الكتاب: »نقرات الظباء« الكاتب: ميرال الطحاوي الناشر: دار »شرقيات« القاهرة »نقرات الظباء« هو ثالث اعمال الروائية المصرية ميرال الطحاوي، بعد »الخبّاء« و»الباذنجانة الزرقاء« وقبلها مجموعة قصصية تحت عنوان »ريم البراري المستحيلة« وكلها لاقت رواجا نقديا، وترجمت الى لغات عدة. »نقرات الظباء« الصادرة عن »شرقيات« هي رحلة الذات في النجع البعيد، ناسه وحيوانه وأرضه وعاداته وأمجاده وخيباته. هو نص لا يمنحنا اسراره منذ الوهلة الاولى، بل يستمد فاعليته مما يكتنهه من غموض وخاصية، ومن انغلاق محض شكلي هو سر استمرار النص وقوته في آن. انه سرد شحيح في مستواه البصري، وصادق في عمقه ومتعال، ومفطور على ادواته وناسه فحسب. نص لا يسمح لك دخوله كما تدخل في سائر النصوص، بل يشترط حبك وتواطؤك مع عالم البدو ولغة الصحارى اولا، ليكشف لك تاليا، قيمته الانسانية مدخلك الى فهمه، ثم الى ذلك التقارب الأخاذ بينكما. بالصور تحتفي ميرال الطحاوي في رحلتها الداخلية الذاتية، وترفقها بالكلام الذي يتمثل تلك الاغنيات البدوية والامثال المفرود لأجلها، الحيز الواسع من الكتاب والشروحات الى ما غمض منها، في عملية توكيد على اكتمال ذلك العالم البعيد، بكل عناصره، ونورد هنا بعضها كما اوردتها الكاتبة: } المال يسقَّم كل عويل وهو بين الناس دوار } الساس اللي مبناه عويل معيب وإن عليَّته ينهار } يعدي على الموج يرمش عامدا جبالا خوالي لا زول جابه من العش ولا نال فيه والي } عينك عين الصقر الحايم واحنا ناس رقاق عزايم } غلاك لا تخاف عليه مدسوس بين عيني وهدبها } القلب يا بعيد الدار يمسي معي ويبات عندك. الأمثال والأغاني الشعبية هي من وسائل التعبير في حوادث وطرائق حياتية، ترافق البدوي في غزواته وصيده وأفراحه واعتزازه بنفسه وبعض عشقه الذي لا يتعدى الغزل الرقيق والمحتشم. ذلك الشعر الخاص والمحلي هو بعض وجدان تلك الجماعة، وموظف في السرد توظيفا ذكيا ولائقا. مناخ لا تعرض »نقرات الظباء« الى يوميات وتفاصيل في حياة ذلك الجزء من العالم، ولا تراعي التصاعد الروائي في حياة ابنائه، بل هي ذلك المناخ العام الذي يفرد ظله على ذلك المشهد وذاك، والتنقل في المشاهد بحرية كاملة رغم تباعدها الزمني، من دون الاخلال بشروط الكتابة الروائية، ولا خدش هيكلية السرد المتين، المعتمد اساسا على نقل صورة بانورامية واسعة، غير ارشيفية بالكامل، قدر ما هي ضرب من الوقوف على سمات عامة لبعض اهلنا وبعض طقوسهم في ملامح عيشهم. تستطيع رواية »نقرات الظباء« اثبات ذاتها خارج التوصيف القائل بقراءة نشأة المدن والمجتمعات الحديثة. انها رواية ذات لغة مكانية مباشرة، تدعمها ذاكرة بدوية جمعية ذات بعد انتروبولوجي، تكتب فيه ميرال الطحاوي بكل الوعي المتأمل والمتوهج والعفوي. وهي تذهب في الغرابة الى الحدود الغريبة التي توغل فيها الرواية في زمنها. هند ونجدية وانشراح وسقاوة ومزنة ومهرة ونوار ثم »الشافعي السليمي« ومنازع وسواهم، اسماء لها وقعها الخاص المعبر عن ذلك المكان العميق والمترامي، حيث تتداخل »خبريات« الرواية في عملية توحيد وجهها، من تداخل الخبريات الشتى. حياة مدونات رواية »نقرات الظباء« تغالب نسيانها بالكتابة، لتنتصر الحياة لجمع من القوم كانت لهم اسباب عيشهم وأحكامهم وحكمتهم، كذلك تعاليهم على الفلاحين، ورؤيتهم الى الزواج والحب والخيل والفروسية والموت. رؤية تصف انتقال تلك القبائل من ترحالها المزمن في جغرافيتها العارية، الى نوع من الاستقرار الحضاري المتمثل في سكن البيوت المسقوفة، بل والباذخة التي تعادل القصور. الترحال وهو بدء الحكمة في حياة البدوي، تحول الى ثبات ومؤشر هلاك لحرية ذلك الجمع من الناس، وإيذانا بخواء بعض مفهومهم وبعض ارثهم وتأثيرهم. لم تكتب الطحاوي عن جغرافية محددة كليا، فأشياء ذلك العالم وأمكنته، ليست علامات وترميزات. انها جزء من العالم يحيا معها، ويسمح لنا كقراء الحياة، في امكنة الرواية المتخيلة من قبلنا، والمجهولة لدينا تماما. الوقائع التي توردها الطحاوي، ونرتاب في بعضها احيانا كمتخيلات خاصة بالكاتبة، لا تكف عن الوجود، وإن متقطعة كشيء من ماض غريب عنا. علاقة »نقرات الظباء« هو التعامل الكتابي الواضح مع »خارج« القارئ، و»داخل« الكاتبة. غير ان علاقة سهلة تنشأ بينهما، فنرى الى عري طبيعة البدوي الذي يضمر ويعلن احتقاره للفلاح، ويؤثر الموت على تزويجه احدى بناته. كذلك التباهي بسعيه الى العلم في اكثر اشكاله حداثة، والتفاته الى سكنه يؤثثه ببذخ مؤكدا تفوقه على محيطه الفلاحي. تكمل ميرال الطحاوي في »نقرات الظباء« مسعاها، كما كان دأبها في »الخباء« و»الباذنجانة الزرقاء« الى تقليص المسافة الفاصلة بين عالمها الصميمي والمغرق في خصوصيته، وبين اللغة كإبداع وانتشار وانفتاح على الآخر عبر سلاستها ومرونتها. ونحن اذ نتواصل معها، ونصل في روايتها الى لحظات كثيرة ممتعة، نبارك سلالات ذلك العالم البعيد، ونشيده، وبعض طرق عيشه.