As Safir Logo
المصدر:

25 سنة على رحيل عبد الحليم حافظ الشاب الخالد واليتيم الذي وجد في عبد الناصر ونظامه الأب البديل

المؤلف: الحجيري محمد التاريخ: 2002-04-26 رقم العدد:9184

قبل 25 سنة رحل واحد من اكثر الفنانين شعبية في التاريخ العربي الحديث عبد الحليم حافظ، وفي هذه الايام يعود النقاش والكلام حول اسلوبه الغنائي وعلاقته بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وأيضا علاقته بابناء جيله في الستينات من القرن الماضي، الكلام عن هذه الامور يأخذ مستويات متعددة الاتجاهات بين ما هو سياسي، وما هو فني بالطبع، فالعندليب الاسمر لا ينفصل عن جيل الستينات مثلما هي الستينات لا تنفصل عن اعمال الخمسينات ورموزها واساطيرها، والامر ابعد من ذلك فعبد الحليم لم يكن مجرد »مطرب« حاز شهرة في النسيج الاجتماعي العربي خلال فترة 1953 1977 بل كل من رموز الحقبة او الثورة الناصرية وخطابها الهادر من المحيط الى الخليج وذي التوجه العروبي الاشتراكي، واضافة الى ان الجمهور الاول لعبد الحليم كان من المراهقين، حدث هذا في الوقت الذي حصلت فيه الثورة الموسيقية، كان الغناء في العالم ينتقل من البلوز الحزين (موسيقى السود) الى الروك الغاضب (موسيقى التحرر). البلوز الموسيقى النائحة التي يسمعها المرء وهي تتابع بطيئة على نحو يحرك الحزن في الاعماق وتثير اللوعة، هي موسيقى الاحتجاج والتعبير عن العذابات والآلام الطويلة، لكن مع الروك صار الجسد ازاء موسيقى غضب واحتجاج تستدعي الجسد الى رقص عنيف، وهز وحركة جسمانية مجهدة. عند العرب الثورة الموسيقية تجد عنوانها في عبد الحليم حافظ. أسطورة جيله وصوت عبد الحليم لم يكن بأي حال، اجمل اصوات ابناء جيله، لكنه كان اسطورة ابناء جيله، اسطورة الشبيبة، بعدما كان الفن قبل ذلك يخص الاجيال الاقل شبابا، ولا سيما ابناء الطبقة الارستقراطية وأتى عبد الحليم مع انتشار وسائط الاتصال والايصال، والتي معها ولدت ثقافة الشبيبة في العالم كله، وبازاء هذا يلاحظ الناقد ابراهيم العريس، ان ما بدأ فنيا جماهيريا في الغرب انتهى سياسيا، حيث ادرك جيل الستينات مرحلته عام 1968، هذا العام يكاد يختصر الستينات بمجملها، فيه قامت الانتفاضة الطلابية العالمية وظهرت المقاومة الفلسطينية وتتالت احداث تشيكوسلوفاكيا، حركة عالمية انتشرت وطلابية قامت في كل مكان، كأن بين اجزائها تنسيقا ما. بينما كانت المشكلة في فنوننا الشبابية العربية انها بدأت بثورة سياسية، وانتهت الثورة الى هزيمة عام 1967 وبرز الشيخ امام كصوت احتجاجي لكن على العود، صوت يحتج ضد كل شيء، ضد عبد الحليم وأم كلثوم والحكم والسلطة وأميركا. الشيخ امام »اسطورة« يسارية، عبد الحليم اسطورة شبابية (لم لا؟!)، قال احد الاصدقاء، انه كان للغرب نصيبه ان نشأت في زمامه في عمقه فرقة البيتلز الشهيرة وقلب معايير الحياة الاجتماعية، وكان للعرب حصتهم في عبد الحليم حافظ، وكان للغرب جيمس دين واسطورته في »التمرد بلا قضية« وكان للعرب سعاد حسني التي احبها عبد الحليم، اساطير في اساطير!! ولئن كان عبد الحليم الانسان، دخل في نسيج الاسطورة، مثل الفيس بريلسي او جون لينون او جيمس دين، فان اللافت ايضا، هو ان اغنياته لا تزال حاضرة في النسيج اليومي في الحفلات والاذاعات، اغنيات لم تشخ، لم تكن مادة للذاكرة بقدر ما تكرست للحاضر للراهن وللعلاقات بين العشاق والمحبين، اغنياته مجدها انها بوح بصيحة العذاب المباشر، عذاب نفس تشكو دائما من يتمها، من تلهفها وشوقها من لوعتها المختنقة، من رغبتها الهائمة في براري الحب، كان عبد الحليم يعشق وكان ثورة في الحب ثورة في الموسيقى، ثورة مجبولة بالحسرة، يتلقفها المراهقون ويقتربون من ذواتهم، وشغفهم الجريح، وينشدون غرامهم في مجتمع اللاغرام، مراهقون يعشقون اغاني الحب، ويدركون ان ما يتخللها من نحيب من دون امل، لكنهم يسمعونها علهم يقطفون الامل، علهم يشمون رائحته، وهم يجدون في الحب ثورة، مثلما كان عبد الحليم من خلال الحب يقود ثورة على الواقع الظالم، ويحلم بالهرب والذوبان في عالم مثالي، والحب بحسب ادغار موران في ذاته اسطورة تأليه وأبطال الافلام يلتقطون اسطورة الحب ويمجدونها، وينزهونها عن مثالب الحياة اليومية. الحب في اغاني عبد الحليم وفي افلامه معادل للحلم والثورة وهو (اي المغني) غالبا ما ينتفض من اجل كرامته المجروحة ويثأر لنفسه وأهله من الطبقة الارستقراطية او الاب الظالم او الحبيبة الخادعة. اليتيم الملامح العامة لقصص افلام عبد الحليم والشخصية النمطية التي يلعبها في معظم افلامه، تظهره دائما في دور اليتيم الباحث عن الحب، اذ قلنا ان فريد الاطرش في مسيرته الفنية يرتبط بالحزن، حتى يبدو ان هذا الحزن في اغانيه (وفي غالبية افلامه) طاغيا الى حد الفجيعة، وتعود الجمهور ان يرى فريد الاطرش في دوامة الحزن والوحدة. وبازاء هذا، كان عبد الحليم يظهر دائما في دور اليتيم الباحث عن الحب، لا حب الفتاة فقط ولكن اسرتها ايضا، وبالتحديد ابيها والزواج المكلل برضا الاب هو النهاية السعيدة الوحيدة التي يطمح لها. وفي كثير من افلامه عبد الحليم يتيم يبحث عن ابيه الحقيقي، او عن اب بديل يتبناه. يقال إن ثورة يوليو وزعيمها عبد الناصر كانت اقرب شيء الى تحقق هذا الحلم بتجاوز حالة اليتم، على ان العثور على الأب البديل كان يستدعي بالضرورة التمرد على الاب القديم ونظامه، وتجسد عملية استبدال الاب ملامح العقدة الاوديبية بحسب النقاد وهذه العقدة تقتضي »قتل« صورة الاب ثم الانصياع لها في الوقت الآخر، بدا ان علاقة عبد الحليم (المغني) بعبد الناصر (السياسي) تتسم بالحميمية، فيقال ان عبد الحليم كان يقول لعبد الناصر: »يا بابا«، ومنذ اول لقاء بينهما عام 1956 اقترب منه الزعيم الراحل، ومنحه الرقم الشخصي المباشر للاتصال به بحسب ما يذكر الشاعر محمد حمزة الذي كان يكتب الاغاني لعبد الحليم، لكن في الفترة الاخيرة نشرت مجلة »روز اليوسف« المصرية في عدد (3850) وثيقة مسجلة »بالعامية« يقول فيها عبد الحليم »الاغاني الوطنية كان لها دور كبير جدا في حياتي انا كمطرب يعني يمكن كان فيه كلمات بتتقال في الاغاني تقوم ناس تحس انها مقصودة لاشخاص محددة مع ان في الحقيقة لأ.. انا كنت بأغني لمصر فقط..! وأنا لما كنت اغني لناصر فده لأني كنت اعتبره مصر«! وأضاف في مكان آخر يعكس فيه شكل العلاقة: »المشاكل التي كانت موجودة يقصد في فترة حكم عبد الناصر ترجع لانعزاله«. »انعزال عبد الناصر، لأن فيه جماعة حوطوه وعزلوه اكثر يقصد مراكز القوى وصلاح نصر..!« والحق ان مجلة »روز اليوسف« رغم انها تحاول ايجاد فواصل ازمة بين عبد الحليم وعبد الناصر، لكنها لا تصل الى نتيجة، فالوثيقة المسجلة تؤكد العلاقة الحذرية بين الاثنين، وهل من دليل اكثر من قول عبد الحليم بأنه يعتبر »عبد الناصر مصر«. من جانب آخر مجدي العمروسي في كتابه »اعز الناس« في مقدمة كلامه تحت عنوان »اغنيات الثورة«، قال ان عبد الحليم لم يكن صديقا للثورة ذاتها، وأي حب وأي صداقة او علاقة اندفاع تجاه اي من قادة الثورة كان من اساسياته ودوافعه والمحرك له، حبه للثورة وتجاوبه مع مفهومها وأهدافها وجوهرها مع مبادئها التي ظهرت بعد ان اعتبر عبد الحليم نفسه ابنا من ابنائها، بل احد مظاهرها. ويجد العمروسي ان تطور عبد الحليم وانتشاره السريع لدى الناس وحبهم له كان شعوره بالثورة. الامر الآخر الذي تحول لغزا هو علاقة عبد الناصر بفريد الاطرش وعلاقة الاخير بمصر وعبد الحليم، فمجلة »روز اليوسف« تجد حماسة لما يقوله الاذاعي وجدي الحكيم، الذي وجد ان العلاقة بين حليم وعبد الناصر تحديدا ليست بالصورة التي رآها البعض، وان »ناصر كان مرتبطا بشكل اكبر بصوت فريد الاطرش الذي كان الاستماع لاغنياته مزاجه الشخصي ومنحه قلادة النيل، وهي ارفع وسام، ولم يمنح هذه القلادة الرفيعة لعبد الحليم نفسه«. لكن الذين عايشوا الفترة الحليمية والاطرشية يؤكدون ان الجهات الرسمية الفنية المصرية تحديدا كانت تقف الى جانب المطرب عبد الحليم، وكان فريد يشعر بالغبن، وظنه ان الحرب الشعواء معلنة عليه من كل الجوانب، وكان دائما يمتلك التفسير القاطع لأي حدث بأنه تجنّ واضح عليه وعلى فنه، ولم يكن يخفي احساسه بالاضطهاد في الاذاعة المصرية، ويبدو ان احساسه هذا كان ايضا ناتجا من كونه شامي الاصل ومن ان المصريين لا يصفقون الا لأبناء جلدتهم. هيمنة إعلامية وفي مقالة له، يبين الناقد الراحل عماد الحر ان عبد الحليم ارتبط ارتباطا وثيقا بالنظام الناصري وكان ابنه المدلل، والتعبير الفني له. كان يمتلك هيمنة ما على المستوى الاعلامي والاذاعي لا يمتلكها فريد الاطرش، خصوصا ان هذا الاخير عرف في اذهان اركان الحكم الناصري بعلاقاته القوية بعصر الملكية، وتحديدا الملك فاروق، اذ قيل ان عبد الوهاب وفريد الاطرش كانا يتنافسان على كسب ود الطبقة الارستقراطية الحاكمة في مصر. فاذا كان عبد الوهاب استطاع ان ينقلب الى عصر عبد الناصر في السرعة اللازمة، فقد بدا ان فريدا تأخر كثيرا، على ان عبد الحليم لم يكن له علاقة اصلا بالعصر الملكي بل هو ذاع صيته مع ذيوع مجد الثورة الناصرية مباشرة وتأميم قناة السويس وتقلبات المرحلة الناصرية، هكذا كان عبد الحليم الابن الشرعي للثورة والابن المدلل لقادتها، لكن فريد لم تكن له القدرة في التحول والتلون بقيت اغانيه الوطنية في دائرة العام الذي يصلح لكل زمان ومكان وليست حديثة، في المقابل كانت اغاني عبد الحليم الوطنية اكثر موضة اكثر ارتباطا بحادثة بحدث ثاقب وشعبي، لكن هذا الارتباط، هذا الشكل من الاغاني سرعان ما كان نصيبه في المتحف، لنسمّه متحف الذاكرة متحف الزمن. في يومية الحياة اللندنية (26 آذار 2002) كتب سعيد عكاشة بأنه منذ رحيل عبد الحليم دأبت اجهزة الاعلام المصرية على استدعائه، ليس للاحتفاء بفنه وما قدمه من اضافات للأغنية العربية، بقدر رغبتها في استخدامه في المعركة المستمرة بين الجيل الذي عاصر الحقبة الناصرية في شبابه والاجيال اللاحقة حول تقويم التغييرات التي جرت في مصر منذ النصف الثاني من السبعينات في القرن الماضي . ويحكم (او يستنتج) سعيد عكاشة بأن الكثر من معاصري عبد الحليم حافظ عبروا مباشرة او بشكل غير مباشر عن ان تمسكهم بهذا المطرب لا ينبع من تقديرهم لفنه بقدر حنينهم الى الزمن الذي عاش فيه، ثم يذهب عكاشة الى القول بأن عبد الحليم يستعمل لتأديب الاجيال الشابة، وكوسيلة لمسايرتها اذلالها، مفارقة ما بعدها مفارقة، ذلك انه في عدد الحياة نفسه الذي كتب فيه عكاشة، في صفحة الشباب تحديدا، كتب احمد شاهين ان في الاوساط الشبابية المصرية الآن فورانا غنائيا، وتشتتا موسيقيا، فما من صوت واحد يهيمن على اسماع الشباب، وما من اتجاه بعينه في التلحين الموسيقي يستهويهم، وينقل شاهين ان عبد الحليم يتراجع للمرة الاولى منذ 25 عاما الى المركز الثاني، وإذا كان عبد الحليم وأم كلثوم يتقاسمان في شكل دائم متواصل، قائمة الاشرطة الاكثر مبيعا في العالم العربي، الى ذلك فالفئات العمرية للمشترين في تجدد على الدوام، ولئن كان يمكن ان نقول ان ام كلثوم يزداد جمهورها لدى الاجيال الاكبر سنا، فان عبد الحليم يجتاح المخيلات الشبابية وله جمهوره العريض ولا غبار عليه، اغنياته »حلف« على الشبان، يتلقفها المستمعون ويعيشون عبرها احلامهم ومن دون ان يفرضها الجيل الستيني، ومن هنا يمكن القول ان اغاني عبد الحليم تتناسب مع الحياة اليومية وترتبط بها، والذين يحبون عبد الحليم يحبون اغانيه ولا يكترثون للزمن الذي عاش فيه، هم ايضا في حماسة لإرث عبد الحليم، للذين زادوا من سرعة الاغنية من عمرو دياب الى هاني شاكر، وميزة عبد الحليم انه كرس لونا من الغناء، فالكثيرون يقرون ان فريد الاطرش هو المطرب الحقيقي، وعبد الحليم هو المؤدي، لكن الفارق الجوهري هو انه من النادر ان نجد مغنيا جديدا يحاول ان يكون مثل فريد الاطرش لكن عبد الحليم بدا انه صاحب مدرسة، يحاولون استنساخ اغانيه، وبالتالي تقليد عبد الحليم تمجيدا له يساعد على استمراريته. عبد الحليم الارجح ان اغانيه تتجاوز النقد، وهي باتت جزءا من الحياة اليومية والغرامية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة