من مهنة ومورد رزق ونمط حياة، تحولت تربية دود القز وصناعة الحرير، الى معلم سياحي يختصر حقبة مهمة في تاريخ جبل لبنان، الذي اغرته في أواخر القرن الثامن عشر، تربية القز واستخرج فيالجها للحصول على خيط حرير ثمين، في حركة تحول حاسمة على المستوى الزراعي، شكلت نهضة زراعية وإنمائية، ما لبثت أن تحولت معها شجرة التوت إلى شجرة »استعمارية« ربطت المزارعين ومصائر عيالهم وأولادهم، بأسواق تجارة الحرير في مدينة ليون الفرنسية، حتى لم يعد المزارع قادراً على العودة بسهولة إلى الزراعات السابقة كالكرمة والزيتون والفاكهة. وكانت الضربة القاضية، التي تعدت المنافسة على الأسعار، ابتكار خيط الحرير الصناعي، لتتحول صناعة الحرير الطبيعي إلى صناعة على نطاق ضيق، وتكاد تقتصر على استخدامات محددة. لكن مهما يكن، تظل زراعة التوت وتربية دود القز وصناعة خيط الحرير ونسجه، ماثلة في الذاكرة، تشكل بعضاً من تراث ما زال حاضراً في ما بقي من آثار معامل، تكاد تكون معممة على معظم قرى وبلدات جبل لبنان. وفي هذا الإطار جاء أمس افتتاح »جمعية التراث والإنماء«، بالتعاون مع »اللجنة الدولية للحرير«، لمعرض »الحرير الحي من بيضة الفراشة إلى دودة القز وصولاً إلى ثوب الحرير«، في مركز الجمعية في بلدة بسوس في قضاء عاليه، حاملاً بعضاً من حلو الأيام الغابرة، ودفء الحاضر في ما استعيد من معامل، تلخص دورة الإنتاج في كافة مراحلها. بعد الافتتاح، جال الحضور من فاعليات ومواطنين في أقسام المعامل القديمة التي أعيد ترميمها وتأهيلها ووضعها مجدداً في العمل، يرافقهم أعضاء الهيئة التأسيسية للجمعية. وكانت الجولة الأولى في معرض الصور القديمة التي تحكي عن تاريخ صناعة الحرير في لبنان وسوريا، وصور العاملات على دواليب النسيج، وتفاصيل دقيقة عن معالجة شرانق الحرير، وصور قديمة للمصنع وغيره الكثير من المصانع في لبنان وسوريا والصين التي تعتبر أول دولة بدأت صناعة الحرير. وتعرف المجتمعون إلى مراحل تربية دودة القز وصولاً إلى تحولها إلى شرنقة، وطريقة عمل الآلات التي أعيد تأهيلها، وكيفية غزل خيوط الحرير الطبيعية، وكيفية إتلاف الغلاف الخارجي للشرنقة، الذي يستخدم كسماد طبيعي، فضلاً عن صبغ الحرير بالألوان عبر أوان فخارية سابقاً، وأوان من النحاس حالياً. بعدها كانت جولة على ماكينات لف خيط الحرير، ثم التعرف إلى عمل النول وصنع الأقمشة منه للملابس والستائر، والرسم على الحرير واللوحات الفنية، وكيفية الحياكة. ثم كانت جولة في حديقة المصنع التي ضمت إلى أشجار التوت أشجار الزيتون، وأشجار التوت التي أعيدت زراعتها، لربطها بإنتاج المصنع. جورج عسيلي بعد الجولة، شرح عن دورة العمل عضو الهيئة التأسيسية للجمعية جورج إدوار عسيلي، من خلال جدول مبرمج تناول الأمور التفصيلية التالية: بداية، شرح عسيلي عن شجرة التوت، وقال: بين الخروف ودودة القز قاسم مشترك هو شجرة التوت، وقد شكلت هذه العناصر الثلاثة ركائز العالم القروي حتى مطلع القرن العشرين. وفي لبنان، قضت التقاليد بأن يتزامن موسم علف الخراف مع موسم تربية دود القز لأن »الجزة«، المستعملة في عملية العلف، هي من المواد الناتجة عن تربية دود القفز وهي تشتمل على بقايا أوراق شجر التوت وفضالة الدود. وتحدث عن معرض الصور، وأشار الى ان »هذه الصور تم جمعها في عدة بلدان تربي دود القز، وبالامكان متابعة مختلف مراحل عملية التربية من خنق وحلّ الشرانق وغزل خيوط الحرير في اليابان والصين ولبنان وسوريا وفرنسا. وعرض عسيلي كذلك موضوع الحرير الحي وقال: تتم تربية دود القز في هذه الفسحة حيث يتسنى لها ان تنمو من مجرد بيضة لا يتعدى وزنها النصف مليغرام الى كائن يزن 10 آلاف مرة أكثر بعد شهر. وتعد تربية دود القز في لبنان من مهام المرأة بدءا باستلام البيوض وصولا الى قطف الشرانق ومرورا بالاطعام والمراقبة والعناية. ولهذا السبب، يقال في القرية ان المرأة التي تربي اليرقات »بتشيل حرير، بتشيل قز«. وتضمنت احدى الباحات عرضا للنول القديم »والنول في الجبل اللبناني كما يستعمله أبو حسن من بلدة بشتفين الذي ينسج على الطريقة القديمة خيوطا من الحرير من مختلف الألوان«. بعدها، حدد عسيلي أهداف الجمعية على النحو التالي: 1 إنشاء مشروع نموذجي، يسمح للمدارس والجامعات وكذلك البلديات، بالاستفادة من هذه التجربة بغية العمل معا للحفاظ على البيئة واحترامها. 2 التعاون مع السلطات المعنية، وأصحاب الكفاءة، من أجل حماية وتطوير التراث الريفي وتشجيع الناس للمحافظة على هذه القيم. 3 توعية الجميع الى الخطر الذي يهدد البيئة، والثروة الحرجية، وحثهم على إيجاد سبل لحمايتها. 4 إحياء تراثنا اللبناني وذلك عن طريق إحياء تراثنا الزراعي والنباتي والحيواني، وعن طريق المحافظة على الأبنية اللبنانية القديمة.