يوم الخميس الفائت، بدأت العروض المحلية لفيلم »يوم تدريبي«، جديد انطوان فوكوا، الذي نال دنزل واشنطن عن دوره فيه جائزة »أوسكار« أفضل ممثل. فيلم قاس عن عالم لا يقلّ قسوة وعنفا في شوارع لوس أنجلوس، التي لا تختلف كثيرا عن الشوارع الأخرى في الولايات المتحدة الأميركية، كما قدّمتها السينما الأميركية. مساء أمس الأول الثلاثاء، أقام »قسم علم الأنسجة والمختبر الطبي« في »المركز الطبي« التابع ل»الجامعة الأميركية في بيروت«، حفلة خاصة بهذا الفيلم، في الصالة الأولى في مُجمّع »كونكورد« في فردان، يعود ريعها لمساعدة مريض محتاج. إنها خطوة متواضعة، تهدف الى تفعيل موقع السينما في النشاط الاجتماعي العام. سؤال أول: لماذا فاز دنزل واشنطن بجائزة »أوسكار« أفضل ممثل في عام 2001؟ سؤال ثان: هل لأنه ممثل أسود، احتاجت إليه الولايات المتحدة الأميركية لتلميع صورتها الديمقراطية أمام العالم، بعد الحادي عشر من أيلول؟ سؤال ثالث: هل يستحقّ دنزل واشنطن مثل هذه الجائزة؟ إذا كان الجواب »نعم«، فعن أي دور في أي فيلم؟ سؤال رابع: الى أي فئة سينمائية ينتمي »يوم تدريبي«؟ لا أسعى الى فذلكة في الكتابة. أحاول أن أفهم خلفيّة قرار منح واشنطن هذه الجائزة، عن دوره في فيلم انطوان فوكوا. بات واضحا، منذ سنين طويلة، أن السياسة تلعب دورا بارزا في توجّه »أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية«، مانحة جوائز »أوسكار«. تلتزم الأكاديمية وهوليود خطط الإدارة السياسية والعسكرية. إنهما مرآتها الإعلامية التي لا يقلّ تأثيرها حدّة على ما تفعله الوسائل الإعلامية الأخرى. فالسينما أكثر الفنون شعبية. أقوى أدوات »الغزو« الثقافي الأميركي للعالم. لا يُمكن لهوليود (وبالتالي للأكاديمية) أن تناقض ما تبغيه الإدارة. إنهما متكاملان معا في سياسة هذا »الغزو«. إذا، فاز دنزل واشنطن بجائزته المنتظرة هذه، لأسباب عدة: احتاجت الولايات المتحدة الأميركية لمظهر ديمقراطي منفتح. وجدت في الممثل الأسود صورتها البيضاء. صعب عليها أن تمنح ويل سميث، مثلا، الجائزة نفسها. ربما لأنه لا يزال شابا صغير السن. دعمت موقفها بمنح هال بيري (ممثلة سوداء أيضا، وشابة في مقتبل العمر، حياتيا ومهنيا) جائزة »أوسكار« أفضل ممثلة. كرّمت سيدني بواتييه، أحد أعرق الممثلين السود في هوليود. قبل ذلك، أي إثر أحداث »الثلاثاء الأميركي الأسود«، استعانت بمحمد علي كلاي كي تُعلن للعالم أن المسلمين في مجتمعها يمارسون شعائرهم الدينية بحرية مطلقة. أن الإسلام الأميركي بخير. لا أعرف لماذا لم ينل ويل سميث الجائزة. أراه أفضل أداء في تقديمه شخصية الملاكم الأميركي المسلم والأسود محمد علي كلاي، في »علي« لمايكل مان. علما أن دنزل واشنطن بات اليوم أحد أفضل الممثلين في هوليود، وأبرزهم تألّقا وقوة حضور وجاذبية لافتة للنظر في أدائه شخصيات سينمائية مختلفة. لا أنفي استحقاقه جائزة كهذه. غير أنه في »يوم تدريبي« لم يكن في أحسن أحواله، على الرغم من جمال تمثيله في المشاهد الأخيرة. كان يُمكن أن يحظى بهذا التكريم عن أدوار سابقة بها، لعلّ أبرزها مثلا »فيلادلفيا« لجوناثان ديمي، أو »مالكوم أكس« لسبايك لي. جائزة للشرطي الفاسد خارج هذه الدائرة المغلقة من التساؤلات التي تكاد لا تنتهي، يُمكن القول (بخبث محبب) إن الجائزة ذهبت الى »الشرطي الفاسد«، أكثر من كونها تكريما لدنزل واشنطن. ذلك أن هذا الأخير أدّى، ببراعة جيدة (لا تعني أنها تؤهّله لنيل الجائزة)، شخصية ضابط في شرطة مكافحة المخدّرات في لوس انجلوس، يُدعى ألونزو، نخره الفساد، بعد سنين طويلة أمضاها في مطاردة الأشرار. في يوم واحد، نراه في سيارته المختلفة عن سيارات التحريين الآخرين (جميلة ونظيفة، ومجهّزة بتقنيات تزيد من سرعتها وارتفاعها عن الأرض)، برفقته تحرّ شاب يدعى جايك هويت (إيثان هوك، في واحد من أجمل أدواره السينمائية)، يرغب في الالتحاق بوحدته، لتطهير المجتمع من المخدّرات وتجّارها ومروّجيها. إنه يوم التدريب لهذا الشاب المثالي، الصادق مع نفسه ومع الآخرين، النزيه، صاحب المبادئ الرفيعة، الزوج الطيب والأب الحنون. إنه، بالأحرى، »الجحيم« الحقيقي الذي لم يكن جايك هويت يعرف نهاية له. بالنسبة الى ألونزو، لا يختلف هذا اليوم عن بقية أيام عمله الغارق في فساد الشارع وعنفه وعصاباته وجنونه. أما بالنسبة الى جايك، فإنه محطة أساسية في حياته، إذ من خلالها ينتقل الى قسم يريده بإصرار، ويكاد لا يرى نفسه إلا فيه. هذا التشديد على الصورة المثالية لجايك، ضروري. إذ إن الجحيم لم يفتح أبوابه بعد، وعينا الشاب لا تزالان مغلقتان، وقلبه نابض بالحماس للخير والعدالة. شيئا فشيئا، يبدأ جايك رحلة السقوط في النار الحارقة. كلما أوغل ألونزو في تشعّبات الحيّز المكاني والروحي الذي يعرفه عن كثب، يزداد جايك انهيارا وقلقا. وكلّما ارتفع حجم الخراب من حوله، انغلق على نفسه أكثر فأكثر، محاولا أن يحمي ذاته ممن ظنّ، لوهلة، أنه مثاله في الوظيفة المثلى: لم يكن ألونزو مثالا للخير والعدالة، بل مثلا للضياع والفوضى والفساد. في حين أن الوظيفة تحتمل أبعادا مختلفة، للخير والشر معا. إنها جزء من الحياة اليومية. يمارسها أناس يمتلكون في ذواتهم ثنائية الخير والشر، فإذا ببعضهم يذهب الى جحيمه الخاص، إذا رفض الانصياع الى الواقع المأسوي. وبعضهم الآخر يغرق في جحيم المدينة، لمواجهة فسادها بفساده. قعر المدينة وعمق الذات يشبه »يوم تدريبي«، في صورته العامة، بعض أفلام مارتن سكورسيزي. هذه الأخيرة غاصت في تشعّبات نيويورك. صوّرت أحياءها المتألّمة بفوضاها وجنونها وشبق ناسها وعبثهم. إن صاحب »شوارع دنيئة« و»الثور الهائج«، يُعتبر من أكثر السينمائيين قدرة على إسقاط مقولة الخير والشر، بمفهومها اللاهوتي، على المجتمع والناس والزمن. غير أن انطوان فوكوا لا يسير وراءه. إنه مخرج مختلف بصبغة سينمائية اخترقت عالم السود في لوس أنجلوس، لتروي فصلا من الجحيم المديني والبشري. وعلى الرغم من التشابه بين جحيمي سكورسيزي وفوكوا، إلا أن الأول يبقى أعنف دراميا وأقوى جماليا. إنه قعر المدينة في »يوم تدريبي« طويل. يشبه القعر ما تغرق فيه ذات الإنسان، من جنون وانحراف وتشتّت وضياع. هذا ما صوّره انطوان فوكوا: لا تستطيع الذات الإنسانية أن تنعزل، كلّيا، عن تأثيرات المدينة. خصوصا بالنسبة الى من يمضي نهاره في شوارعها، بحثا عن خلاصه الروحي والنفسي، والجسدي أيضا. يغرق المرء في قعر مدينته، لأنه لا يستطيع أن يتمرّد على شقائه ودماره. لا أريد تحليلا نفسيا لشخصيات الفيلم، ولشوارع المدينة ومناخها الاجتماعي. إذ إن الفيلم يتابع لحظات هذا اليوم التدريبي، بواقعية ما، وكأن الصورة مرآة حسية لمجتمع يغلي بالغضب والعزلة والبؤس. هل صحيح أن الواقع الذي تنقله السينما، يُعبّر حقيقة عن المجتمع الأميركي؟ لا أعرف. أعتقد أن »يوم تدريبي« يحاول أن يرسم شيئا من هذا الواقع. الفساد موجود في كل مكان. الفوضى والعنف والغضب والحياة الهامشية والدمار الروحي والنفسي وغيرها، أمور حاصلة في كل لحظة، وفي كل مدينة. تختلف المستويات، بحسب طبيعة المجتمع وناسه. في »يوم تدريبي«، ذهبت الكاميرا الى عالم السود والأميركيين اللاتينيين، فنقلت تفاصيل حياتهم وانكسارهم. أظهرتهم وحوشا ومتآمرين وفاسدين. حتى الشرطي الفاسد، أسود. وفي مقابل ثلاثة من كبار المتسلّطين على أجهزة الأمن والشرطة، وكلّهم بيض، كان لا بدّ من إظهار رجل أبيض مختلف ومثالي. هذه الصورة النمطية باتت مملّة: عالم فاسد لا يحاربه سوى شخص مثالي واحد. رجل مثالي واحد، يخضع لضغط الجماعة، فيستخدم العنف الوحشي لإنقاذ المجتمع من فساده. لا يُمكن تجاهل دلالات كهذه: ألونزو شرطي أسود فاسد، في عالم من السود والأميركيين اللاتينيين الفاسدين، والمُنعزلين في أحيائهم الخاصة. و»الحكماء« الثلاثة بيض وفاسدون. وصديق الشرطي الأسود أبيض وفاسد. إنه عالم موبوء وعنيف، لا يُمكن مواجهته إلا بعنف آخر. الاختلاف بين هذين العنفين يكمن في أن أحدهما شرير وفاسق (إذا مرفوض)، والثاني يُستعمل من أجل الخير، (فهو مطلوب ومحبب، ولا ضرر فيه). لا شكّ في أن »يوم تدريبي« مشغول بحرفية تقنية جيّدة. التصوير، خصوصا باستخدامه لعبة الإضاءة الخافتة، باهر أحيانا في اختراقه الأمكنة والنفوس. إيثان هوك بديع. والإخراج نجح في تقديم الصُوَر المتتالية لمسارين متناقضين، التقيا في لحظة البحث عن الخلاص المفقود. فالجحيم الذي تعيشه كل واحدة من شخصيات الفيلم، مُصوّر بدقّة فنية مهمة، جعلت المَشَاهد أقرب الى التحليل النفسي غير المباشر، وإن وضحت النهاية منذ بداية الثلث الثاني من الفيلم.