الحال فإن معظم الدم راح يجري تحت أقدام الملك »فاروق« ومن حوله، باعتبار الوزارة التي خلفت الوفد كانت في واقع الأمر »وزارة قصر«، أي وزارة »ملك«. والحاصل أن الحكومة استمرت ملكية أربع سنوات كاملة، توالى على رئاسة الوزارة خلالها أربعة رجال بمعدل واحد كل سنة وكانوا بغير استثناء بإرادة القصر وقراره: »أحمد ماهر« (باشا) زعيم السعديين »محمود فهمي النقراشي« (باشا) خليفة لسلفه »أحمد ماهر« »إسماعيل صدقي« (باشا) مستقل »محمود فهمي النقراشي« (باشا) مرة ثانية ثم »إبراهيم عبد الهادي« (باشا) خليفة للنقراشي. وطوال هذه السنوات الأربع كان الملك »فاروق« يحكم مصر، فهو مصدر شرعية وزارات الأقلية، والقادر على سحب البساط من تحت حزب الأغلبية الذي غاب مرتين: مرة بالإقالة، ومرة إضافية بضباب كثيف من التهم والشبهات طالت الوفد ووضعته في موقع الدفاع عن رجاله (وحتى عن نسائه!)! ومن المفارقات أن حكومة الأقلية التي جاءت بعد الوفد لم تكن راغبة في الاستسلام إلى اعتبارها حكومة قصر، ومن ثم حاولت تحقيق نوع من الاستقلالية، لكنها في ذلك ولسوء الحظ ذهبت إلى السفارة البريطانية تطلب قدرا من التفاهم »المستقل« المباشر، يوازن أو يقلل اعتمادها على القصر وحده. لكن محاولة الاستقلال أدت إلى مزالق تسجلها الوثائق البريطانية وبينها رسالة (رقم 301 /12) يظهر فيها أن »أحمد ماهر« (باشا) بعث إلى السفير البريطاني يسأله »إذا كان يضايقهم« أن يتولى نائبه »محمود فهمي النقراشي« (باشا) وزارة الخارجية بدلا من وزارة الداخلية. ويوضح »أحمد ماهر« داعيه إلى الطلب بأن وجود »النقراشي« (باشا) في وزارة الداخلية يسبب كثيرا من المشاكل، فهو »عنيد« و»متزمت«، ويعطل الكثير من »الأمور« لكنه في الخارجية لا يستطيع أن يعطل شيئا. وكان تعليق السفير البريطاني (كما ورد في برقيته إلى لندن) »شرحت أنني لا أريد أن أقارب هذه الشؤون الداخلية، لكنه إذا طلب مني إبداء رأي، فإنني أفعل ذلك شريطة أن لا يتسرب إلى العلن شيء«. أضفت: »أن مشكلة »النقراشي« أنه رجل »ضيق الأفق« وذلك سبب عناده وتزمته. ورأيي بعد ذلك أنني لا أعترض على »نفيه« إلى وزارة الخارجية، لأن ظني أنه هناك يستطيع أيضا أن يكون مشكلة. واقترحت عليهم إذا أرادوا حلا لمشكلة »النقراشي« فإنهم يستطيعون اختياره رئيسا لمجلس الشيوخ وقيل لي إن هيكل (»الدكتور محمد حسين هيكل« رئيس الأحرار الدستوريين) يريد هذا المنصب وأنهم وعدوه به، لإرضاء غروره، ومع ذلك فإذا كان »أحمد ماهر« يريد »النقراشي« في الخارجية، فأنا شخصيا لا أمانع«. وكانت المفارقة أن الوسيط الذي حمل رسالة »أحمد ماهر« هو »عبد الفتاح عمرو« (باشا) رجل القصر! أي أن حكومة الأقلية حين حاولت أن تعطي لنفسها قدرا ولو محدودا من الاستقلالية كان سبيلها أن تفعل ذلك من خلال دهاليز القصر وأبوابه! ومع ذلك فإن »أحمد ماهر« راح يحاول أيضا عن غير طريق دهاليز القصر وأبوابه، وحدث بعد تشكيل وزارته بأسبوعين اثنين بالضبط (23 أكتوبر 1944) أن وصل إلى القاهرة وزير الخارجية البريطاني »أنتوني إيدن«، وطلب رئيس الوزراء المصري الجديد لقاءه برجاء أن يكون اللقاء »شخصيا« أكثر منه »رسميا«، وقام الوزير المفوض البريطاني »تيرنس شون« بترتيب دعوة غداء في بيته، يجلس حول مائدتها رئيس وزراء مصر مع وزير خارجية بريطانيا وحدهما لكن الوزير البريطاني المفوض عاد يبدي لرئيس الوزراء أنه نظرا لضيق الوقت ورغبة كثيرين في لقاء »أنتوني إيدن«، فإنه سوف يضطر إلى دعوة »أحمد حسنين« (باشا) أيضا، ومعنى ذلك أن الرجلين لن يكونا وحدهما. ولم يكن في وسع »أحمد ماهر« أن يعترض على حضور رئيس الديوان الملكي، وكتب »تيرنس شون« تقريرا عن اللقاء (3788 / 206) عارضا أهم وقائعه قائلا: »بدأ وزير الخارجية (إيدن) فأبلغ رئيس الوزراء »أحمد ماهر« أنه راض عما سمعه من تأكيدات عن التزام وزارته بتنفيذ أمين لمعاهدة الصداقة والتحالف بين مصر وبريطانيا (معاهدة 1936)، وهو يأمل أن يتذكر الجميع أن بريطانيا في هذه الحرب لم تعرض مصر لمخاطر دامية من نوع ما تعرضت له بريطانيا نفسها. ومن ذلك أن الحكومة البريطانية لم تصمم على ضرورة قيام مصر بإعلان الحرب، من ناحية لأنها كانت تعرف أن الجيش المصري غير مستعد للمشاركة في قتال. ومن ناحية أخرى لأن إعلان مصر للحرب كان يعرضها دون داع لضرب الكباري والجسور والموانئ والطرق بطريقة مدمرة. أضاف »إيدن« »إننا استفدنا أيضا من هذا الوضع، فقد كانت كل إمكانيات مصر تحت تصرفنا دون مخاطر كثيرة، ونحن نأخذ ذلك في الاعتبار«. أشار وزير الخارجية إلى أن التقارير التي قرأها، لفتت نظره إلى عمليات فصل وطرد وتعيين وترقيات استثنائية شملت مئات من موظفي الدولة المصرية. ورد »ماهر« (باشا) بقوله: »إن هؤلاء كانوا من الذين عينتهم حكومة الوفد، ومن أنصارها والمتعاطفين معها، وكلهم لا تستطيع الحكومة الجديدة المعادية للوفد أن تثق بهم«. وقال وزير الخارجية البريطاني موجها النصح لرئيس الوزراء المصري: »إنه يريد أن يقدم للحكومة المصرية نصيحة صديق، مؤداها »أن هذا العنف في التعامل مع موظفي »الخدمة المدنية« بمعيار الثقة الحزبية، يكسر هذه »الخدمة المدنية« عمليا، لأنه سوف يفقد موظفي الدولة ثقتهم بأنفسهم، والتزامهم بالصالح العام، وتلك ضرورية لمؤسسة »الدولة«، لأن موظفيها المسؤولين ينبغي أن يظلوا بعيدا عن التقلبات الحزبية، وإلا فإن نظام »الخدمة المدنية« في مصر سوف ينهار بمعايير الكفاءة ومعايير الأخلاق. ورد »أحمد ماهر«: »إن الحكومة لم تطرد من طردتهم لأنهم موظفون في الدولة، ولكن لأنهم أنصار للوفد«. ورد وزير الخارجية »إنه لا يريد التدخل في شؤون مصر، لكنه يخشي أن هناك عملية انتقام واسعة النطاق يقودها »مكرم عبيد«، الذي يبدو مصمما على وضع »النحاس«، وقرينته، و»سراج الدين« أيضا في القفص!. الرصاصة الأولى: اللورد »موين« نوفمبر 1944 في ظرف أسبوعين اثنين من اللقاء بين »أنتوني إيدن« و»أحمد ماهر« على الغداء في السفارة البريطانية أي يوم 7 نوفمبر 1944 دوت في مصر طلقات رصاص وسال دم، وكان الضحية هو وزير الدولة البريطاني المقيم في الشرق الأوسط اللورد »موين« ولم يكن اغتياله قتلا عاديا، وإنما اغتيالا سياسيا وراءه مشروع مجمد تحول مع موسم ذوبان الثلوج إلى مجرى سيل على طريق طوفان (مصبوغ بلون الدم). كان قتلة اللورد »موين« شبابا من جماعة »شتيرن« الإرهابية في فلسطين: »إلىاهو حكيم« و»إلىاهو بن تسوري«، وكان وراء الاغتيال مطلب خطير عطله صقيع الحرب وذوبه تغير المناخ بعدها، وهو مطلب فتح أبواب فلسطين بغير قيود للهجرة اليهودية، تمهيدا لإنشاء دولة يهودية في فلسطين على أساس وعد بلفور! وكانت تلك بالفعل كرة جليد أفلتت وانقضت على الشرق الأوسط: فهناك مئات ألوف من اللاجئين اليهود في أوروبا ينتظرون بعد الحرب أن يجدوا ملاذا لهم. ومع أنهم جميعا بلا استثناء تقريبا يطلبون الهجرة إلى الولايات المتحدة فإن يهود الولايات المتحدة لا يريدونهم هناك، و(يعتبرون توجههم إلى العالم الجديد عبئا على الحياة اليهودية فيه، لأن الأجيال التي سبقت واستقرت في أميركا من اليهود لا تريد إضافة تقلق أحوالها أو تزعج آخرين) وهنا فإن فلسطين تصبح مقصدا (منفى) مثاليا لهؤلاء الذين ينتظرون الملاذ، وخصوصا أن الحجج لتزكية الهجرة إلى فلسطين وراءها أساطير قديمة ومعتقة! وكذلك وراءها عملية تعبئة وتحيّز، تقوم بها الوكالة اليهودية سواء في ذلك جناحها الأميركي أو جناحها الأوروبي، الذي لا يريد بدوره مثل الجناح الأميركي تحمل عبء لاجئين يهود فقراء لا تنتظرهم فرص عمل، فضلا عن أن استيعابهم مثير لمشاعر معادية للسامية لها جذور عميقة في أوروبا. (واليهود الأوربيون الذين »توطنوا« في مجتمعات غرب أوروبا هم أيضا لا يريدون أن يجدوا أنفسهم أمام عنصر إقلاق يهودي طارئ). وبصرف النظر عما يريده الجناح الأميركي أو الأوروبي من الوكالة اليهودية، فقد كان الجناح »الإسرائيلي« لها في فلسطين (الموشاف) يطالب على عجل بمدد بشري من المهاجرين يعطي الدولة أساسا لوجود حقيقي في أرض الميعاد. ( وبالتوافق مع ذلك فإن الحكومة الأميركية بتأثير نشاط صهيوني مكثف، ونفوذ عناصر يهودية عتية وقوية، تساند هجرة اليهود إلى فلسطين (تحت الانتداب البريطاني)، وتطلب إسقاط القيود التي تفرضها بريطانيا على عدد اليهود المسموح لهم بدخول فلسطين وتحديده في إطار مئة ألف مهاجر سنويا. وكان الرئيس الأميركي »فرانكلين روزفلت« مقتنعا بمنطق اليهود الأميركيين، أو آملا في تأييدهم له ولحزبه (الديموقراطي)، خصوصا أن يهود العالم نقلوا ولاءهم من »أوروبا« إلى »أميركا« عن اعتقاد ترسخ لديهم بأنه لم يعد في مقدور أوروبا أن تعطيهم أكثر مما أعطت، وفيه »وعد بلفور« الذي فتح الباب لإمكانية دولة يهودية في فلسطين، والآن كان ولاء اليهود يتجه للولايات المتحدة الأميركية، عن اعتقاد بأن تأييدها ونفوذها وقوتها قادرة على تحويل »إمكانية« دولة يهودية إلى »حقيقة« دولة يهودية! وكانت بريطانيا تظن أن فتح أبواب الهجرة في فلسطين أمام اليهود بغير حدود، يمكن أن يصنع مشاكل ليس هذا وقتها تحرجها مع نظم عربية صديقة، ضمنها الأسرة الهاشمية في العراق وفي الأردن، وكذلك الأسرة السعودية في نجد والحجاز، وربما العرب في أفريقيا أيضا (وبينهم مصر). وكانت بريطانيا وسط الحرب (1943) قد أعطت الضوء الأخضر ببيان ألقاه وزير الخارجية (أنتوني إيدن) في مجلس العموم، مؤداه »أن بريطانيا تتفهم أماني العرب في نوع من الوحدة بينهم، وهي لا تمانع عندما تنتهي الحرب في قيام جامعة للدول العربية تجسد هذا الطموح«. وكذلك ترددت السياسة البريطانية في فتح أبواب الهجرة إلى فلسطين، وظنها أن يكون موضوع الهجرة إلى فلسطين محل تراض واتفاق بين الأطراف في المستقبل (كما حدث سابقا في مؤتمر لندن قبل الحرب سنة 1939)، وإلا تعقدت أمور كثيرة وتشابكت خطوط مختلفة، ونشأت مواقف لا يعرف أحد كيف تتطور. ولاحت تلك اللحظة احتمالات صدام بظهور مشروعين في المنطقة جمدتهما ثلوج الحرب ثم ذوبتهما بشائر الربيع. أولهما مشروع الجامعة العربية تعبيرا عن طموحات تاريخية ومستقبلية تلح على العرب والآن وقت التحرك نحوها. والثاني مشروع إقامة الدولة اليهودية في فلسطين (إسرائيل) تطبيقا لوعد بلفور، والآن وقت التنفيذ. وكان المشروع العربي قد سبق إلى إعلان وجوده في قلب الشرق الأوسط حين سمعت مصر نداء إنشاء جامعة للدول العربية، واستجابت للنداء، رغم أنه على الأرجح لم يكن موجها بالدرجة الأولى إلىها وإنما إلى شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب. زيادة على ذلك فإن مصر لم تسمع النداء فقط، وإنما وجدت أمة عربية ترحب بها وتدعوها إلى »قدر تاريخي« يبحث عن مستقبل في عالم متغير، وهكذا شاركت مصر مع العراق وسوريا ولبنان في الدعوة إلى إنشاء جامعة للدول العربية، ولم تكن بريطانيا متحمسة لمشاركة مصر فيها، لكنها لم تكن معارضة. وكذلك جرى توقيع بروتوكول بإنشاء الجامعة، وحرص الملك »فاروق« على أن يكون »النحاس« (باشا) هو الذي يوقعه، وكان التوقيع في حفل مهيب شهده قصر »أنطونيادس« في الإسكندرية قبل أيام من إقالة وزارة »النحاس« (باشا). كان الملك »فاروق« على وجه القطع ووفق ما يظهر في الوثائق، مهتما بالعمل العربي عموما، وبقضية فلسطين على وجه التحديد. مع أن عددا من خصوم الملك، وخصوصا »مصطفي النحاس« (باشا) في ذلك الوقت نسبوا ذلك الاهتمام إلى طموح شخصي (يحاول استعادة حلم الخلافة في شكل آخر) أو بأنه مجاراة لرأي عام مصري تشده روابط انتماء عربي وربما أن الملك »فاروق« في اهتمامه بما يجري في فلسطين، كان إلى حد كبير متأثرا بنظرية الأمن القومي المصري من أيام جده »إبراهيم« (باشا) (وقبله بكثير)، وهي نظرية تعتبر أمن مصر القومي شمال حلب. والأرجح أن الملك »فاروق« في مشاعره العربية والفلسطينية، كان شابا تفتح على التيارات الفكرية المؤثرة في زمنه ثم إنه كملك كان مستعدا وقادرا على المشاركة في تحويل التيارات الفكرية المؤثرة إلى إمكانية فعل على الأرض، وبالتالي كان »فاروق« جاهزا لتقبل رؤى لا يستطيع رجل في سن »النحاس« (باشا) استيعابها، بل إن »النحاس« (باشا) هاجم توجهات الملك العربية في لقاء له مع (اللورد كيلرن) قائلا: »هذا الذي يفكر فيه »فاروق« ويتحدث عنه مسائل أكبر من »عقله« ومن »شخصيته« وكله إيحاءات مجانين مثل »عزام« (يقصد عبد الرحمن عزام باشا أول أمين عام لجامعة الدول العربية)«. ومهما يكن فإن ملك مصر مضى يفكر في مبادرات جريئة تحمل الوثائق البريطانية إشارات لها، وأولها رسالة من مكتب رئيس الوزراء في لندن (16/3/2149)، تسأل السفارة البريطانية في القاهرة بحزم: »تلقينا معلومات بأن الملك »فاروق« يفكر في زيارة فلسطين بدعوة من بعض وجهاء القدس العرب، وورد في أخبار جاءتنا أن »فاروق« قام فعلا بزيارة القدس في سرية كاملة. وتلك أخبار تدهشنا هنا، وقد سألنا اللورد »جورت« الحاكم العام، ولم نجد عنده علما، وأبلغنا أنه كتب إلى السفارة في القاهرة يطلب تفاصيل إضافية. لقد فهمنا أن عددا من الوجهاء الفلسطينيين دعوا ملك مصر للصلاة في »الحرم الشريف«، ونحن نطلب أية معلومات لديكم، وكذلك أي مقترحات لمواجهة مثل هذه الزيارة إذا تأكدت الحقيقة في شأنها«. وترد بعد ذلك برقية من السفارة البريطانية في القاهرة مرسلة إلى الحاكم البريطاني العام في القدس (2149 / 1441) وفيها يقول السفير: »هناك أخبار عن اعتزام الملك »فاروق« زيارة الشام، بادئا بلبنان وسوريا وكذلك القدس في طريق سفره من القاهرة أو عودته إلىها، و»نحن نعتقد أن مثل ذلك عمل خطير من وجهة النظر الأمنية والسياسية، ومن وجهة النظر الأمنية فأنتم أقدر على قياس الخطر، وأما من الناحية السياسية فنحن نرى أن هذه الزيارة أمر غير مرغوب فيه على الإطلاق«. ولم تكن زيارة الملك »فاروق« إلى القدس حتى تلك اللحظة غير دعوة تحمس لها الملك، لكن الحكومة البريطانية تنبهت ومنعت. ورد »فاروق« في ظرف شهور بخطوة درامية عندما قام بعرض اللجوء السياسي في مصر على الحاج »أمين الحسيني« مفتي القدس بعد أن ضاقت به السبل في أوروبا وفي العالم العربي. وجاء ظهور الحاج »أمين الحسيني« في مصر علنا في مؤتمر لملوك ورؤساء الدول العربية كان الأول من نوعه، وقد عقد جلساته ليوم واحد في مقر الاستراحة الملكية في »أنشاص«، وكانت فلسطين موضوع المؤتمر. ولم يكن ولي العهد المصري الأمير »محمد علي« راضيا عن توجه »فاروق« نحو العالم العربي، وقصد إلى مقابلة السفير البريطاني على غير موعد ليقول له أنه غير راضٍ لا عن جامعة الدول العربية ولا عن اندفاع »فاروق« نحو فلسطين، وهو يخشى أن تلك التيارات الخطرة قد تأخذ »هؤلاء جميعا« إلى عداء مع بريطانيا يراه »صاحب السمو خطرا«. وقد أشار الأمير »محمد علي« إلى وزارة »أحمد ماهر« قائلا: »إن حكومة الوفد كانت حكومة قذرة Dirty من نواح عديدة، لكنها على الأقل كانت قادرة على ضبط الأمور، وكان يشير إلى اغتيال اللورد »موين«. وبصرف النظر عن آراء ولي العهد المصري، فإن طلقات المسدس التي قتلت لورد »موين« وزير الدولة البريطانية، كانت في الواقع فاتحة سباق بين مشروعين: مشروع وحدة عربية، ومشروع دولة يهودية، وكلا المشروعين وجد نفسه ذات اللحظة على أمواج طوفان عال من سيول ما كان متجمدا زمن الحرب، والآن وبعد ذوبان الثلوج تدافعت السيول مصبوغة بلون الدم نحو الشرق الأوسط، وبدت تلك مقدمات مواجهة دامية قادمة بين القاهرة وتل أبيب (حتى وإن لم يتنبه أحد!). الرصاصة الثانية: أحمد ماهر فبراير 1945 عندما بدأت طلائع الطوفان من ذوبان جليد الحرب المصبوغ بالدم تصل إلى مصر، كانت القاهرة مأخوذة بهاجس وطني يطرح نفسه ويوشك أن يتحول إلى سؤال مُلح يطلب جوابا. وقد لمع في خواطر جمع من المفكرين المصريين أن قرب نهاية الحرب تطرح على مصر سؤال مستقبلها. وكان سؤال المستقبل قد ظهر ضمنا في سياق بيانات أصدرتها أحزاب الأقلية (السعديين برئاسة أحمد ماهر والدستوريين برئاسة محمد حسين هيكل باشا والوطنيين برئاسة حافظ رمضان باشا) أيام حكم الوفد والظاهر أن هذه البيانات صدرت بتأثير عاملين: عامل حزبي يقصد إلى إحراج حكومة »النحاس« (باشا) ويضغط لكشف عمق علاقتها مع الإنجليز وانصياعها لهم وتنفيذها لما تعتبره هذه الأحزاب »أوامر من السفير البريطاني (المندوب السامي كما أسمته هذه البيانات). وعامل وطني مؤداه أن هذه الأحزاب، ومعها طائفة من أبرز الشخصيات المهيأة بالعلم والالتزام الوطني راحت تحاول بإخلاص أن تستكشف اللازم والممكن لحق مصر في الاستقلال والحرية. والشاهد أن هذه البيانات التي صدرت عن أحزاب المعارضة ومعها عدد من الساسة المستقلين، وتؤيدها طائفة من نجوم الإدارة المصرية في تلك الأوقات تأثرت بأجواء ميثاق الأطلنطي الذي أعلنه تشرشل وروزفلت (وسط المحيط سنة 1942)، واشتمل على مجموعة مبادئ لتنظيم »العالم الحر«، وتمكين شعوب الأرض من صنع مستقبلها متحررة من الخوف والفقر والاستعباد، وكان ذلك الإعلان نداء إنسانيا عالي الصوت رفيع المقدار يبشر بعالم جديد، يذكر بما بشر به الرئيس الأميركي »وودرو ويلسون« في النقاط الأربع عشرة التي أعلنها بعد الحرب العالمية الأولى، والتي ألهمت أحزابا وطنية عديدة (منها الجومنتانج في الصين والمؤتمر في الهند والوفد في مصر، ثم سقط الحلم أيامها عاجزا عن تحقيق بشراه؛ لأن الولايات المتحدة انسحبت بعد مؤتمر فرساي، ولم تدخل عصبة الأمم مؤثرة عزلتها وراء المحيط. وضمن أسبابها هكذا قيل أن الإمبراطوريات القديمة ليست مستعدة بعد لعهد جديد يحقق لشعوب الأرض آمالها أو بعضا منها). على أن إعلان ميثاق الأطلنطي هذه المرة قدم عهدا دوليا من نوع مختلف، فهو ليس أماني رئيس أميركي، وإنما الحلم هو القوة الأميركية التي جاءت من وراء المحيط مرة أخرى تنقذ أوروبا المتهالكة، وتفرض ميثاق »الحرية« شراكة بين كل شعوب الأرض. وكان ميثاق الأطلنطي مقدمة لاجتماع في »سان فرانسيسكو« مطلوب منه صياغة لمبادئ ونظام »الأمم المتحدة« المنتصرة في الحرب ضد النازية والفاشية والعسكرية اليابانية (وهنا أيضا كانت الإشارة الأهم هي التركيز على أميركا، وذلك بأن يوضع ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو غرب الولايات المتحدة، وأن يكون مقر الأمم المتحدة مدينة نيويورك شرق الولايات المتحدة). لكن المعضلة أن مصر لم تكن تستطيع الانضمام مع »الأمم المتحدة« المنتصرة في مؤتمر »سان فرانسيسكو« لأنها ليست دولة مشاركة في الحرب. ولذلك فطريقها الوحيد أن »تعلن الحرب الآن على ألمانيا«، ويكون ذلك مجرد إجراء شكلي يضمن مقعدا لها في مؤتمر »سان فرانسسكو«. كان »أحمد ماهر« (باشا) رئيس الوزراء متحمسا لإعلان الحرب من ناحية المبدأ (وكان ذلك رأيه من قديم حتى عندما كان إعلان الحرب مخاطرة، واعتقاده أن الحرب تجربة ومدرسة تحتاجها مصر)، والآن وإعلان الحرب مجرد استمارة بطلب الدخول إلى القاعة التي تجتمع فيها الأمم المنتصرة في الحرب لكي تضع ميثاق مجتمع الدول بعد الحرب فإن قرارا في هذا الشأن يجب اتخاذه. والملاحظ أن الحكومة البريطانية لم تكن تعارض هذا التوجه، وحسابها »أن الكلام زاد في مصر عن ضرورة تعديل معاهدة سنة 1936، بسبب اقتراب الموعد المقرر لإعادة النظر في بعض نصوصها، وهو عشر سنوات بعد توقيعها (أي سنة 1946)، والأجل لم يبق منه غير سنة واحدة، وهي مدة تكفي بالكاد لعملية التفاوض من أجل نصوص قابلة للتغيير (ليس ضمنها التحالف العسكري بين البلدين لأن نصه سار بلا أجل)، وكان حساب الحكومة البريطانية أن المشاركة المصرية في مؤتمر »سان فرانسيسكو« تشغل مصر بإعطائها مقعدا على مسرح دولي واسع، تحلم أن تجد لنفسها مجالا فيه، بينما المرجح (في الحساب البريطاني) أنها سوف تتوه، وفي الحالتين فإنها قد تنشغل هناك عن الإلحاح على مفاوضات تعديل معاهدة سنة 1936 (بتوهم بعض المصريين أنها تستكمل حلم الاستقلال) وإذا شاركت مصر في »سان فرانسيسكو« (فقد يكون ذلك تجسيدا للوهم)!. والمدهش أن »ونستون تشرشل« رئيس وزراء بريطانيا كان هو نفسه الذي ناقش الموضوع مع الملك »فاروق« في اجتماع بينهما يوم 17 فبراير 1945 (كما فعل الرئيس الأميركي »فرانكلين روزفلت« الذي جاء على ظهر الطراد كوينسي إلى البحيرات المرة وسط مجرى قناة السويس، ليقابل الملك »عبد العزيز بن سعود« والملك »فاروق بعد انتهاء مؤتمر »يالطا« الذي رتب شؤون ما بعد الحرب بين الحلفاء الكبار الثلاثة: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والمملكة المتحدة (بريطانيا)). وفي ذلك السباق نحو مصر بين »روزفلت« و»تشرشل« كان باديا أن الشرق الأوسط أصبح ساحة من أهم ساحات المستقبل. ما بين الساعة الخامسة والنصف وحتى السابعة من مساء يوم 17 فبراير، التقي رئيس الوزراء البريطاني الأشهر »ونستون تشرشل« مع ملك مصر الشاب، وكان اجتماعهما في بيت الوزير البريطاني المقيم للشرق الأوسط (ليتلتون الذي خلف اللورد موين بعد اغتياله قبل شهرين). وهناك سجل لمحضر اللقاء في محفوظات مجلس الوزراء البريطاني (يحمل رقم 801)، والمحضر يجري على النحو التالي: تسجيل مناقشة مع ملك مصر ورئيس الوزراء في بيت الوزير البريطاني المقيم. القاهرة: الساعة 30،5 7 مساءً. 17 فبراير 1945 الحضور من الجانب البريطاني: رئيس الوزراء »ونستون تشرشل« وزير الخارجية »أنتوني إيدن« سفير صاحب الجلالة البريطانية »اللورد كيلرن« الحضور من الجانب المصري: ملك مصر »فاروق« (الملك وحده بدون رئيس وزرائه أو رئيس ديوانه أو أي مرافق لتسجيل محضر المقابلة). بدأ رئيس الوزراء (»تشرشل«) اللقاء بملاحظة عن التغيير الوزاري الذي جرى أخيرا في مصر، وخرج به »صديقنا« »النحاس« (باشا) ورد الملك »فاروق« قائلا: »إن الوقت كان قد حان للتغيير. وأنه لولا حكومة صاحب الجلالة البريطانية لكان التغيير تم مبكرا. وأضاف ملك مصر: »إنه شخصيا كان يتمنى تغيير وزارة الوفد من أول يوم، ومن حسن الحظ أنه أعطى تلك الحكومة حبل الصبر طويلا، وأنه كما توقع فإن تلك الحكومة شنقت نفسها بهذا الحبل، أضاف الملك من باب التأكيد »تلك الحكومة انتحرت!«. وتساءل رئيس الوزراء (»تشرشل«): »هناك كلام عن محاكمة »النحاس« وبعض زملائه وهذا غير مقبول«. ورد الملك »فاروق« »إنهم متهمون بالخيانة، ولكنه ليس راغبا في محاكمتهم بهذه التهمة. أضاف الملك أن لجان تحقيق برلمانية وقضائية وجدت أدلة إجرامية ضدهم، وهو يرى أن متابعة ذلك إلى نهايته الطبيعية ليس عمله هو، ولكنه مسؤولية الوزارة الجديدة«. ورد رئيس الوزراء محذرا »أن الحكومة البريطانية لا تقبل محاكمة »النحاس« مهما كانت التهم لأنه خدم بريطانيا العظمي في زمن أزمة«. أضاف رئيس الوزراء »أن هذا على أي حال ليس الموضوع الذي يريد تضييع الوقت فيه، فتلك مشكلة يمكن متابعتها بوسائل أخرى. انتقل رئيس الوزراء إلى المسألة المهمة المتعلقة بانضمام مصر إلى الأمم المتحدة، وأبدى أن الحكومة البريطانية لا تمانع في دخول مصر عضوا مشاركا في إنشاء الأمم المتحدة، وعضوا مؤسسا في هذه الهيئة التي تضع الأساس لسلم عالمي دائم. قال رئيس الوزراء »إن مصر في الواقع تستحق هذه المكافأة لجهودها في الحرب، مع أنها لم تدخلها رسميا، والآن لم يعد هناك خطر في استكمال الشكل وإعلان الحرب رسميا حتى تتمكن الحكومة المصرية من استيفاء المواصفات المطلوبة للأمم المتحدة. وقال الملك »فاروق« »إنه يخشى أن إعلان مصر الحرب بعدما انتهت تقريبا وانتصر الحلفاء وانهزم أعداؤهم، يمكن أن يعطي انطباعا سيئا. وافق الملك عندما عرف أن تركيا سوف تفعل نفس الشيء، وهي كحال مصر لم تدخل الحرب من قبل. أضاف الملك ان مصر يمكن أن تتصرف مثل تركيا، وكذلك مثل السعودية التي أبلغه ملكها »عبد العزيز« أنهم سوف يعلنون الحرب ليكون لهم حق دخول الأمم المتحدة. قال رئيس الوزراء لملك مصر »إنه سوف يترك وزير الخارجية »أنتوني إيدن« يرتب التفاصيل مع رئيس الوزراء المصري »أحمد ماهر«. قال رئيس الوزراء »ونستون تشرشل« لملك مصر: »أريد أن أذكرك بما قلته لك مرات من قبل وألح علىه مرة أخرى اليوم وهو أن لديك فرصة رائعة لخدمة شعبك، وذلك في كل الأحوال واجبك. إن أحوال الشعب المصري تنادي من يستطيع تحسينها، فليس هناك في العالم كله مثيل لهذا التناقض الواقع في مصر بين غنى فادح وفقر مدقع«. كرر رئيس الوزراء هذه الملاحظة مؤكدا أن الشعب المصري في حاجة ماسة إلى من يخدمه. قال الملك »فاروق« إنه يحمل هذا الهدف في قلبه، لكنه مضطر أن يعمل من خلال الوزارة. لاحظ رئيس الوزراء أن »كلا من مصر والهند لديهما عند بريطانيا أرصدة إسترلينية مقابل خدمات قدمت للمجهود الحربي. ومع أن المجهود الحربي البريطاني أنقذ كلا من مصر والهند، فإن رئيس الوزراء يرى جواز مناقشة هذه المسألة. لم يعلق الملك »فاروق« على ذلك، ثم قال ملك مصر إنه يأسف أن رئيس الوزراء (البريطاني) ليس لديه وقت كاف في مصر، حتى يرى كيف يرحب به الشعب المصري. وأنه (الملك) كان يرغب في إقامة حفل رسمي كبير في القصر الملكي يناسب مقام »تشرشل«، ورد رئيس الوزراء »في المرة القادمة ربما«. وراء الستار في تلك الفترة المفعمة بالشكوك وأسباب التردد كان هناك رجل يتحرك، رغم أن دوره يكاد يندثر وسط ركام الماضي، وهذا الرجل هو الفقيه القانوني »عبد الحميد بدوي« (باشا) رئيس قلم قضايا الحكومة. (وكانت الصحافة الشعبية في مصر تلقبه بفقيه القرية وتتهمه بتفصيل الفتاوى على هوى الطالبين، ولم يكن ذلك دقيقا بقياس ما هو باق من أعمال الرجل) كان »عبد الحميد بدوي« (باشا) كما يبدو من قراءة مذكراته وتوصياته إلى رؤساء الوزارات المصرية كفاءة قانونية لافتة في قدرتها على تأصيل الموضوعات وعرضها، وإسناد المنطق وترتيبه، واقتراح الحلول وبدائلها، وتكشف محفوظات رئاسة مجلس الوزراء عن مذكرة بتاريخ 18 فبراير 1945، قدمها »عبد الحميد بدوي« (باشا) إلى رئيس الوزراء »أحمد ماهر« (باشا)، وفي هذه المذكرة يحدد »عبد الحميد بدوي« مسارا واضحا، قانونيا وسياسيا يتوالى خطى متصلة: ( أولها ضرورة أن تكون مصر طرفا فاعلا في تأسيس النظام الدولي الجديد الذي تنشئه الأمم المتحدة، وإذا كان ذلك يقتضي أن تقوم مصر بإعلان الحرب على ألمانيا، فإن »بدوي« (باشا) يرى أن مصر حاربت فعلا، وأن مواردها وإمكانياتها شاركت في المعركة رغم غياب قوات مسلحة لها على الأرض. والمنطق أن حلفاء أي حرب مطالبون بالدرجة الأولى بإعطاء كل جهدهم لخدمة أهداف التحالف دون النظر إلى عنصر بالذات من عناصر الحرب كالسلاح أو غيره. ولهذا فإن مصر حتى رغم تأخرها في إعلان الحرب فإنها استوفت شرطه، وعلى هذا الأساس كانت فتوى »عبد الحميد بدوي« (باشا) أن تعلن مصر الحرب على ألمانيا لأنها ساهمت في هزيمتها لكن لا تعلن الحرب على اليابان لأن تلك معركة لم تساهم فيها مصر بشيء. ثانيها، أن مصر مع أصدقاء لها تستطيع أن تشارك في الدعوة إلى نظم إقليمية تتعاون مع بعضها لصيانة الأمن والسلام العالميين، ويكون ذلك ترتيبا موازيا لسلطة يظهر أن الحلفاء الكبار (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا) ينوون الاحتفاظ بها لأنفسهم على شكل هيئة علىا تمثل إرادة المجتمع الدولي ويجري الحديث عنها من الآن (وذلك ما سمي في الميثاق بعد ذلك بمجلس الأمن، وكان للكبار فيه تفويض بحق العضوية الدائمة وبحق الاعتراض النافذ (الفيتو). ويستحق الانتباه أن »عبد الحميد بدوي« (باشا) في صدد نظم التعاون الإقليمي بدا وكأنه يتحدث بالتحديد عن مشروع نظام عربي، فقد أشار »إلى التواصل الجغرافي والإنساني، والقرب الحضاري اللغوي والثقافي، ومجال التفاعل مما تصنعه قرابة الجغرافيا والتاريخ«. ثالثها: أن مصر يحق لها التحضير لمفاوضات مع بريطانيا من الآن لإعادة النظر في معاهدة سنة 1936، والهدف من ذلك ليس إدخال تعديلات على بنود تلك المعاهدة، وإنما الهدف تحقيق توافق بين التزامات مصر المتعددة في إطار الأمم المتحدة وميثاقها، وبين دواعي التنظيم الإقليمي وإطاره، لأن العلاقة الثنائية المصرية البريطانية التي تم توقيع المعاهدة سنة 1936 على أساسها، تغيرت من حولها الأوضاع بما يستدعي تصورات مستجدة تستجيب للأماني المصرية وتتسق مع تنظيم عالمي متجاوز لنمط العلاقات الثنائية المعروفة. وكذلك أصبح إعلان مصر للحرب موضوعا مطروحا ومثارا أمام مجلس النواب، والرأي أنه إجراء شكلي بلا تكاليف مستجدة، مقصده تحقيق هدف مستقبلي شديد الأهمية، وهنا كان مستغربا أن تجيء المعارضة له من جانب حزب الوفد. وكانت حجج الوفد كما جاءت في مذكرة رسمية أعلنها وقدمها (للسفارة البريطانية أيضا) »أن إعلان مصر للحرب الآن يعرضها لتضحيات جسيمة في الرجال والأموال وإلى مدى لا يعلم إلا الله مداه«، وأن بريطانيا وعدت مصر بحضور مؤتمر الصلح بعد الحرب مقابل خدمات جليلة أدتها أثناء الحرب للحليف البريطاني والحلفاء الديموقراطيين. وتأسيسا على هذا الوعد فإن مصر لها الحق أن تحضر مؤتمر »سان فرانسيسكو« دون إعلان للحرب يكلفها غاليا. ومع أن »الوفد« يعرف أن الجزء الأصعب من الحرب قد انقضى، فإن المرحلة الباقية خطرة على مصر من حيث إنها سوف تؤدي إلى دمج جيشها في جيوش الحلفاء ووضعه تحت إمرة قادتهم، كما أن أسطولها التجاري في البحار يمكن إغراقه بالطائرات، كما أنها قد تصبح مطالبة بقوى عاملة ومساعدة للعمليات، هذا إذا لم يطلب منها أن تبعث بقوات وأسلحة وعتاد وذخائر تشارك في حروب هجومية! وفضلا عن ذلك فإن قيام مصر بإعلان الحرب لا يتفق مع كرامتها، وكان المعقول أن تعلن مصر الحرب عندما كانت أرضها معرضة للاحتلال أيام كان الخطر داخل حدودها فعلا، أما الآن وقد ابتعد الخطر عن حدودها فإن إعلان الحرب يبدو منافيا للكرامة«. ولم يكن الوفد وحده في معارضة إعلان الحرب، وإنما تبعه الحزب الوطني وكذلك جماعة الإخوان المسلمين، واضطربت الخواطر في مصر بين فريق يرى الأمر ظاهرا بحيث لا يحتاج إلى عناء، وبين فريق آخر يشكك ويتخوف، وبالتالي يعارض ويحرض! ويوم 24 فبراير 1945 كان مجلس النواب مدعوا لاجتماع استثنائي يعرض فيه رئيس الوزراء »أحمد ماهر« قرار إعلان الحرب حتى ينفذ مفعوله بموافقة البرلمان علىه. وتحدث »أحمد ماهر« (باشا) وشرح وجهة نظره أمام قاعة مشحونة بالأعضاء وبالمشاعر، ثم خرج بعد الجلسة يلتقي نواب حزبه، وفيما هو يمر بالبهو الفرعوني، تقدم منه شاب مد يده إلىه مصافحا، وظن رئيس الوزراء أن الشاب نائب لا يعرفه، أو موظف في المجلس يحييه، أو ضيف من شرفات الزوار جاء إلى البهو الفرعوني. وكذلك مد يده، وفي تلك اللحظة كان الشاب وهو »محمود العيسوي« يسحب من جيبه مسدسا ويعاجل »أحمد ماهر« (باشا) بطلقات رصاص ترديه قتيلا على الفور. وكان »محمود العيسوي« شابا متحمسا تتوزع ولاءاته ما بين الحزب الوطني وجماعة الإخوان المسلمين. وكانت تلك هي الرصاصة الثانية بعد رصاصة أولى قتلت اللورد »موين« وبين الرصاصتين ثلاثة شهور لا تزيد! الرصاصة الثالثة: أمين عثمان يناير 1946 فور اغتيال »أحمد ماهر« كان اختيار خلف له قضية محسومة، فلم يكن على الساحة عقلا وعاطفة، خيار آخر غير تكليف نائبه »محمود فهمي النقراشي« (باشا). وفي الواقع فإنها كانت نفس وزارة »أحمد ماهر« و»النقراشي« (باشا) على رأسها بدلا منه. ووجد رئيس الوزراء الجديد نفسه في وضع شديد الصعوبة، فالملك »فاروق« لا يفهمه، ثم إن السفير البريطاني ضيق الصدر به وقد وصفه في تقاريره وكرر أكثر من مرة: إنه »عنيد إلى حد الغباء وضيق الأفق إلى حد التعصب«. بل إن السير »رونالد كامبل« (وهو وقتها وكيل الوزارة المسؤول عن الشرق الأوسط) كتب إلى وزير الخارجية الجديد يقول: »إذا أردنا أن نفهم »النقراشي« فلا بد أن نتذكر دائما مهنته، فقد كان في الأصل »مدرسا« ولا يزال حتى الآن يتصرف مع مجلس وزرائه ومع موظفي الدولة كأنهم فصل مدرسة! يضيف »رونالد كامبل« »أن »النقراشي« بعد الاشتغال بالتدريس انضم إلى الحركة الثورية المصرية، وشارك في العمليات السرية لمقاومة »وجودنا« في مصر وبينها عملية اغتيال السير »لي ستاك« مفتش الجيش المصري. لكن »النقراشي« الآن وفي رغبته للتفاهم معنا »ينفي بشدة أنه شارك في اغتيال السير »لي ستاك«، ونحن لا نظن أنه أمسك سلاحا وصوبه، لكنه كان ضالعا في التحضير والتخطيط لحوادث الشغب التي جرت في تلك الفترة. والسمعة الشخصية للرجل طيبة، فهو لا يقامر ولا يذهب إلى سباق الخيل مثل سلفه، وهو رجل مستقيم في علاقاته العائلية. ولم يحدث أن أثير شك حول ذمته المالية، وإن كان »أمين عثمان« قد ذكر مرة »أن الرجل أمين لأنه لا يعرف كيف تكون الوسائل إلى شيء آخر«!« وعندما ذهب السفير البريطاني إلى بيت »أحمد ماهر« ليعزي أسرته بعد ساعات من اغتياله، كان الملك »فاروق« هناك أيضا يعزي الأسرة، وكذلك كان »النقراشي« الذي أسندت إلىه مقاليد الوزارة، كما كان هناك »مكرم عبيد« (باشا) الذي لم يكن راضيا من أول لحظة عن اختيار »النقراشي« (باشا) لرئاسة الوزارة بتأثير رواسب قديمة عندما كان كلاهما في حزب الوفد قبل خروج السعديين برئاسة »أحمد ماهر« وقبل انشقاق »مكرم عبيد« (باشا) والكتلة المحيطة به. وروى السفير البريطاني في تقرير له إلى لندن: »أن »مكرم عبيد« (باشا) كان ثائر الأعصاب، وقد قال للسفير البريطاني »إن »محمود العيسوي« (قاتل »أحمد ماهر« (باشا)) اعترف من بداية التحقيق أن هناك عشرين شابا مثله يحملون مسدساتهم، وسوف يفرغون طلقاتها في عشرين سياسيا مصريا إذا هم ترددوا في هذه اللحظة أو تقاعسوا«. ويذكر اللورد »كيلرن« في نفس التقرير »أن »مكرم« (باشا) أثار أمامه وفي ذلك الموقف ضرورة محاكمة »النحاس« (باشا)، قائلا: »هناك لجنة تحقيق فرغت من جمع الوقائع والوثائق ولا بد من تحويل تقريرها إلى مجلس النواب للتصرف فيه، لأن البلد لا يقبل الميوعة، وها نحن رأينا نتائجها في اغتيال »أحمد ماهر««. وفي تقرير لاحق في نفس اليوم كتب اللورد »كيلرن«: »وجدت لازما أن أحذر »النقراشي« من أي تفكير في محاكمة »النحاس«، فلست أريده أن يتخذ خطوة في الاتجاه الخطأ ثم يعتذر عن الخطأ بأنه لم يعرف بما كان بيننا وبين سلفه من اتفاقات. وقمت بالفعل بطلب مقابلته وإخطاره »أن موضوع محاكمة »النحاس« (باشا) ليس مطروحا على المائدة، وهذا تعهد أخذناه من »أحمد ماهر« (باشا) والملك »فاروق« على علم به، وكذلك رئيس وزراء المملكة المتحدة »ونستون تشرشل«. وبمقدار ما كان اختيار »النقراشي« لخلافة »أحمد ماهر« ضرورة ظروف فإن مهام »النقراشي« كانت بنفس ضرورة الظروف امتدادا لشواغل »أحمد ماهر« وأولها ما حدده »عبد الحميد بدوي« (باشا): الإعداد لمؤتمر سان فرانسيسكو حيث يوضع ميثاق الأمم المتحدة، والآن كانت تلك المهمة التي أعطى »أحمد ماهر« (باشا) حياته لتحقيقها، التزاما مضاعفا باعتباره مطلبا مصريا يطمح للمشاركة في تنظيم عالم بعد الحرب، ثم وفاءً لزعيم السعديين الذي اتخذ الإجراء اللازم حتى تكون مصر ضمن الأمم المتحدة، وهو (إجراء إعلان الحرب) ثم تلقى الرصاص في صدره! ثم وهذه هي المهمة الثانية، الإعداد لمفاوضات مع الحكومة البريطانية في شأن إعادة النظر في معاهدة سنة 1936 (وهو موعد يحل سنة 1946) وهنا فإن »عبد الحميد بدوي« (باشا) راح يؤسس لقواعد ظلت ملزمة للسياسة المصرية سنوات طويلة، فقد كان رأيه أن أي تعديل لمعاهدة سنة 1936 لابد أن يأخذ في اعتباره عنصرين: عالم جديد تنشئه الأمم المتحدة ويحكمه ميثاقها ومصر عضو مؤسس في الاثنين: النظام والميثاق. وإقليم لا بد من ترتيب شؤونه على أساس روابط مشتركة تجمع بين أطرافه وجامعة الدول العربية هي الشكل الراهن لطموحات الإقليم وضمنها أمنه المشترك. وفي أسابيع قليلة استطاع »عبد الحميد بدوي« (باشا) تشكيل مجموعة من أفضل كفاءات مصر القانونية، وظنه أن »المفاوض المصري« يحتاج إلى قاعدة علمية يتكئ علىها في وقت تتقرر فيه مصائر. ولعل المشكلة الوحيدة كانت أن »بدوي« (باشا) بتأثير تجربته، جعل الحقوق مجال المعركة، والقانون الدولي سلاحها، وشجعه أن رئيس الوزراء الجديد مدرس سابق، يريد أن يضبط الأمور بحزم في فصل من التلامذة المشاغبين، وكذلك راح يأخذ الأمور جدا. وفي ظرف شهور قليلة كان الملك »فاروق« نفسه يسأل »عبد الفتاح عمرو« (باشا) الذي جاء إلى القاهرة يتولى أمر الاتصالات بين القصر والسفارة بسبب مرض رئيس الديوان »أحمد حسنين« (باشا) قائلا: »يظهر أننا غلطنا باختيار »النقراشي« لكنه لم يكن أمامنا غيره«. ثم ذكر الملك »فاروق« لعمرو (باشا) واقعة مهمة (ترد إشارة غامضة لها في الوثائق البريطانية)، ومؤدى هذه الواقعة »أنه عندما كان »تشرشل« في مصر قبل شهور (وفي أعقاب مؤتمر يالطا، وقبل اغتيال »أحمد ماهر«)، أخذ (الملك فاروق) »تشرشل« على جنب وقال له ما مؤداه »أنه ليس هناك داع للإلحاح باستمرار على أهمية »النحاس« (باشا) بالنسبة لهم. فقد فرضوه على (الملك) رئيسا للوزراء، وتركوا أقاربه وأنصاره ينهبون البلد، ثم منعوا محاكمته واعتبروها إهانة لهم. وذلك كله (من وجهة نظر الملك) مسلسل أخطاء لابد أن يتوقف، وهو الآن يطلب فرصة يدير فيها أمور مصر على مسؤوليته لمدة خمس سنوات، ثم يحاسبونه بعدها«. وقال الملك لعمرو (باشا) ما مؤداه: »أن »تشرشل« وافق على إعطائه يدا طليقة لخمس سنوات«. وطبقا لرواية »عمرو« (باشا) (مسجلة بصوته) يستطرد الملك بما مؤداه »أنه أخذ الأمور على مسؤوليته« والآن وبعد اغتيال »أحمد ماهر« لم يكن أمامه غير »النقراشي« وقد عينه رئيسا للوزراء، لكن الرجل يعمل حتى دون أن يقصد على وضعنا في »خناقة« مع الإنجليز«. ويستطرد الملك »فاروق« طبقا للرواية »إنني أول من يريد أن يتخانق مع الإنجليز، ولكن الخناق معهم يجب أن يكون ب: »شطارة«! »ويضيف الملك »لقد مضى من السنوات الخمس التي طلبتها شهور قليلة، لكني الآن »زهقت« من إمكان عمل شيء!«. في ذلك الوقت كتب القسم المصري في وزارة الخارجية البريطانية مذكرة لوزيرها جاء فيها بالنص: »بصرف النظر عن كل محاولات التمويه التي يقوم بها المصريون فإن طلباتهم تبدو واضحة من خلال النداءات التي تتردد في محافل القاهرة، فهم يريدون ما يلي: جلاء كل جندي أجنبي عن مصر. سيطرة مصرية كاملة على قناة السويس. وحدة أو اتحاد مع السودان. والذي يزعمه بعض القانونيين المصريين (إشارة إلى بدوي باشا) أن ذلك كله يتسق مع إعلان الأطلنطي ومع مجموعة المبادئ التي توجه مؤتمر سان فرانسيسكو المكلف بوضع ميثاق الأمم المتحدة. وفي ذلك فإن المصريين لا يدركون حقائق الحياة الأولية، وعلى سبيل المثال فإنهم لا يعرفون أن مصر لا تستطيع أن تدافع عن نفسها لأن ذلك يحتاج إلى موارد لا تقدر على احتمالها. والحقيقة أن طيرانا عصريا يستطيع تحويل القاهرة إلى ركام، بالإضافة إلى ذلك »فإن العالم لن يسمح لمصر بأن تكون مسؤولة عن قناة السويس لسبب واضح، وهو أن إدارة القناة موضوع لا يخطر في حلم أحد أن مصر مؤهلة له!«. ويتوجه السفير البريطاني اللورد »كيلرن« ويقابل رئيس الوزراء »محمود فهمي النقراشي« (باشا) ثم يكتب تقريرا إلى لندن (رقم 72/ 1116 17 مارس 1945)، يعرض فيه وقائع اللقاء فيقول: »ذكرت لرئيس الوزراء أنني أتحدث إلىه اليوم بغير تعلىمات من لندن، لكني قررت مجرد التفكير معه بصوت عالmerely thinking aloud - قلت له »إننا نسمع كثيرا عما تسمونه »الأماني الوطنية المصرية« ولا نعرف بالضبط ماذا تقصدون؟ ولا ماذا تعرفون عن حقائق الدنيا بما في ذلك حقائق الحرب. قلت له إن دخل مصر القومي الآن هو في حدود 80 مليون جنيه، ولو أن هذا الدخل خُصص بالكامل للدفاع عن مصر لما كفى. والمسؤولون المصريون لا يصح لهم أن ينساقوا وراء كلمات معزولة عن الحقائق!«. ولم يعلق »النقراشي« على ما قلت مباشرة ولا يبدو لي أنه يعرف ما فيه الكفاية لكي يخوض في مناقشة مفيدة، وحاولت أن ألفت نظره إلى أن »الشعارات« لا يمكن أن تكون في حد ذاتها »سياسة«، لكني أشك أن في مقدور الرجل أن يفهم بأكثر مما تسمح به ملكاته«! لم تكد تمر أيام على هذا الحديث حتى تسجل الوثائق البريطانية (87 / 1238) لقاء بين »حسين سري« (باشا) رئيس الوزراء السابق (حتى يوم 4 فبراير 1942) وبين السفير البريطاني اللورد »كيلرن«. وفي تقريره عن اللقاء يقول اللورد »كيلرن« بالحرف: »إن »سري« (باشا) متشائم من الأوضاع الحالية، ورأيه أن »النقراشي« رجل ضيق الأفق لا يصلح أن يكون رئيسا للوزراء، وبدوي (يقصد عبد الحميد بدوي باشا) يقف وراءه ويحرك خطواته وهو أسوأ منه. و»مكرم عبيد« يقوم بدور الروح الشريرة في الوزارة. وفي رأي »سري« (باشا) أن الوزارة الحالية غير قادرة على البقاء أكثر من ثلاثة أشهر. يضيف »سري« (باشا) أنه على تمام الاقتناع بأن البلد ليس جاهزا للحكومة البرلمانية، وليس هناك بد من تأجيل البرلمان سنة كاملة على الأقل حتى إذا كان ذلك تعطيلا للدستور، لكن المشكلة أن الملك ليس متزنا، فهو في شهر يتعامل معه (مع سري باشا) كصديق، وفي الشهر التالي يتعامل معه كعدو«. وتشير وثائق رئاسة الوزارة في بريطانيا أن رئاسة أركان الحرب الإمبراطورية أصبحت مشغولة بكل هذه »الشوشرة« التي تدور في مصر حول معاهدة سنة 1936، والتحالف العسكري بين مصر وبريطانيا (وهو على عكس البنود السياسية في المعاهدة ليس قابلا للتعديل) وفوق ذلك ما يتردد حول قاعدة قناة السويس، ومستقبل القناة ذاتها! ويجيء اللورد »ألان بروك« رئيس أركان حرب الإمبراطورية إلى مصر يقابل الملك »فاروق«، ويشرح له »حقائق القوة« في هذا العالم، بصرف النظر عن المواثيق السياسية وإعلانات المبادئ وعملية تأسيس الأمم المتحدة الجارية الآن في »سان فرانسيسكو«. ويقابل اللورد المارشال »ألان بروك« أيضا رئيس الوزراء »محمود فهمي النقراشي« (باشا) ويشرح له. لكن المفاجأة أن »أمين عثمان« (باشا) أبلغ السفير البريطاني أنه يريد لقاء مع رئيس أركان حرب الإمبراطورية ليعرض علىه وجهة نظر »النحاس« في الموقف، لأن المارشال بالطبع لا يستطيع أن يقابل رئيس الوفد لكن »ألان بروك« يعتذر عن اللقاء لأنه لا يريد التورط في الشؤون الداخلية المصرية! (رغم أنه مع الملك »فاروق« أشار إلى ضرورة استبعاد فكرة محاكمة »النحاس« (باشا)، لأن ذلك يؤدي إلى قلاقل في الداخل تؤثر على التوازن العسكري في مصر وحولها). ولم تكد مهمة المارشال »ألان بروك« تنتهي، حتى عُززت بمهمة قام بها ماريشال آخر هو المارشال »سمطس« وهو السياسي الأقوى نفوذا في جنوب أفريقيا، وكان يعتبر في تلك الأيام من دعامات الإمبراطورية. وجاء المارشال »سمطس« إلى القاهرة وقابل الملك وقابل »النقراشي« ليقول للاثنين: »إن تحقيق الأماني المصرية يحتاج إلى إدخال إصلاحات اجتماعية على أوضاع الناس في مصر أكثر مما يحتاج إلى إخراج القوات البريطانية منها!«. كان »أمين عثمان« ما زال يتحرك وظنه أن الحكومة البريطانية نفد صبرها سريعا من وزارات القصر، وأنها الآن جاهزة لتدخل »من نوع ما« حتى لا تفلت الأمور إلى أبعد مما يمكن السيطرة علىه، ويسجل اللورد »كيلرن« في تقرير إلى وزارة الخارجية البريطانية (رقم 1662) ما نصه: »جاء »أمين عثمان« إلى الإسكندرية ليقابلني، قال لي إن »النحاس« (باشا) يشعر بالقلق، فالأمور في مصر تتحرك بينما هو مقيد، وهو يخشي أن اللحظة سوف تفلت إذا ظل متخلفا وراء الرأي العام في قضية لها أهمية مثل تعديل معاهدة سنة 1936، وتقدير »الباشا« أن التعديلات المطلوبة على المعاهدة يمكن تسويتها بطريقة هادئة وهو يعرف كيف، لأنه كان رئيس الجبهة الوطنية التي فاوضت سنة 1936، وهو الذي وقع على المعاهدة. والآن فإن المسائل المطروحة للبحث هي: مواد التحالف العسكري وما يتصل بها (وهو يعتقد بإمكانية التفاهم حولها) ثم مشكلة السودان. ويوضح »أمين عثمان« وتسجل التقارير: أن (»النحاس« (باشا) لا يرى السودان مشكلة، والحقيقة أن السودان لا يهمه كثيرا لأنه يسلم بأن في السودان الآن حقائق جديدة) تتبقى بعد ذلك مشكلة الأرصدة الإسترلينية لمصر، هي مشكلة يمكن الاتفاق علىها بروح من التعاون الودي نقدر علىه معا أي هو »النحاس« وأنا (»لورد كيلرن«)، وبذات الروح التي تفاوضنا بها معا أول مرة سنة 1936. وبدأ اللورد »كيلرن« يجمح في تصوراته، خصوصا وقد علت أصوات تقول إن »النقراشي« (باشا) »ليس رجل الساعة«، ولبعض الوقت بدا أن الملك »فاروق« يراجع نفسه، أي أنه على استعداد لتغيير »النقراشي« ولكنه لا يريد أن يذهب »النقراشي« لكي يجيء »النحاس« وفي نفس الوقت فإن نشاط »أمين عثمان« يزيد، ولاحظت وزارة الخارجية في لندن (وهو ظاهر في ملفاتها) أن اللورد »كيلرن« يوشك على تضييع التوازن الضروري لسفير صاحب الجلالة البريطانية في مصر، لأنه عاد إلى تكرار عدم صلاحية »فاروق« لدور ملك دستوري. وفي لحظة من خريف سنة 1945 بدا أن اللورد »كيلرن« يقترح عودة »النحاس« (باشا) و»الوفد« إلى الحكم، ولو أدى الأمر إلى تدخل آخر بالدبابات، ولم تكن لندن مستعدة. ويستحق الملاحظة أن أول مسألة جرى سؤال وزير الخارجية العمالي الجديد عنها كانت متعلقة بالشؤون المصرية، وتمثلت في تقرير من القاهرة عن الاستعدادات الجارية للاحتفال في مصر بعيد ميلاد ملك بريطانيا، وفي التقاليد فإن هذه الاحتفالات كان بين مراسمها عرض عسكري تخرج فيه القوات البريطانية من ثكنات قصر النيل لتمر في طابور يتقدمه العلم البريطاني أمام السفير البريطاني واقفا على منصته وسط ميدان الخديوي إسماعيل (ميدان التحرير الآن) ليتلقى تحية القوات ممثلا لصاحب الجلالة البريطانية. وفي هذه الأجواء المصرية الملبدة بالغيوم كان رأي وزير الخارجية البريطاني (نجم العمل النقابي »أرنست بيفن«) أن مثل هذا الاستعراض »استفزاز لمشاعر الشعب المصري«، وبالتالي فإنه يلزم إخطار السفير البريطاني في القاهرة بذلك، والتنسيق مع رئاسة أركان الحرب الإمبراطورية بإلغاء الاستعراض البريطاني على ساحة ميدان عام في قلب القاهرة، وإذا كان لابد من استعراض، فالأفضل إجراؤه داخل الثكنات وليس خارجها، وإذا لم تكن الثكنات مناسبة فإنه يمكن نقل الاحتفال إلى نادي الجزيرة! وكانت تلك إشارة مشجعة، وفسرها الملك على أنها بداية عهد جديد، تقبع فيه القوة البريطانية داخل حدودها. وعاودت الملك ثارات قديمة وظنه أن الوقت مناسب الآن للرد علىها، وهكذا دوى الرصاص في القاهرة مرة أخرى. ويوم 5 يناير 1946 وفي شارع عدلي، كان الحرس الحديدي للملك »فاروق« يرتب لاغتيال »أمين عثمان« (باشا) بواسطة مجموعة قتل يقودها اليوزباشي »أنور السادات«. وحين عرف وزير الخارجية البريطاني »أرنست بيفن« بخلفيات اغتيال »أمين عثمان« (باشا)، كان تعلىقه في اجتماع أمام لجنة الأمن الإمبراطوري العلىا يوم 10 يناير، كان قوله »إنني عاجز عن تصور قيام رجل هو الرئيس الأعلى للدولة في بلاده بقتل أحد مواطني دولته لأنه يعارض سياسته أو يكرهه شخصيا! وكانت نوازع الانتقام أقوى وكان صوت الرصاص في القاهرة مرة ثالثة أعلى!. الرصاصة الرابعة: سليم زكي ديسمبر 1947 كان اغتيال »أمين عثمان« (باشا) بداية تداعيات لعلها لم تخطر ببال الملك »فاروق« وهو يعطي للدكتور »يوسف رشاد« (طبيبه الخاص ومسؤول الحرس الحديدي في شكله الهجومي المستجد) إشارة البدء في تنفيذ عمليات الانتقام المسلح من خصومه، وأن تكون التجربة الأولي ضد »أمين عثمان« (باشا) بالذات فهو فضلا عن الثأر القديم (4 فبراير 1942) يريد إزاحته عن الساحة الآن، لأنه يتحرك بنشاط زائد غرضه إعادة »النحاس« (باشا) إلى الحكم مع وزارة وفدية، حتى وإن اقتضى الأمر تكرار حصار القصر بالدبابات. وقد رأى الملك »فاروق« أن يسبق الحوادث ويضرب ولو أنه انتظر قليلا لعرف أن محاولات اللورد »كيلرن« لا تجد في لندن الآن خصوصا في عهد حكومة عمال جاءت بها الانتخابات العامة في بريطانيا مسؤولا مؤيدا أو مستعدا للتأييد. والحقيقة أن وزير الخارجية العمالي الجديد »أرنست بيفن« كان قد اتخذ قرارا بالفعل بأن اللورد »كيلرن« استهلك مدة صلاحيته في مصر؛ لأنه غرق في عداواته الخاصة وصداقاته الخاصة، وتلك آفة السفراء دائما عندما تطول خدمتهم في موقع، وتكون دولهم صاحبة نفوذ عميق حيث يخدمون. وكذلك تقرر نقل اللورد كيلرن من القاهرة إلى منصب آخر (في جنوب أفريقيا)! على أنه حين ضرب الملك »فاروق« بسلاح الحرس الحديدي »أمين عثمان« (باشا) مضرجا بدمه (أمام العمارة رقم 8 بشارع عدلي وسط القاهرة) فإن السر لم يعد خافيا على رجلين من أقرب الناس إلىه. أولهما: رئيس ديوانه (ورائده أيام الصبا وزوج أمه وقت الشباب) »أحمد محمد حسنين« (باشا) وكان »حسنين« على علم بوجود الحرس الحديدي بالطبع لأنه كان في إطار خطته الأساسية للانتقام من 4 فبراير 1942 (على طريقة »الكونت دي مونت كريستو« حسب تعبير الملك فاروق). ومع أن »حسنين« (باشا) شعر أن دخول الدكتور »يوسف رشاد« إلى الدائرة القريبة من الملك، نقطة تحول لا بد من متابعتها باهتمام، إلا أن رئيس الديوان لم يتوقع أن »تتدحرج« المسائل بهذه السرعة. وقد أدرك »حسنين« (باشا) حتى قبل أن يتحقق من الوقائع، وبمجرد علمه باغتيال »أمين عثمان« أن أصابع الملك »فاروق« كانت هي التي ضغطت على الزناد. وتوقع أن يعرف الإنجليز، وتوقع أنه سوف تترتب على ما جرى مضاعفات، على أن »حسنين« (باشا) لم يعش ليرى هذه المضاعفات. وأما الرجل الثاني الذي عرف فهو رئيس الوزراء »محمود فهمي النقراشي« (باشا)، وقد تأخرت معرفته أياما حتى أحس أن تصرفات البوليس والنيابة العامة في قضية مقتل »أمين عثمان« (باشا) تتعرض لضغوط محسوسة، كما أن الإعلام الموالي للقصر (وفي طليعته صحف أخبار اليوم) راح يحول القضية إلى نوع من »أفلام رعاة البقر« (حسب تعبير نسبه »حسن يوسف« (باشا) إلى »النقراشي (باشا)). ولم يكن رئيس وزراء الملك معجبا بأمين عثمان، بل إنه يكرهه، لكن ذلك »المدرس القديم« الذي تعود أن يعاقب تلاميذه في الفصل كان يضربهم بمسطرة، لكنه لا يضربهم بمسدس. وكان »النقراشي« حائرا في ما ينبغي أن يكون علىه موقفه، فهو يتصور أمامه مهام وطنية: فيها أن مؤتمر »سان فرانسيسكو« يواصل أعماله لوضع ميثاق الأمم المتحدة، والوفد المصري هناك تحت الرئاسة الفعلىة لعبد الحميد بدوي (باشا) يشارك بجهد مؤثر في صياغة الميثاق، خصوصا في ما يتعلق بالضمانات التي يمكن كفالتها للدول الصغرى. وفيها أن هناك استعدادا للتمهيد لمفاوضات مع الإنجليز تستهدف تعديل معاهدة سنة 1936 على نحو أقرب إلى تحقيق ما أصبح يطلق علىه »الأماني الوطنية«. على أن الملك »فاروق« أعفى رئيس وزرائه من التردد، لأن الكاردينال الملكي أقنعه بأنه لا يستطيع أن يتحمل مشكلتين في نفس الوقت مع الإنجليز: مشكلة »أمين عثمان« (باشا) كما سماها (دون أن يصرح بما هو أكثر). ثم تشدد »النقراشي« الذي يوشك على إغضاب الإنجليز (بما يجعل أزمة اغتيال »أمين عثمان« مضاعفة). والحل في رأيه: أن يخرج »النقراشي« لتغطية اغتيال »أمين عثمان« وأن تجيء وزارة جديدة كان مرشحه لها هو »إسماعيل صدقي« (باشا). وفي الوقت الذي كلف فيه »صدقي« (باشا) بتشكيل الوزارة، وشكلها فعلا يوم 17 فبراير 1949 ذهب »النقراشي« إلى بيته مقهورا ممرورا، ولم يمض يومان، حتى كان ذلك الكاردينال الملكي »أحمد محمد حسنين« (باشا) يلقى مصرعه (19 فبراير 1946) عندما اصطدمت سيارته مع ناقلة جنود بريطانيين فوق كوبري قصر النيل. وكان تأثير غياب »أحمد حسنين« (باشا) هائلا على الملك »فاروق«. وعلى نحو ما فإن هذا الغياب حرر ملك مصر من عقد غائرة في الأعماق، ومن قيود تحد انطلاقه، فهو بعد »حسنين« بغير »رائد« يرى له الناس تأثيرا علىه وبغير »زوج أم« خان والده واحتمى بالملكة »نازلي« وبغير رئيس ديوان يحتل موقعا قويا في البلاط يشير منه ويوجه في الأزمات، بما يجعل الملك نفسه يتردد أحيانا ويعيد النظر في عوارض خطرت على باله أو سمعها من خاصته الأقربين. وكان رئيس الوزراء الجديد شخصية غير عادية، فالرجل (وهو من مؤسسي حزب الوفد القدامى والخارجين علىه مبكرا) شديد الذكاء، واسع الطموح، قوي الأعصاب، قادر على المناورة وعلى القسوة، وغير مقيد بشعبية تحكم تصرفاته، خصوصا إزاء الرأي العام الذي اعتبره »صدى صوت رعاع«! ومع ذلك فقد كانت لصدقي (باشا) نقاط ضعف خطرة: فمعرفة الرجل بشؤون الاقتصاد، شابها اهتمام زائد بشؤون المال. ثم إن الرجل كانت له عين تلمح الجمال وتتعقبه، والمشكلة أن معظمه كان جمالا يهوديا، وذلك وضعه في دائرة علاقات اجتماعية تغطيها الظلال (وإن كان لا بد من ملاحظة أن الوثائق البريطانية والفرنسية والإسرائيلية لم يرد فيها ما يدعو أحدا إلى القطع بأن علاقة »صدقي« (باشا) مع اليهود امتدت إلى علاقة مع إسرائيل، وتلك مسألة ثارت حولها شكوك عندما وقف الرجل في مجلس الشيوخ معارضا لدخول مصر حرب فلسطين في ما بعد). ................. ................. ]وقد أتيحت لي الفرصة للقاء »صدقي« (باشا) عدة مرات، ضمنها مرة في يناير 1946، حين أجريت معه حديثا صحفيا لمجلة »آخر ساعة« تضمن نقدا شديدا لوزارة »النقراشي«. وحدث أن كانت المجلة في المطبعة فعلا أن اتصل بي »صدقي« (باشا)، طالبا تأجيل نشر حديثه رغم علمه أن الوقت تأخر لهذا الطلب. ولم أكن أعرف وقتها أن داعيه إلى هذا الإرباك الشديد لمجلة تحت الطبع، لكنه كما اتضح في ما بعد عرف أن رئاسته للوزارة احتمال قريب، ولم يشأ أن يربط نفسه بحديث صحفي أجراه مسبقا. واتصلت برئيس تحرير المجلة وهو الأستاذ »محمد التابعي«، ويبدو أنه كان أكثر اطلاعا على مجريات الأمور، لأنه أعطي موافقته على تأجيل الحديث، رغم أن تلك عطلة تؤثر على عمل المطبعة وتحمل معها تكاليف إضافية. واتصلت بصدقي (باشا) أقول له إن الحديث سوف يؤجل رغم كل الصعوبات. وبدا »صدقي« (باشا) شديد العرفان، واعدا »أنه سيعوض ما ضاع على آخر ساعة أضعافا مضاعفة«. ووفى الرجل بوعده فلم يكد يصبح رئيسا للوزراء بعد أيام، حتى اتصل مكتبه يدعوني للقاء معه، وكان اللقاء في وزارة الداخلية، وكان »صدقي« (باشا) قد احتفظ بها إلى جانب رئاسته للوزارة لكنني في يوم ذلك اللقاء مع الرجل رئيسا للوزراء، أحسست بحاجز يقوم بينه وبيني، فقد جلست أمامه وجاءه تليفون، فهمت أنه من »سليم زكي« (باشا) (حكمدار بوليس القاهرة الجديد بعد اعتزال »راسل« باشا) وأن هناك مظاهرات في شوارع القاهرة تتجمع في ميدان الخديوي إسماعيل (التحرير الآن)، ثم سمعت بأذني »صدقي« (باشا) يأمر بالسيطرة على المظاهرات حتى وإن اقتضى الأمر أن »تضربوا في المليان«. وكنت جالسا أمامه، وقد التفت إليَّ يستأنف حديثه معي من حيث تركه قبل أن يقاطعه تليفون حكمدار بوليس القاهرة![ ..................... ..................... كان الشارع المصري في حالة فوران طوال مدة رئاسة »إسماعيل صدقي« للوزارة، فطلقات الرصاص وسط العاصمة (قتلت أربعة شباب في ميدان الخديوي إسماعيل) ونبهت كل الناس، خصوصا مع اليقظة التي أحدثها الصدام بين مشروعين أطلقهما ذوبان ثلوج الحرب: المشروع القومي العربي معبرا عن نفسه في جامعة الدول العربية والمشروع الصهيوني ضاغطا بشدة لإقامة دولة يهودية في فلسطين. وبدا الشارع المصري تلك الفترة مشهدا مختلفا، ذلك أن العادة جرت أن الشارع المصري وفدي، لكنه بعد كل ما جرى من 4 فبراير 1942 إلى 8 أكتوبر 1944 فإن الوفد بدا محاصرا وصوته في الشارع خافتا، وسرى إحساس بأن هناك تغيرا طرأ على روح الحزب وفكره. والشاهد أن الحزب تلك الأيام لم يعد يخاطب المأمول والمرغوب فيه، وإنما أصبح خطابه موجها إلى ضرورات الأمر الواقع. وبهذا الغياب الوفدي عن الشارع المصري، فإن الفراغ أصبح حقيقيا وبقوانين الطبيعة تدافع كل ما كان على هامش الحياة السياسية المصرية يشق طريقه إلى القلب. هكذا زاد بشدة نشاط الإخوان المسلمين رغم أن موقفهم في تلك الظروف كان شديد الالتباس، بسبب خيارات متعارضة داخل الجماعة، دفع كل منها إلى اتجاه رغم وجود مركز سيطرة في ذلك الوقت، وهو المرشد المؤسس (»حسن البنا« بنفسه قائما على التنظيم): وكانت لحسن البنا صلات بالقصر الملكي، الذي حاول في أكثر من مناسبة أن يستخدم الإخوان لمقاومة الوفد في الشارع، وأن يجعل الجماعة احتياطيا شعبيا للمؤسسة الدينية الرسمية التي يمثلها الأزهر (وكانت تلك نظرية »علي ماهر« وبعض رجاله وأهمهم في هذه المسألة »صالح حرب (باشا) الذي رأس بعد خروجه من الوزارة جمعية الشبان المسلمين، وكانت هذه الجمعية تنظيما إسلاميا ظاهرا على عكس الإخوان الذين كان بعض نشاطهم يجري تحت الأرض في غموض). ولعل الإحساس بالغموض كان يؤكده اليقين بأن الإخوان لديهم جناح مسلح يجري إعداده وتدريبه ليوم حاجة تنشأ له. وكان ذلك حقيقيا لأن »النظام الخاص« للإخوان تحرك إلى أنواع من النشاط جرى رصدها وتسجيلها، وذلك أثار شكوكا تعددت دواعيها من »حجم« هذا النظام الخاص إلى علاقته بالمرشد العام الذي كان منكرا لوجوده على الدوام إلى نوع سلاحه إلى شروط عملياته إلى غير ذلك مما يثيره في العادة وجود تنظيم سري مسلح. ولفت النظر بشدة في تلك الأوقات أن الإخوان المسلمين كانوا يصرفون بسعة، حتى أنهم بدأوا في إصدار جريدة يومية (أشرف على إصدارها الأستاذ »عبد الحليم الغمراوي« وهو وقتها رئيس قسم الأخبار في الأهرام)، ولم تكن جريدة الإخوان المسلمين (كذلك اسمها) قادرة على تغطية نفقاتها، على أن خسائرها في ما بدا لم تكن تسبب أرقا لأحد. ومن الواضح أنه كانت هناك مصادر تمويل سخية بعضها لا يخطر على البال، ومن ذلك ما تسجله وثيقة بريطانية في تقرير من السير »والتر سمارت« المستشار الشرقي للسفارة البريطانية. وفيها يظهر الأمير »محمد علي« ولي العهد وهو يقول للمستشار الشرقي »أنه قدم مساعدات مالية للإخوان المسلمين، لأنهم في رأيه التنظيم الشعبي الذي حل محل الوفد في الشارع، وهم بذلك يقدرون على وضع بعض القيود على جموح الملك »فاروق« الذي فقد صوابه تماما، لكنه من المثير أن هناك شواهد على أن الملك »فاروق« نفسه كان يساعد الإخوان المسلمين، كما أن ملفات وزارة الداخلية في زمن »صدقي« (باشا) تشير إلى مئة ألف جنيه سلمها »صدقي« (باشا) بنفسه إلى أحد أقطاب الجماعة (وتلك دفعة واحدة وقع رصدها). وبصرف النظر عن أي التباس، فقد كان من الواضح أن الفراغ الكبير الذي أحدثه غياب الوفد، أعطى للإخوان ميدانا فسيحا خاليا، كما أنه سمح بتواجد عناصر أخرى غيرهم تستطيع أن تثير وتحرض مثل (مصر الفتاة). وكان »صدقي« (باشا) قد توصل إلى مشروع معاهدة مع الإنجليز سُميت باتفاقية »صدقي بيفن«، وتم التوصل إلىها في محادثات جرت في لندن (أكتوبر 1946) وعاد »صدقي« (باشا) يعرضها على مجلس النواب، لكن المعارضة ضدها تصاعدت، وشهدت القاهرة والإسكندرية وعواصم الدلتا والقناة والصعيد مصادمات عنيفة بين المتظاهرين والبوليس. ومرة رابعة دوى في القاهرة صوت الانفجار، ولم يكن بالضبط طلقة رصاص وإنما كان قنبلة يدوية قذف بها شاب مجهول من سطح كلية الطب في القاهرة، ووقعت وانفجرت تحت أقدام »سليم زكي« (باشا) حكمدار بوليس القاهرة الذي نُقل من حيث سقط، ولكنه فارق الحياة!. الرصاصة الخامسة: أحمد الخازندار مارس 1948 وظلت وزارة »إسماعيل صدقي« (باشا) في الحكم عشرة شهور بالضبط (من 9 فبراير إلى 8 ديسمبر 1946) لكنها عشرة شهور باهظة التكاليف على أحوال السياسة العامة في مصر وممارساتها، فرئيس الوزراء القائم على الحكم لم تكن له قاعدة شعبية لها نواة صلبة تتمدد من حولها أو حتى تتقلص وفق مجريات الحوادث وتوجهات المزاج الشعبي (مثل الوفد) ولا كان ذلك الرئيس للوزارة يمثل جماعات الصفوة الاجتماعية من أبناء كبار الملاك الزراعيين مع جمهور محدود يؤيدها أحيانا في موقف (مثل الأحرار الدستوريين أو السعديين) ولا كان يمثل قوة مقاتلة تدافع عن مبدأ (حتى وإن أوقعتها الظروف في الدائرة المفرغة لطلب الانتقام مثل الكتلة)، وإنما كان الرجل في أحسن الأحوال يمثل مجموعة تضم عددا من أصحاب المصالح المالية الكبرى معظمهم من اليهود والأجانب، كما أن نظرته إلى الشأن العام كانت متأثرة بفكر »أوتوقراطي« يعتقد أن الحاكم القوي أعرف بالمصلحة العامة من الشعب الضعيف، ولعل خروج »صدقي« (باشا) القديم من الوفد وإحساسه بالانسحاق الكامل أمام قوة »سعد زغلول« الطاغية ترك لديه نوعا من الكراهية لفكرة »الشعب«، حتى أنه كان يعتبر أن مجرد التوجه العام بخطاب للناس ضعف لا يصح لحاكم ولا يزيد عن كونه تملقا لغرائز قطيع لا يعرف لنفسه اتجاها ولا يعي صالحه! وعلى أي حال فإنه في تلك الوزارة التي رأسها »صدقي« لعشرة أشهر لم يكن له سند غير رغبة الملك أن يرى »راجل جدع« حسب تعبيره أكثر من مرة أمام »عبد الفتاح عمرو« (باشا). وعلى أي حال فإن المهمة التي عهد بها الملك إلى »صدقي« (باشا) كانت محددة: بالتوصل إلى اتفاق مع الإنجليز يرتب علاقة المستقبل معهم على أساس مقبول، يعفي الملك من تدخلهم في الشأن المصري بين وقت وآخر، وتريحه من إلحاح الناس على ما يسمونه »الأماني الوطنية«، وذلك حتى يكون لديه الوقت لتحسين أحوال المصريين ومكافحة ما كان يسمى ثلاثي »الفقر والجهل والمرض«، لكن »صدقي« (باشا) أسرف في استعمال العنف، وكانت أشد ممارساته للعنف باسم حملة »مكافحة الشيوعية«. وكان الملك »فاروق« يؤيد هذه الحملة، لكن مفهوم الملك للشيوعية والشيوعيين اتسع فأصبح »النحاس« (باشا) »بلشفيا« كذلك رأي الملك وجاهر برأيه حتى أنه ذكر للسفير البريطاني السير »رونالد كامبل« أن الأيام سوف تثبت أن »النحاس« هو زعيم البلاشفة في مصر، وأن الآخرين كلهم مثله، وضمن هؤلاء الآخرين كان رئيس وزرائه (إسماعيل صدقي) يضع النقابات المهنية والعمالية، وهيئات التدريس واتحادات الطلاب، والنتيجة أنه برغم ذكاء »صدقي« (باشا)، وبرغم قدر كبير من المعرفة والخبرة، فإن الشهور العشرة التي رأس فيها الوزارة كانت فترة قمع متجاوز، وعندما أحس أنه يفقد معركته في تمرير مشروع المعاهدة الذي توصل إلىه مع »أرنست بيفن« فإن »صدقي« (باشا) مشى يدوس على الخط الأخلاقي الذي يفصل العام عن الخاص في الممارسة السياسية. وقبل أن يخرج »صدقي« (باشا) من الوزارة بشهر واحد، اتصل صباح يوم (من الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر 1946) بحسن يوسف (باشا) (وهو وقتها القائم بأعمال رئيس الديوان)، يطلب موعدا عاجلا مع »جلالة الملك« لأمر مهم، وتحدد له الموعد نفس اليوم في الساعة الواحدة ظهرا، وبقي في مكتب الملك ما يقارب ثلاثة أرباع الساعة، ثم فوجئ »حسن يوسف« (باشا) بأن الملك يطلبه للانضمام إلىه وإلى رئيس الوزراء، وتوجه »حسن يوسف« (باشا) إلى حيث دُعي، وأشار إلىه الملك فجلس، وعلى الفور قال »فاروق« موجها كلامه إلى »صدقي« (باشا) قائلا له: »احكِ له«. وبدأ »صدقي« (باشا) يحكي »أن في حوزته الآن ما يكفي للقضاء على الوفد و....«. وكان »حسن يوسف« (باشا) كعادته يصغي في صمت، واستطرد »صدقي« (باشا) يروي »أن المباحث الخاصة« التي تسلمت أجهزة الرقابة على التليفونات (وهي المعدات التي جاء بها ووضعها في مصلحة التليفونات واستعملها الجنرال »هوليس« رئيسM.I 5 البريطانية زمن الحرب، والتي آلت إلى السلطات المصرية بعد ذلك، والتي تقوم الآن على تسجيل بعض المكالمات بطلب من »القلم السياسي« تمكنت من تسجيل حديثين، وصله تقرير كامل عنهما قدمه الآن إلى »مولانا«. وكان »حسن يوسف« ما زال يصغي في صمت، و»صدقي« (باشا) يحكي له بتوجيه من »فاروق«: هناك تسجيلان لحديثين تليفونيين: أولهما، مدته دقيقة ونصف دقيقة بين السيدة »زينب (هانم) الوكيل« قرينة »النحاس« (باشا) وبين »فؤاد سراج الدين« (باشا). والثاني، مدته ست وخمسون دقيقة بين السيدة »زكية (هانم) البدراوي« وبين شقيقها »عبد العزيز البدراوي« (بك). وواصل »صدقي« (باشا) الحكاية، فعرض »أنه يمكن ترتيب نشر بعض التفاصيل وبعض النصوص مما ورد في هذين الشريطين، وتدخل الملك »فاروق« مقاطعا بأنه »يمكن لكريم (يقصد كريم ثابت مستشاره الصحافي) أن يتصرف في الموضوع مع »الجماعة بتوعه« (يقصد الصحافيين) على أساس أن نظل نحن بعيدين، حتى الوزارة نفسها تبقى بعيدة! وكان إحساس »حسن يوسف« (باشا) بما يسمعه ثقيل الوطأة على أعصابه، وقد أمسك نفسه عن أي تعلىق مباشر ومتعجل، خصوصا وهو يعرف ما فيه الكفاية عن شخصية »فاروق« (يعاند إذا عورض!)، وتدخلت الظروف لإعطائه لحظة يستعد فيها، لأن الملك تلقى تليفونا جاءه على الجهاز الخاص الوحيد على مكتبه، وقد رد علىه باقتضاب مكررا ثلاث مرات »نعم« باللغة الفرنسية. ثم التفت إلى »حسن يوسف« الذي راح يعلق وهو يحسب حسابا لكل لفظ، فيقول » إنه يظن أن الأمر يستحق التفكير على مهل، ونستطيع أن ننام علىه يوما أو يومين، وبعدها يكون »مولانا« قد حسبها بحكمته ورأى فيها رأيه«. والتفت الملك إلى »صدقي« (باشا) وتعلىقه أن »حسن يوسف »خواف« وعلى أي حال فأنا سوف أفكر حتى »بكره«، ويمكن أن نسأل »كريم« (يقصد كريم ثابت) وأبدى »حسن يوسف« ملاحظة مؤداها أنه يتمنى على جلالة الملك أن يسأل أحدا آخر غير »كريم«، وقاطعه الملك: »وماله »كريم«. ورد »حسن يوسف«: »كريم (بك) رجل كفء« لكن الخشية أنه بالمهنة كصحافي قد يغلب جانب النشر على ما عداه، والموضوع سياسي أكثر مما هو صحافي«. وسأله الملك »نسأل مين يعني«؟، وطرح »حسن يوسف« (باشا) اسما بسرعة هو اسم »لطفي السيد« (باشا)، وكان عضوا في هيئة المفاوضات مع »صدقي« (باشا) (وكان قد ابتعد عن مسار المفاوضات ولم يشأ إحداث أزمة، رغم أنه كان وزيرا للخارجية). ولم يظهر أن الملك اقتنع، وإن عبر عن رأيه بتقاطيع وجهه، ثم قال بعد قليل »نشوف«! ومضت أيام والشارع السياسي يغلي، والمظاهرات لا تنقطع، والعنف يزيد، وأصوات الانفجار تسمع في القاهرة، واستقالت وزارة »صدقي« (باشا) بينما المحاولات لاحتواء العنف تفشل رغم مخاوف لم تساور السلطة فقط، لكنها ساورت قطاعات في المجتمع أيضا، لأن المجتمعات تصاب بالقلق عندما يعلو صخب العنف كلاما وفعلا، ثم يغيب صوت الحوار الهادئ في أزمنة تتقرر فيها مصائر. وكان القضاء المصري في تلك الظروف ملاذا، وفجأة صباح ذات يوم (من مارس 1948)، دوى الرصاص في القاهرة مرة أخرى، وسقط المستشار »أحمد الخازندار« رئيس محكمة الاستئناف قتيلا، وذنبه أنه أصدر أحكاما بسجن شبان من الإخوان المسلمين تورطوا في إلقاء متفجرات على منشآت وسط القاهرة مملوكة لمصريين ولأجانب. ورأي »النظام الخاص« في الجماعة أن يعاقب القضاء، وحكم بالموت فعلا على واحد من أهم رجاله في ذلك الوقت. وكان الرصاص هذه المرة متجاوزا لمجال السياسة، نافذا في قلب فكرة القانون. الرصاصة السادسة: محمود فهمي النقراشي ديسمبر 1948 في الأجواء المكفهرة التي صاحبت خروج وزارة »صدقي« (باشا)، لم يكن أمام الملك »فاروق« سوى خيارين: إما الاستمرار في »طابور« الوزارات الملكية، مع تفضيل أن تكون لها أمام الرأي العام صفة سياسية حزبية. وإما التفكير في حكومة وحدة وطنية تواجه الفوران الذي حركه موضوع »الأماني الوطنية« (في ظروف طوفان يزحف على القارات مثقلا بحمولات متناقضة) وكان معنى التفكير في وزارة وحدة وطنية أن »مشاركة الوفد« واردة (في لحظة شديدة الحساسية يظن فيها الملك أنه يستطيع الخلاص نهائيا من الوفد، فيما بعض رجاله يدعونه إلى إمعان التفكير وإعمال الروية). وتغلب الخيار الأول وعاد »محمود فهمي النقراشي« (باشا) إلى رئاسة الوزارة في ظروف مضطربة، مثقلة بمطالب عارمة في الاستقلال والحرية جاء الآن أوانها. وبعد أسبوع واحد من تشكيل الوزارة توترت العلاقة بين الملك وبين رئيس وزرائه العائد للتفاوض على اتفاق جديد مع الإنجليز على شيء مختلف عن اتفاقية »صدقي بيفن« التي سقطت، أو تعديل بعض شروطها لكي تصبح أكثر قبولا لدي الرأي العام. كان »النقراشي« (باشا) على موعد مع الملك يعرض علىه سياسته، وطالت المقابلة أكثر مما قدر المسؤولون في الديوان، ثم خرج »النقراشي« (باشا) متوجها إلى مكتب »حسن يوسف« (باشا) وهو يومها مكلف برئاسة الديوان بالنيابة، وبدا رئيس الوزراء مقطب الوجه حزين التقاطيع. واكتشف »حسن يوسف« (باشا) أن الملك فاتح رئيس وزرائه في موضوع التسجيلات التليفونية الذي عرضه علىه »صدقي« (باشا) قبل أسبوعين، ثم أبلغه أنه قرر النشر، وأن »كريم ثابت« تصرف (مع أخبار اليوم)، والشرائط بالفعل هناك الآن »عندهم«. وكان »النقراشي« قاطعا وهو يقول لحسن يوسف »إنه أبلغ جلالة الملك أنه لا يستطيع تحت أي ظرف من الظروف أن يقبل هذه »المسألة«، وأن من أشار علىه بها »لا يعرف مصلحة العرش«، وأنه ليس في وسعه غير وضع استقالته تحت تصرف »مولانا«، وأن الملك طلب منه أن يفكر في الأمر بمنطق »السياسة«! وليس بمنطق »التزمت«! ومضى »النقراشي« يقول: »إنه وعد أن يفكر، وهو لا يظن أنه سوف يغير رأيه أبدا، لأن هناك من وجهة نظره »معقول« في السياسة و»لا معقول«. وهو يرى نفسه أمام اللامعقول، ولا يستطيع هنا أن يساير مهما كان، ويأسف إذا كانت استقالته في مثل هذه الظروف تحرج الملك، ولكنه في الحقيقة لا يستطيع. وكرر »النقراشي« عدة مرات قوله: »لا يمكن... لا يمكن«. وانقطع الحديث عندما جاء أحد الأمناء يدعو رئيس الديوان بالنيابة لمقابلة »مولانا«، واستأذن رئيس الوزراء، وتوجه »حسن يوسف« (باشا) مهرولا إلى مكتب الملك ليجده غاضبا يبادره »كنت أقول لكم دائما إن »النقراشي« قِفْل ولم تصدقوني، والآن يثبت لكم أنني كنت على حق«. ثم سمع »حسن يوسف« مرة ثانية ومن وجهة نظر الملك ما جرى بينه وبين »النقراشي«، ولم يكن هناك خلاف كبير بين الروايتين، ولكنه اختلاف وجهات النظر. وفي النهاية كان تعلىق »حسن يوسف« (باشا) رجاءه إلى »مولانا« »أن يعطي رئيس الوزراء العائد فرصة لأنه يرتب لمفاوضات مع الإنجليز، وهو كما عرض على »مولانا« على استعداد لأن يذهب بقضية مصر إلى الأمم المتحدة. ورد الملك بقوله »نشوف«. .................. .................. ]وبعد خمس سنوات وفي ظروف مختلفة عاد الشريطان إلى الظهور وفي ظروف ملتبسة يجيء دورها في ما بعد.[ .................. .................. ومضى »النقراشي« (باشا) يفاوض الإنجليز على الجلاء مع ترتيبات للأمن تضمن لهم وجودا فاعلا في قاعدة قناة السويس، ضمن نظام دفاع إقليمي لكن الأمور تعثرت لأن مدة الجلاء ظلت موضوع خلاف، وكذلك كانت مسألة شكل وحجم الوجود البريطاني الذي يبقى في القاعدة للدفاع عن قناة السويس. وزادت حِدة المشاعر الوطنية إلى درجة الحُمى، لأن »القضية الوطنية« أصبحت الوعاء الذي احتوى كل مطالب الشعب المصري، السياسي منها والاجتماعي، وبدا أن الحركة الشعبية تأخذ منحى ظاهرا إلى اليسار، وكانت تلك هي الفترة التي ظهر فيها جناح تقدمي في الوفد نفسه يناهض استيلاء اليمين على فكر وقلب الحزب، وكانت طلائع هذا اليسار الوفدي شبابا من أمثال الدكتور »عزيز فهمي« (نجل قطب الوفد الكبير »عبد السلام فهمي جمعة« (باشا) والدكتور »محمد مندور« (أستاذ الجامعة والناقد الأدبي المرموق)، والتف حول الاثنين جمع من الشباب استفزه أن قلب الوفد وفكره في حاجة إلى »مخلِّص« ينقذ الاثنين ويعود بالحزب إلى ممارسة دوره التاريخي في قيادة الحركة الوطنية في أجواء عالمية مفعمة بضرورات التغيير. وفي تلك الأجواء المتقلبة كانت الحركة الشيوعية المصرية تحاول التقاط الأنفاس والعودة إلى الساحة بعد أن خفت عنها أثقال الضربات الموجعة التي وجهها إلىها »إسماعيل صدقي« (باشا) طوال الشهور العشرة التي رأس فيها الوزارة. وكانت الحركة الشيوعية تلك الأيام تعيش مخاضا عسيرا، لأن قضية فلسطين التي طرحت نفسها بشدة أوجدت حالة من الانفصام الحاد بين القيادات الثلاث لتلك الحركة. وكان مصدر التناقض أن هذه التنظيمات الثلاثة كان على رأسها قيادات من اليهود، بينما كان الصف الثاني من الوطنيين المصريين المنتمين إلى الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة. ونقطة التمزق أن القيادات اليهودية على رأس الحركات الشيوعية المصرية لم تر في قضية فلسطين إلا رأسمالية عربية متعاونة مع الرأسمالية العالمية التي هي في حالة عداء مع الطبقة العاملة العربية واليهودية معا، وبالتالي فإن فلسطين صراع بين الرأسمالية والطبقة العاملة: عربية ويهودية، أي أن هذا النزاع المتفجر في فلسطين جزء من صراع أممي وليس مقدمة لصراع قومي. وبدت الأفكار مختلطة ومرتبكة. على أن الاتجاه العام إلى اليسار جعل السير »والتر سمارت« المستشار الشرقي للسفارة البريطانية يكتب في تقرير إلى لندن (2314) قائلا: »من قبل بداية المفاوضات فإن عملية التهييج »الشيوعي« ضد بريطانيا ظلت ولا تزال حملات متواصلة تلقى تأييد جماعات وطنية عديدة. وقد زاد هذا التهييج وتكثف في الفترة الأخيرة، إذ إن المصريين يظنون أنهم عندما يذهبون بقضيتهم ضدنا إلى الأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن أن الاتحاد السوفياتي هناك سوف يناصر قضيتهم، وذلك يأخذهم إلى انجراف عام نحو اليسار يظهر جليا حتى في صفوف حزب الوفد«. لكن الذهاب بالقضية المصرية إلى الأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن استولى على أعصاب الجميع وإن كان قد أخذ صورة ذهاب إلى المحكمة (تنظر بالقانون وتحكم بالعدل. وكان ذلك اجتهاد »عبد الحميد بدوي« (باشا) وقد ظل إلى زمن طويل يحكم تصورات مصر وربما كل الدول العربية في شأن قضاياها الوطنية والقومية). في هذا كله كان الملك »فاروق« يشعر أن التيار الجارف يجر البلاد إلى حافة خطرة، ولم يكن متأكدا من قدرة »النقراشي« (باشا) على منع الانحدار. وفي نفس الوقت لم يكن قادرا على التفكير في بديل، فأي بديل قد يصبح الآن خطوة تمهد لعودة الوفد. وخطر للملك »فاروق« وربما بسبب تأثير بعض العسكريين البريطانيين من أصدقائه، أنه يستطيع أن يتولى بنفسه عملية التفاوض مع الإنجليز، لأن »النقراشي« تنقصه المرونة الكافية للوصول إلى اتفاق معقول. ويسجل السفير البريطاني السير »رونالد كامبل« في برقية له إلى لندن (47/27/240)، أن مصدرا مقربا من القصر (»كريم ثابت« (باشا) وهو المستشار الصحافي لفاروق)، سأل السير »والتر سمارت« (وهو في نفس الوقت زوج ابنة خاله إيمي فارس نمر) سؤالا محددا: »هل الحكومة البريطانية على استعداد لإعطاء تنازل واضح للملك »فاروق« يمكنه من الأمر بتوقيع اتفاق معهم وبطريقة حاسمة وقاطعة«؟ وبقية السؤال: »أن الملك يعتقد أنه إذا استطاعت الحكومة البريطانية أن تتفق على أن يتم جلاء القوات البريطانية عن مصر في ظرف سنة واحدة فإنه قادر على ضمان الباقي كله، وضمنه أي ترتيبات في شأن قاعدة قناة السويس. وظن الملك أن فكرة »الجلاء في ظرف سنة« بعد احتلال سبعين سنة صيغة سحرية كفيلة بأن تجعل الرأي العام يوافق الملك على أي اتفاق بشأن قاعدة قناة السويس«. والإضافة بعد ذلك: »إذا كانت الحكومة البريطانية على استعداد للموافقة، فإن الملك يستطيع أن يتصرف وأن يعفي »النقراشي« من الوزارة، ويجيء بوزارة تنحصر مهمتها في مجرد التوقيع«! على أن الملك اشترط أن يظل ذلك العرض سرا، سواء وافقت الحكومة البريطانية علىه أو اعتذرت! ولم تقتنع الحكومة البريطانية، ورأيها أن مدة السنة التي يطلبها »فاروق« »كصيغة سحرية« ليست كافية، كما أنه من المشكوك فيه أن الملك قادر على توفير مطالب بريطانيا وتأكيد الضمانات المطلوبة لقاعدة في قناة السويس. ثم إن التفاوض مع الملك مشكلة صعبة، خصوصا إذا كان من الضروري أن تبقى سرا، وفي كل الأحوال فإن الملك لا يستطيع أن يضمن موافقة شعبية على مشروع اتفاق مع بريطانيا، والنتيجة مشاكل جديدة تضاف إلى مشاكل سبقتها. ومع تعثر المفاوضات مع »النقراشي« (باشا) وحكومته، والتردد في التفاوض مع القصر الملكي وسيده بدا ظاهرا أن الخلاف بين مصر وبريطانيا في طريقه إلى الأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن، وأن »النقراشي« (باشا) لا يجد أمامه خيارا آخر، ثم إن هناك ضغطا هائلا يتمثل في نوع من الجبهة الوطنية يضم كل قوى الشعب المصري، لكن المأزق في العواطف المتأججة هو أن الأمم المتحدة ليست محكمة قانون، وحتى إذا كانت كذلك فإن القانون عاجز إذا لم تكن هناك قوة تكفل احترامه، ثم إن القوة معطلة إذا لم تكن هناك إرادة لها كرامة الشرعية. وانهمك »محمود فهمي النقراشي« (باشا) ومعه مجموعة من أفضل العقول القانونية المصرية في مهمة ترتيب أوراق الدعوى المصرية أمام مجلس الأمن، وكان القانوني المتميز »عدلي أندراوس« هو المكلف بصياغة عريضة الدعوى الأساسية، لكنه وراء الأوراق والملفات والدراسات، كانت الصورة الحقيقية موجعة: من البداية فإن الملك »فاروق« راح يبعث الرسائل واحدة بعد الأخرى إلى السفارة بأن ذهاب رئيس وزرائه بالقضية المصرية لعرضها على مجلس الأمن »ليس عملا عدائيا«، وطبقا لبرقية من السفارة (2663/ 59322) قام »حسن يوسف« (باشا) بإبلاغ الوزير المفوض في السفارة »جيمس بوكر« بأن صاحب الجلالة يريد أن تذهب مصر وبريطانيا إلى مجلس الأمن صديقين، ثم تعودان من هناك صديقين، وإنه بمناسبة الصداقة، فقد يكون ممكنا عندما يذهب الوفد المصري إلى نيويورك لعرض القضية المصرية على مجلس الأمن أن يظهر للطرفين صديق ثالث يتوسط بينهما. وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية »عبد الرحمن عزام« (باشا) وهو مقرب من القصر الملكي المصري، وفي نفس الوقت من القصر الملكي السعودي موجودا وقتها في نيويورك، يحضر بقية الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة قبل بدء عطلتها الصيفية، وعندما بدا أن »القضية المصرية« في طريقها إلى نيويورك، فإن »عزام« (باشا) مدد إقامته. وفي لقاء أجراه »عزام« (باشا) مع المندوب البريطاني المناوب لدى الأمم المتحدة السير »هارولد بيلي« (وقد أصبح في ما بعد سفيرا لبريطانيا في مصر مرتين)، طرح »عزام« (باشا) ونقل عنه السير »هارولد« (1528 / 62972) قوله: إنه لابد من وقف التدهور في العلاقات بين مصر وبريطانيا. إنه قد لا يكون هناك مفر من طرح قضية مصر أمام الأمم المتحدة ولو لمجرد تهدئة مشاعر مصرية مستثارة، مع أنه يعلم أن هناك محاولات للتأثير على »النقراشي«. بعد العرض على مجلس الأمن ففي الإمكان صدور بيان عن المجلس بتكليف صديقين لمصر ولبريطانيا (المملكة العربية السعودية عن مصر والولايات المتحدة الأميركية عن بريطانيا) وذلك للعمل على إيجاد نقط التقاء بين الطرفين. إنه إذا لم يتيسر إصدار قرار بالدعوة إلى وساطة، فالبديل الممكن أن يصدر عن المجلس قرار يدعو مصر وبريطانيا للعودة إلى التفاوض وإخطار مجلس الأمن بما يتوصلان إلىه. أنه طبقا لرسالة من الشيخ »يوسف ياسين« مستشار الملك »عبد العزيز آل سعود«، فإن الأمير »فيصل« وزير الخارجية السعودية يقوم الآن بجهد لجس نبض الحكومة السورية لمعرفة ما إذا كانت مستعدة بالتعاون مع المملكة (العربية السعودية) للقيام بوساطة بين مصر وبريطانيا تحول دون وقوع صدام بين الطرفين في مجلس الأمن يعقد القضايا العربية ولا يفيدها. أن الملك »فاروق« استدعى »واصف غالي« (باشا) وهو وزير خارجية وفدي سابق، ورجل يملك خبرة دولية لها قيمتها ليسأله عن احتمالات عرض القضية المصرية على مجلس الأمن، وكان رأي »واصف غالي« أن عملية الذهاب بالأماني المصرية إلى مجلس الأمن سوف يكون فشلا محققا "flop. واقتنع الملك »فاروق« بما سمعه من »واصف غالي« (باشا) إلى درجة أنه أخبر به »النقراشي« (باشا) ولم يقتنع رئيس الوزراء، لكن »أعصابه تعبت« لأنه أحس بضعف ثقة الملك في سياسته. وكان موقف حزب الوفد في تلك الظروف لافتا للنظر، ففي برقية من السفارة البريطانية (2805 / 59322) بتاريخ 15 يونيو 1947 يرد بند يقول فيه السفير البريطاني في مصر السير »رونالد كامبل« ما نصه: »لا يخالجني شك في أن الوفد المصري سوف يبعث برسالة إلى مجلس الأمن مؤداها أن الحكومة المصرية الحالية لا تمثل الأمة المصرية، وأن الأمة المصرية لا تتحمل مسؤولية أي شيء يقوم به الوفد الممثل لهذه الحكومة في مجلس الأمن«. وبعد أكثر من شهر (أي 20 يوليو 1947) كان »مصطفي النحاس« (باشا) يبعث رسالة باسم الوفد المصري إلى رئيس مجلس الأمن يقول فيها: »إن حكومة »محمود فهمي النقراشي« (باشا) لا تمثل الشعب المصري. وأن الدعوى التي يتقدم بها إلى المجلس قاصرة في تعبيرها عن المطالب المصرية. وأن حزب الوفد المصري قرر إرسال ممثلين عنه إلى نيويورك ليتحدثوا هناك باسم »مصر الحقيقية«. وأُعلن في القاهرة أن وفدا يمثل »النحاس« (باشا) شخصيا، تقدم إلى السفارة الأميركية في القاهرة يطلب تأشيرة دخول تتيح له التواجد في نيويورك، وكان هذا الوفد برئاسة »فؤاد سراج الدين« (باشا) ومعه نقيب المحامين وقتها وهو وفدي معروف الأستاذ »كامل يوسف صالح«. وراح القصر على الفور ينسى موقفه الأصلي ويحاول استغلال موقف حزب الوفد بتحريض الصحف الموالية له على استنكار رسالة »النحاس« إلى رئيس مجلس الأمن باعتبارها »خنجرا في الظهر« ضد الوطنية المصرية مما يقتضي محاكمة »النحاس« (باشا) بتهمة الخيانة العظمى. وفي نفس الوقت بعث الشيخ »حسن البنا« مرشد الإخوان المسلمين برسالة إلى رئيس مجلس الأمن يستنكر فيها رسالة »النحاس« (باشا) إلىه باعتبارها خروجا عن المبادئ والحقائق. ويوضح تقرير (في محفوظات قصر عابدين) أن مكتب رئيس الديوان الملكي اتصل بحسن رفعت (باشا) وكيل وزارة الداخلية، يسأل عن موعد سفر »فؤاد سراج الدين« (باشا) ومرافقيه إلى نيويورك، وبعد إجراء التحريات اللازمة عاد »حسن رفعت« (باشا) إلى رئيس الديوان بجواب على سؤاله مؤداه: »إن التحريات أظهرت أن »النحاس« (باشا) وقرينته و»فؤاد سراج الدين« (باشا) أيضا يرتبون لقضاء شهر أغسطس في »مونت كاتيني« (شمال إيطاليا) للراحة والاستشفاء! والغريب أن »حسن رفعت« (باشا) أخطر السفارة البريطانية بنفس المعلومات مع إضافة زائدة لها معناها. وفي برقية السفارة (3140 / 62976) يكتب السفير البريطاني السير »رونالد كامبل« ما نصه: »أبلغنا »حسن رفعت« (باشا) وفي الغالب بإيحاء من القصر أن »النحاس« (باشا) مسافر إلى أوروبا وأن هناك عملاء سوفيات يحتمل أن يتصلوا به هناك، وأن هناك تيارات شيوعية قوية داخل الوفد«. ويضيف السير »رونالد كامبل« أنني لست ميالا لتصديق ذلك، لكنه نظرا إلى تنامي قوة الجناح اليساري في حزب الوفد، فقد يكون من اللازم وضع »النحاس« (باشا) تحت مراقبة دقيقة خلال رحلته إلى أوربا«. وبالفعل فإن »النحاس« (باشا) وقرينته ومعهما »فؤاد سراج الدين« (باشا) سافروا إلى »مونت كاتيني«، وكان العذر الذي قدم لتفسير ذهاب »فؤاد سراج الدين« (باشا) إلى »مونت كاتيني« بدلا من نيويورك هو أن »النقراشي« (باشا) رفض السماح لممثلي الوفد بالسفر إلى نيويورك«. وذهب »النقراشي« (باشا) إلى نيويورك وعاد منها إلى القاهرة مرة أخرى يتعثر في أزمات اشتد زحامها وزاد عنفها. فقد واجهت وزارته إضرابا (قل أن تشهده دولة في العصر الحديث) قام به البوليس المصري، وكان غريبا على المواطنين أن يروا أقسام البوليس مغلقة، والضباط المسؤولين عن الأمن ممتنعين عن العمل. وأصبح الخوف مضاعفا حين اندفعت جماعة الإخوان المسلمين في قلب هذه الفوضى لتقوم بعمليات تفجير ونسف لبعض المنشآت الأجنبية في مصر (بما فيها دور للسينما ونواد). كانت هناك أزمة داخلية لاشك فيها، والأخطر أن قضية فلسطين في تلك اللحظة بالتحديد راحت تطرح نفسها بشدة على كل شعوب الأمة العربية، خصوصا مع إعلان الحكومة البريطانية أنها سوف تسحب قواتها من فلسطين مع انتهاء مدة انتدابها علىها مساء 14 مايو 1948 وتماشيا مع قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 2 نوفمبر 1947. وارتفعت في العالم العربي أصوات تنادي بتدخل الدول العربية عسكريا لملء الفراغ في فلسطين، وإلا استغلت الوكالة اليهودية الفرصة واحتلت بقواتها المجهزة أجزاء فلسطين المقررة لليهود بمقتضى قرار التقسيم، ثم توغلت وجارت على الجزء المخصص للدولة العربية في القرار. وكان الملك »فاروق« مع التدخل (وضمن أسبابه مع التزامه العربي الواضح رغبة خفية ربما في الهرب إلى الأمام من مشاكل مصر الداخلية)، لكن رئيس الوزراء المصري »محمود فهمي النقراشي« (باشا) كان معارضا للتدخل، ومنطقه »أن الجيش غير مستعد وأنه لا يريد أن يكشف ضعفه وإلا سقطت حجته أمام العالم، فقد أعلن أمام مجلس الأمن أن الجيش المصري قادر على ملء الفراغ على قناة السويس إذا انسحبت القوات البريطانية من المنطقة. وإذا ظهر أن الجيش المصري غير قادر على مواجهة »عصابات يهودية في فلسطين« فكيف إذن نواجه العالم بادعاء أننا قادرون على الدفاع عن قناة السويس ضد قوى عالمية تطمع فيها؟«. لكن الملك حقق ما أراد واضطر رئيس وزرائه إلى تغيير موقفه (مطمئنا إلى تعهدات ملكية مضمونها أن لديه مصادر أسلحة وذخائر للجيش تكفيه لتحقيق هدفه، وكان التلميح واضحا إلى مصدر بريطاني على صلة بالملك. وفي الواقع فإن تطمين الملك »فاروق« لرئيس وزرائه لم يكن من غير أساس وذلك ما تظهره وثائق هيئة أركان الحرب الإمبراطورية من القيادة العامة للقوات البريطانية في مصر، خصوصا في الأيام ما بين 15 إلى 18 مايو 1948. وبداية فإنه كان في مقدور الحكومة البريطانية أن ترد مصر عن الدخول إلى فلسطين إذا كان ذلك مرادها. وثانيا فإن القوات المصرية مرت فوق كوبري »الفردان« على قناة السويس، إلى سيناء، ثم إلى فلسطين وتحركت في منطقة عسكرية بريطانية بغير اعتراض. وثالثا فقد حدثت واقعة غريبة مسجلة بتفاصيلها في تقرير بتاريخ 21 مايو 1948، ومؤدى الواقعة أن الطائرات المصرية أخطأت في غارة جوية شنتها على مطار عسكري وقد حسبته لإسرائيل، ثم اتضح أنه مطار بريطاني لا يزال عاملا في النقب. وتسببت الغارة المصرية في تحطيم ثلاث طائرات من طراز سبيت فاير، وفي قتل جنديين بريطانيين وإصابة أربعة، لكن الغريب في الأمر أن السلطات العسكرية البريطانية أبلغت القيادة المصرية أنها سوف تكتم نبأ الحادث عن الصحافة البريطانية حتى لا يشوش على سمعة الطيران المصري. وكل ما تطلبه لتسوية الموضوع اعتذار مكتوب للسجلات، والأغرب أن السلطات البريطانية ساعدت على صياغة الاعتذار بحيث يتبدي الخطأ مبنيا على أساس فني مقبول. وبالطبع فإن هذه الأجواء كان من شأنها تأييد تلميحات الملك بأن لديه اطمئنانا إلى ضمان، وبالتالي تشيع نوعا من التقبل لقراره بدخول الحرب على مستوى الوزارة وعلى مستوى قيادة الجيش! ثم استحكم المأزق حين ظهر أن الملك »فاروق« وقع في خديعة من نوع ما). وكذلك بدأت حرب فلسطين وتوقفت وقامت دولة إسرائيل واحتلت 78 $ من أرض فلسطين. (وتلك قصة أخرى). ووسط معارك تشتعل بهدير المدافع، وتخمد بقرارات دولية تفرض على الأطراف هدنة بعد هدنة كان النظام الخاص للأخوان المسلمين يتحرك في الداخل المصري: يحرض ويلقي القنابل ويهاجم المنشآت. وأصدر »النقراشي« (باشا) قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين. ويوم 28 ديسمبر 1948، قامت القوات الإسرائيلية باختراق الحدود المصرية، وطوقت قيادة الجيش الميداني المصري في العريش. وفي القاهرة دوت طلقات وسقط رئيس الوزراء »محمود فهمي النقراشي« (باشا) مضرجا بدمه أمام مصعد وزارة الداخلية (وكان مسؤولا عنها إلى جانب رئاسته للوزارة). وكان القاتل عضوا في التنظيم الخاص للأخوان صدر إلىه الأمر بالقتل انتقاما من »النقراشي« على أساس مسؤوليته عن حل الجماعة، وقد ارتدي القاتل »عبد المجيد أحمد حسن« بذلة ضابط بوليس وانتظر رئيس الوزراء في مدخل وزارة الداخلية وأطلق النار علىه. الرصاصة السابعة: حسن البنا فبراير 1949 وتكرر المشهد مرة أخرى في مصر، فمن قبل ويوم مصرع رئيس الوزراء »أحمد ماهر«، تقرر أن يخلفه »محمود فهمي النقراشي«، ونفس الشيء تكرر عندما اغتيل »النقراشي«، ووقع الاختيار على خلفه السابق في الحزب »إبراهيم عبد الهادي« (باشا) رئيسا للوزراء. ولم يكن »إبراهيم عبد الهادي« في الحزب عندما اغتيل رئيسه يوم 28 ديسمبر 1949، وإنما كان الملك قد استعاره من »النقراشي« رئيسا للديوان، متصورا أنه بذلك يقيم جسرا مع رئيس الوزراء دون أن يضطر للتعامل معه مباشرة في أي قرار، لأن رأسه ناشفة والملك يريد بديلا له ولا تساعده الظروف، لأن أي خطوة غير محسوبة في هذا الاتجاه قد تفتح الطريق لعودة الوفد. وكانت تجربة »عبد الهادي« (باشا) في القصر محزنة، فالرجل جاء من خارج الدائرة الملكية وعومل في القصر على أنه »غريب« و»دخيل«، والمزعج أنه باعتراف »إبراهيم عبد الهادي« (باشا) نفسه أنه خلال رئاسته للديوان الملكي سنة كاملة قابل الملك »فاروق« مرتين لم تزد إحداهما عن نصف ساعة، وأما بقية المدة كلها فقد كان تعامله عن طريق »كريم ثابت«، وأحيانا عن طريق »محمد حسن« المكلف بالخدمة الخاصة لجناح »فاروق« الشخصي. وكان »حسن يوسف« (باشا) تلك الأيام شبه معتزل، فقد ضايقه في الغالب أن الملك لم يفكر في ترقيته من قائم بأعمال رئيس الديوان إلى رئيس مكلف به رسميا، وبدلا من ذلك جاء بإبراهيم عبد الهادي (باشا) لشغل المنصب، بعد أن ظل خاليا بعد مصرع »أحمد حسنين« (باشا). ودخل »إبراهيم عبد الهادي« (باشا) إلى رئاسة الوزارة ولديه مهمتان هما أساس تكليفه: المهمة الأولى إيجاد طريقة للتعامل بسرعة، وبأي وسيلة مع الاختراق الإسرائيلي للحدود المصرية وتطويق قيادة الجيش الميداني في العريش. وكان »عبد الهادي« (باشا) قد أراد الاستعانة بالإنجليز، لكنهم طرحوا علىه سؤالا بما إذا كان يطلب مساعدتهم على أساس ترتيبات الدفاع المشترك الواردة في معاهدة سنة 1936 وتوجه الملك بنفسه ووراءه »عبد الهادي« (باشا) إلى الحكومة الأميركية، وتدخل الرئيس الأميركي »هاري ترومان« بالفعل لتحقيق انسحاب يعقبه اتفاق على هدنة تمهد للسلام، وذلك جرى التمهيد له تحت رعاية الأمم المتحدة (يمثلها الدكتور »رالف بانش« وهو أميركي أسود يعمل مساعدا للسكرتير العام للأمم المتحدة) وتقرر بالفعل أن تكون هناك محادثات علنية لاتفاقية هدنة في جزيرة رودس. وأما المهمة الثانية فهي الانتقام لمقتل »النقراشي« (باشا) والأخذ بثأره، وقد أحس الشيخ »حسن البنا« أنه مُطارد ومطلوب، وحاول إصدار بيان بإدانة اغتيال »النقراشي« (باشا)، نشره فعلا بعنوان اختاره الشيخ بنفسه »ليسوا أخوانا وليسوا مسلمين«، كما أبدى استنكاره لما جرى من تحول النظام الخاص للأخوان المسلمين عن المهمة التي أنشئ من أجلها، وهي قتال الإنجليز إلى مهمة لا علاقة لها بالإنجليز وهي اغتيال رئيس الوزراء المصري. .................. .................. ]وشاءت مصادفات أن ألتقي أكثر من مرة بالأستاذ »حسن البنا« في تلك الظروف، وأن يطلعني على بيان أعده ليسلمه إلى »عبد الرحمن عمار« (بك) وكيل وزارة الداخلية لينقله إلى رئيس الوزراء. (وكان الأستاذ البنا يرغب في نشر البيان كاملا في أخبار اليوم، وفي تلك الظروف رأيت الرجل واستمعت إلىه ساعات طويلة.[ ................. ................. لكن محاولات الأستاذ »البنا« كلها لم تصل لنتيجة ويوم 12 فبراير 1949 دوى الرصاص في القاهرة مرة سابعة، وسقط الشيخ »حسن البنا« غارقا في دمه على حافة سيارة تاكسي، استوقفها أمام جمعية الشبان المسلمين حيث كان لتأخذه إلى بيته، وبدلا من ذلك فإن سيارة التاكسي هرعت به إلى قصر العيني، وهناك تبين أن الرجل لم يفارق الحياة بعد. لكن المشرف على عملية الاغتيال وهو القائمقام »محمد وصفي« (بك) قائد حرس الوزارات أمر بتعقبه و»التخليص علىه« حيث هو، تنفيذا للأوامر (الملك »فاروق« ورئيس الوزراء »إبراهيم عبد الهادي«). (وقد آثر القائمقام »محمد وصفي« أن يطلق رصاص مسدسه على رأسه وينتحر عندما عرف في ما بعد في أعقاب ثورة يوليو أن سره انكشف، وأن هناك أمرا صدر بالتحقيق معه على أساس وثائق تم ضبطها في أوراق القسم المخصوص للبوليس السياسي). ................. ................. وكان طوفان الثلوج الذائبة قد وصل إلى المنطقة مثقلا بعوالق دم من معارك الحرب العالمية الثانية. وفي مصر بدا أن هذا الطوفان الزاحف قد تحول إلى مستنقع دم تفور وسطه فتن مصرية داخلية يفرقع على سطحها دوي الرصاص!.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة