هم الشعراء، مرتحلون دوما، زوادتهم بعض من حكايا طفولة لم تعش طفولتها، رهنت افراحها وعلقت براءتها على جديلة نخلة إحتزها الأفعوان. فماذا سيحدثنا »مدين الموسوي« عن رحلته، وعن مكونات قصائده؟ وهل سيفضح سر ذاك الحزن المتغلغل بين السطور؟ { أية ريح تلك التي دفعتك الى التعامل مع القصيدة المثقلة بحزن العراق الموغل في خاصرة الأزل؟ وأي رماد ذاك الذي ذر في عيون الوطن؟ لم تدفعني الريح، بل أنا واحد من الذين يواجهون اندفاعاتها وتياراتها المجنونة منذ اكثر من ربع قرن، أنا وأبناء جيلي نحاول رد هذا الاعصار الأبله بمفردات ايامنا المستلبة، ولدنا من فم العاصفة ونشأنا على ظهر الأنواء حتى حرمنا من دفء الأمكنة ومن اريج الأزمنة، إذا كان قلق المتنبي من ريح تحته، فان قلقنا كأشجار الصنوبر، يتطاول في دواخلنا ويمتد في انسجتنا، يوخزنا كل هنيهة كي لا نكون جزءا من اعمارنا، »للريح والرماد« هي محاولة لرسم ملامح الكارثة، تلك التي تنحتها الريح وتغطيها اوجه الرماد، هي محاولة لفضح المؤسسة الحاكمة والمعارضة المحكومة، بصوت شعري اردته مشتعلا، يخرج من الركام ليعيد تسطير الحلم وربما مراكمته ليحفظ طهره ونقاء ترانيمه، من خلل الريح وليحفر له موقعا امام صلفها وفجاجتها، كما يدون مسيرة الكارثة ويتحسس بصمات الكابوس المنفلش على حدائق اجفاننا والمسترخي بقبح على طول الحبل السري لأوجاع حياتنا المتوالد بعبث مجنون. { أنت من جيل الحداثة كما هو مفترض انطلاقا من حسابات عمرية ومع ذلك فأنت تنحو كما هو واضح في قصائد ديوانك الى اكمال خط الجواهري بدخول التحدي الشعري »بسلاح« القصيدة العمودية، ايأتي ذلك من رؤية فنية صافية لمكون ودور القصيدة لديك؟ ام هو نابع من اسباب ليست شعرية بالضرورة؟ دور القصيدة في نظري هو توثيق اللحظة ووشمها على مساحة الزمن كله، القصيدة هي فعل وجداني، عاطفي، روحي، ليست خربشة على جدران مهملة، ولا نزوة طارئة لمتفرغين او عابثين، القصيدة هي الاشتعال الكوني للحظة وعندما تكتب القصيدة عليك ان تعلم ان الزمن شريك فعلي في الكتابة، لذا لا اعتقد بمفهوم الأجيال الشعرية، ولا اثق كثيرا بمصطلحات التقليد والمعاصرة، الكلاسيكي والحديث، فمنذ مئات السنين كان ابو العلاء المعري يقول: وأني وأن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل نرجسية الشاعر اكبر من مرحلته الزمنية، كما ان الكثير من النصوص الجاهلية حملت معاني مولدة او مستحدثة لم يدركها النص العباسي ذاته حتى في عصوره الذهبية، بقي الى الآن عصيا على مكابدات الشعراء المعاصرين، ان في تركيب الصورة الشعرية او على مستوى اللغة، ولعله يحمل من الحداثة ما يتجاوز بعض النصوص المفتعلة التي اعقبته بمئات السنين، ثمة شيء في القصيدة العمودية يجعلها محكا اساسيا لشاعرية الشاعر كما اعتقد، كثير من الكبار الذين صنعتهم الأبواق الاعلامية فرطوا امام التجربة وانكشف محتواهم فوقفوا مجردين من اية موهبة حقيقية، اعتقد ان القصيدة العمودية ما زالت في شبابها ولها عشاقها الكثر، بينما تلهث قصيدة المعميات الحديثة وراء متلقيها وقرائها وتلحق بهم الى غرف نومهم متوسلة اسماعهم، أنا اكتب قصيدة التفعيلة وأحترم بعض شعرائها الذين يحترمون نواميس الشعر، ولا أنكر ان الجواهري وعلي الشرقي وجمال الدين يرقدون في اعماقي ويتحركون بعنف احيانا حينما ترتعش اوتار القصيدة في دواخلي. { لكن ما علاقة الثقة واللا ثقة هنا؟ اليس واقعا ان هناك مدرستين في الشعر بدأتا بالافتراق منذ ما يقرب من نصف قرن،؟ ثم اليس من حق اي جيل ان يبتكر اساليبه ولغته الشعرية الخاصة به وأن تتطور ذائقته تبعا لذلك؟ لست في موقع التبرع او استلاب الطرق التي تبتكر القصيدة او تخترع مفرداتها وإيقاعاتها، بقدر التسليم بهذه القوالب، وتوزيع النص الشعري على الألقاب والقبائل والأنساب الشعرية، أنا لا اثق بتبويب الشعر وتعيين زمن ولادته ومكانها، صحيح ان هناك مفردات سقطت من الذاكرة، وهناك صور شعرية دخلت مكائن التكثيف والتكيف، لكن القصيدة لا تخضع لحسابات آلية فهي إما أن تنتمي الى الشعر وتحمل هويته بإمتياز او لا تكون، فكما ان تراثنا العربي يزخر بأطنان القصائد التي لم تجد لها مكانا على صفحة بيضاء كذا عصرنا ينوء بآلاف القصائد التي تتحول الى باعة السندويش. { اذا وضعنا النرجسية جانبا، كيف تقيم تجربتك الشعرية نسبة الى ابناء جيلك؟ وأين تضع نفسك على خارطة الشعر العراقي المعاصر؟ هذا امر اتركه للآخرين، مع اني افتح عيني حين افتحها، فلا ارى حركة نقدية او نقادا ينبشون النص الشعري ويكشفون مخبوءه ثم يحاكمون تجربة الشاعر طبقا لذلك، لذا فأنا اقبل بنصف ناقد منصف لا يحمل ثأرا قديما او ينطلق من دوافع غير نقدية، لأن ما يؤسف له ان يصبح المبدع عرضة للمناقصة، ونتاجه يوضع على المشرحات المتربة، وإذا اريد استدعاؤه من زوايا الاهمال فلكي يوضع امام تلك المباضع المسماة نقدا. الآن خارطة الشعر العراقي مترامية الاطراف، واسعة سعة المنافي التي لجأوا اليها، كما انهم داخل الوطن في عنق الزجاجة السوداء، وترد الى مجلة القصب احيانا نصوص شعرية مذهلة، أنا ارابط على تخوم هذه الخارطة، بين الوطن المقموع والمنفى الممنوع، لكني اقف في منطقة مهتزة ولا استطيع ان احدد بالضبط احداثيات وجودي على تلك الخارطة لذا فالإجابة عالقة في اذهان اخرى اترك لها القول. { كيف لك ان تقيم النقاد وأنصاف النقاد والمنصف واللا منصف؟ هل يكون لذلك علاقة بمقدار اقترابه او ابتعاده من نصك مدحا او تقريضا؟ اتريد ان تملي على الناقد ادواته وأسلوبه؟ الا يعبر هذا عن سوداوية مفرطة او حساسية اعتراضية استباقا لأي نقد قد يطال نصك؟ أنا اقول ان غياب الحركة النقدية الفاعلة وإنقراض رجالها او خروجها احيانا على استيحاء، جعلنا نقبل بأشباه النقاد او انصافهم، وهذا لا يعني هجوما استباقيا، ذلك لأني اتمنى الوقوف امام مرآة النقد عاريا من دون اردية فضفاضة تلقيها اضواء ملونة، ولست سوداويا بمقدار ما احمل من اسى وشفقة على عصرنا الثقافي البائس الذي بدأ يتحلل فيه كل شيء وكأنه مصاب بفيروس الايبولا. { الشعر والعراق صنوان، موقعا رياديا ودورا بارزا في مجمل الإبداع الشعري عند العرب، هكذا بدا الأمر دائما، فهل ما زال للشعر العراقي دوره الريادي برأيك، ام تراجع تحت ضغط الظروف مفسحا المجال امام ريادات اخرى؟ اعتقد ان المكون الشعري عند العراقي هو اشبه بدجلة والفرات اللذين يرويان ارض السواد، تلك ارض تتنفس شعرا وتزفر شعرا، وستبقى هي ارض السواد مهما القي عليها من اليورانيوم المستنفذ، وسيبقى لها صخب دجلة وزهو الفرات يمدانها بالحياة حتى لو بعث اتاتورك ثانية ليبني عليهما سدودا اضافية، خصوبة تلك الارض وحيوية شرايينها هي من يمد قوافي العراقيين، وتظل تنظم معهم خصوبة الشعر، ولا تبدل في ذلك، فأهل مكة ادرى بشعابها ونحن ادرى بالشعر، وأنا أتلمس ولادة جيل شعري في العراق سينسي من قبله ويتعب من بعده. { الذات الشاعرة في تماهيها مع القصيدة هل من وصف ما لعلاقتهما معا؟ ومن هو الشاعر اذا، إن في لحظات التجلي حين تتلبسه القصيدة او تمخر عباب نفسه ام في مسار تعامله الانساني وعموم سلوكياته؟ القصيدة هي ذات الشاعر، يسيلها ويدون حروفها على بياض الورق، ولا يشمل ذلك شعراء الكدية والنفاق السياسي ومناسبات الموتى، بل يخص الشاعر الذي يحمل قصيدته الى جانب خشبته ليبحث عمن يصلبه عليها، قد يأتي الصلب بيد حاكم جائر، او ربما حسناء توقعه في شرك الإغواء، المهم أن العملية الابداعية هي بالمحصلة مخاض ولادة، وهذه الولادة عندما تكون من حمل شرعي فهي اقدس وأجمل، لكن ان كانت عن سفاح او وطأ شبهة، فأنها تكون مقززة منفرة. { هذا سؤال لا علاقة مباشرة له بك إنما يرد في سياق عام، لماذا تنفتح الساحة الشعرية العراقية امام الشعراء الآخرين من اقطار عربية، فيما ينغلق المجال في الغالب امام الشاعر العراقي في الساحات العربية؟ ولماذا يتجاهل بعض الاعلام العربي دور الشاعر العراقي خاصة إذا كان معارضا؟ هذه الحالة ليست جديدة ولا طارئة، فهي اشكالية تكاد ان تكون مزمنة، ذلك متأت من سياسة ثابتة ينتهجها الحاكم العراقي الممسك بزمام السلطة، فالسلطات العراقية عادة ما تحتمي بالمثقف والمبدع والمفكر العربي من نظيره العراقي، ذلك لأنها تعرف نفسها جيدا، وتعرف ان ممارساتها الغبية وانحطاط اساليبها لن تكون خافية ولن تمر على وعي المثقف والمبدع العراقي الذي يخوض مواجهته معها من خلال ما ينتجه فنا وفكرا وأدبا، لذا فهي اي السلطة على صدام عنيف ودائم مع المثقفين العراقيين، فيما تستدرج المبدع العربي الى غرف نومها وكواليسها وفنادقها الراقية لتظهر له بكل مفاتنها الشعاراتية من قومية واشتراكية وتقدمية ومثلها من اليافطات المستهلكة ثم تدس في جيبه من الاكراميات المجزية ليخرج بعدها مبهورا بها ومتغنيا بأمجادها وبالتالي مصطفا الى جانبها في مواجهة اخيه ومثيله العراقي الذي سوف يرمى بتهم العمالة والخيانة وما شابه من »ابتكارات« تجيدها تلك السلطة وذاك الحكم، هذا الإبتذال الذي تمارسه حكومتنا الوطنية جدا هو الذي ضخم العقدة بين العراقي والآخر العربي في حقول الابداع من فن وثقافة وأدب، اضف الى ذلك، اشكالية العراقي ذاته في موضوع تسويق نفسه لدى الآخرين، كما لم تساهم بتسويقه مؤسسة او جمعية او رابطة ذات اعتبار وحضور فاعلين في الساحات الثقافية العربية، اكلتنا السياسة وتقاسمنا السياسيون البدائيون لذا بقي كل يغني على ليلاه. { وماذا عن الاتحاد العام للكتاب والصحفيين العراقيين المعارض، الذي تشغل نائبا لأمانته العامة؟ كيف تقيم تجربته؟ وأين وصلت تلك التجربة وماذا حققت للكاتب العراقي؟ أنت تعرف ان الاتحاد كان ثمرة جهود مجموعة من الكتاب والاعلاميين العراقيين، تتنوع مشاربهم وأهواؤهم بل وحتى اديانهم ومذاهبهم وقومياتهم، ولدت هذه الثمرة على ارض عراقية هي كردستان، واستجاب لها عدد كبير من مثقفي العراق في المنفى، عقدت اللجنة التحضيرية مؤتمرها الاول في عمان الاردن وانتخب فيه سكرتاريا الاتحاد التي ضمت اتجاهات سياسية مختلفة قومية واسلامية وشيوعية وغيرها وهذه التشكيلة تنم عن توجه حضاري بمحتوى ديمقراطي كما تمثل محاولةناجحة في لمّ الشمل السياسي ضمن البوتقة الثقافية، وقد قام الاتحاد بنشاطات متعددة، في الكثير من العواصم والبلدان، بيروت عمان لندن دمشق طهران الدنمارك ومناطق اخرى، لكننا واجهنا عقبات مادية انعكس تأثيرها على مجمل ادائنا ونشاطاتنا، وقد حاولنا تجاوز هذه العقبة بطلب العون من الحركات والاحزاب المعارضة فلم يستجب لنا احد باستثناء حركة الوفاق الوطني التي قدمت لنا مساهمات مشكورة، كما ان كل تجربة خاصة عندما تكون على هذه الشاكلة لا بد لها ان تواجه نتوءات وعثرات هنا وهناك وهذا ما حصل فعلا، لكننا تجاوزناه، ومع اعترافي بأن هذا ليس كامل طموحنا او ما نصبو الى تحقيقه، الا انه يمكن تسجيل ملاحظة، ان هذا الاتحاد وخلال عمره القصير هو افضل ما جاءت به المحاولات في ساحتنا الثقافية، لكنني اقول ان اليد الواحدة لا تصفق والجناح المفرد لا يطير.