لمناسبة صدور عدد من اعماله، بطبعة خاصة، في لبنان عن »منشورات حاتم«، يزور حاليا الروائي الفرنسي والكاتب ميشال تورنييه بيروت، حيث يقيم سلسلة من المحاضرات والقراءات. بدأها صباح امس الاثنين في المركز الثقافي الفرنسي. وتورنييه من مواليد العام 1924 في باريس، حاز عددا من الجوائز الادبية المهمة، ولعل اشهرها جائزة غونكور العام 1970، وربما كان الوحيد في تاريخ هذه الجائزة، التي فاز بجميع اصوات لجنة التحكيم، كذلك يرد اسمه منذ سنوات على قائمة المرشحين لجائزة نوبل... حول عدد من القضايا، كان هذا اللقاء في بيروت. { قلت ذات يوم ولا اذكر اين قرأت ذلك انه ينقصك الخيال وأن الافكار التي تكتبها، تأتيك عبر السفر والرحلات التي تقوم بها. هل تستطيع ان »تشرح« لنا هذا المرور من الرحلة المعيوشة الى سرد المتخيل؟ ربما كنت لا اقوم برحلات وإنما بأبحاث على الارض، واعتقد ان الامر مختلف عندها. اليوم، قدومي الى لبنان، هو بسبب متعتي الشخصية. من اجل متعة الاطفال اللبنانيين الذين يستقبلونني بينهم، وهي بالطبع ليست رحلة ستوحي ليه، بأشياء سأكتبها، الرحلات التي توحي لي، هي تلك الرحلات التي اقوم بها من اجل الكتابة، من اجل كتاب ما. على سبيل المثال، ولكي اكتب »نقطة الذهب«، قطعت الصحراء لمرتين. وذهبت الى »مسلخ« في مدينة شارتر اذ كان الموضوع يتطلب ذلك كذلك مثلا قطعت المتوسط بأكمله، ونمت في احد فنادق المهاجرين في مارسيليا من اجل كتاب آخر، الخ. إذا أنا اقوم، حين اكتب، بتحقيقات واستقصاءات. من هنا ليست رحلتي الى لبنان، بمثابة تحقيق، بل جئت كي اتحدث مع الاطفال الذين يقرأون كتبي. لذلك لا علاقة للأمر مع عملي. اعتبر نفسي من مدرسة اميل زولا وأنا بحاجة الى الذهاب الى »حقل العمل« لأنني اتحدث عن اشياء لا اعرفها، اقصد، لا اتحدث عن نفسي. لو كنت اتحدث عن غرامياتي لما كنت بحاجة الى الذهاب الى »الارض«. { هل السبب في هذه التحقيقات التي تقوم بها، يعود الى تكوينك الاتنولوجي؟ قد يكون الأمر على العكس من ذلك، اذ لأنني كنت اميل الى التحقيقات، شغفت بالانتولوجيا. وبالنسبة الي فإن اكبر كتاب كلاسيكي هو »المدار الحزين« لكلود ليفي شتراوس، انه كتاب شخص »محقق« ذهب الى »الارض« ورأى ما يحدث. فكرتي بسيطة جدا، ارى ان الواقع يملك خيالا ومتخيلا عظيما اكثر منا. البحث الكتابي { من وجهة النظر هذه، هل تعتبر ان الكتابة نوع من البحث اكثر من كونها عملية اعادة كتابة للذكريات والأحداث التي مرت بنا؟ انها عملية بحث، اكتب عن اشياء لا املك، بداية، او من فكرة عنها. أنا لا اتحدث عن الذكريات، لا اتحدث عن نفسي بل اتحدث عن العمال المهاجرين مثلا الذين يعيشون في اماكن منعزلة، عن »التوائم« مثلا كما في روايتي »النيازك« التي تعالج هذا الموضوع في حين انني لست توأما. لقد قمت بالأبحاث عن »التوائم«، ذكورا واناثا والتقيت بالعديد منهم، وطرحت عليهم الكثير من الاسئلة.. انها موضوعات قد تكون جديدة علي، اكتشفها خلال الكتابة. { هل »الأنا مكروهة دائما؟ ليس لدي اي »أنا« { لماذا؟ لأنها لا تهم احدا، لا اهتم بها، كان سقراط يقول »نظف نفسك«، وهذا القول، يبدو لي من اتفه انواع الحماقات التي قيلت عبر التاريخ. لا اهمية لذلك مطلقا. يهمني العالم بأسره الا ميشال تورنييه. { ماذا تعني بذلك؟ الامر بسيط، لا يهمني. { ولكن الا يتحدث الكاتب في العمق، عن نفسه.. البعض منهم، نصفهم تقريبا. على سبيل المثال جان جاك روسو ولكن هذا الامر لا ينطبق لا على بلزاك ولا على زولا. انهما لا يتحدثان عن انفسهما. { حين لا يتحدث الكاتب عن نفسه الا تعتقد انه في طور اخفاء جانب ما من حياته، من وجهة؟ لا اظن ذلك.. قد نستطيع قول ذلك، لكنني لا اوافق عليه. { نشرت روايتك الاولى في وقت متأخر، ولدت العام 1924 في حين ان »جمعة او يمبوس المحيط الباسيفيكي« صدرت العام 1967، لماذا تطلب الامر كل هذا الوقت؟ لأن الرواية لم تكن ميلي الاول. لقد شدتني الفلسفة في البداية. وجاء فشلي في امتحانات الاغريغاسيون، ليمنعني من تحقيق ما كنت ارغب في القيام به، اي تدريس الفلسفة، ذلك غير حياتي بالكامل. فتطلب الامر مني 17 سنة. اهملت دراسة الفلسفة العام 1950 ونشرت اولى رواياتي العام 1967. لزم الامر 17 سنة كي اعود وأهتدي الى الادب. { كيف تجد اليوم الرواية الفرنسية الراهنة، وبخاصة انك عضو في اكاديمية غونكور؟ حين نتحدث عن راهنية الأدب، فإننا لا نجد رواية فرنسية، بل روايات فرنسية. هناك اشياء احبها وهناك اشياء اكرهها. ربما كنت اخطئ في قولي هذا، بيد انني اجد ان المستوى مرتفع جدا. ان كمية الروايات التي تنشر في كل عام هائلة، ومع ذلك اجد ذلك رائعا، ربما لأن تكلفة صناعة الكتاب اليوم، اصبحت اقلّ0 عما كانت عليه منذ خمسين سنة. في الماضي، كان علينا ان »نصف« الكتاب حرفا حرفا، اما اليوم ومع ما يجري على الصعيد الالكتروني، فقد بات الامر اسهل وأرخص. من هنا ينكب الناشرون على ذلك، وهذا امر جيد. لذلك ان عدم الانتباه لعمل مهم، اصبح امرا نادرا حقا. هناك كتّاب أصغر مني أحبهم كثيراً مثل جان ماري لوكليزيو ونويل شاتليه، وآخرين، وهناك من هو أكبر مني وربما كان أكبر كاتب فرنسي، جوليان غراك الذي حاز جائزة غونكور منذ زمن بعيد. أنا مسرور بكوني انتمي إلى أكاديمية غونكور، أنهم أصدقاء نتناول الطعام مرة في الأسبوع ونتحدث عن الأدب، نسافر معاً. رحلتنا القادمة ستكون إلى قرية ألفونس دوديه (فونتفياي) القرية التي كتب عنها »رسائل من طاحونتي« لنمنح هناك جائزة كتّاب الأطفال. ستكون مناسبة مفيدة. اللحظة الوحيدة الصعبة التي يندم فيها المرء على كونه عضواً في أكاديمية غونكور. هو اليوم الذي تُعلن فيه الجائزة. إنه يوم مرعب. { بخصوص ذلك، انتم تتعرضون دائماً للنقد بسبب الجائزة التي تمنحوها. لأن هناك الكثير من المال. المال يفسد كل شيء. انظر ماذا حدث مع كرة القدم. الأمر هو نفسه. صحيح أنه يجب ان لا يكون المال موجوداً في كل مكان، بيد أنه مع غونكور هناك مبالغ خيالية. لذلك يتهموننا بجميع ذنوب العالم. هناك مبالغ ضخمة اتعرف أن آخر فائز بالجائزة قد كسب من حقوقه كمؤلف مبلغ مليون يورو، وهذا مبلغ صخم، لا يستطيع أحد أن يكسبه حين ينشر رواية. { هل أحسستم يوماً بندم على اختيارها، أي كنتم قد وجدتم يومها، رواية ما، جميلة، ومن ثم غيرتم رأيكم؟ لا أشعر بالندم أبداً لأنني صوتّ لكاتب، ناضلت كي يحوز الجائزة لكنه لم يفز بها. أعني في كلامي هذا جورج بيريك وروايته "La vie mode dصemploiس. صوتّ له، لكننا فوتنا الفرصة من يدنا. ان شعرت بالندم لأن بيريك توفي بعد ذلك بفترة قصيرة بسبب المرض، انه شعور بالذنب لأننا لم نستطع ان نعوض عليه فيما بعد. هناك دائماً إشارات وإشارات مضادة، كان لدى بيريك إشارة ضده، إشارة قوية، لأن روايته الأولى »الأشياء« كانت حازت جائزة »رونودو« ومن كل الجوائز التي يحصل عليها المرء، فأسوأ ما يمكن أن يلعب ضده، أن يكون اعطاء جائزة »رونودو« لأنها تقريباً الجائزة نفسها.. { ويسبب المنافسة بينكما أيضاً؟ لا نستطيع اعطاء جائزة غونكور لمن سبق له ان حاز »رونودو«. كان علينا أن نقدم له ذلك، وفعلت ما بوسعي لكن لم ينجح الأمر. أندم لأن بيريك كان كاتباً كبيراً وروايته رواية كبيرة. { إحدى الموضوعات المفضلة في كتبك ان كنت استطيع قول ذلك هي إعادة كتابة الأساطير... إعادة احيائها. { نعم، كيف تفسر ذلك بالظبط، هذا هو الأمر. الأساطير بحاجة إلى إعادة احياء في كل جيل. هناك العديد من الأساطير... على كل كاتب أن يعود ويجعل الأسطورة شابة كما فعل مثلاً بول فاليري مع »نرسيس«. إنها بحاجة إلى إعادة احياء وإلا ستصبح تمثالاً مسطحاً. الصورة الفوتوغرافية { انك تهتم أيضاً بالصورة الفوتوغرافية؟ نعم، نعم، انها موضوع كبير بالنسبة إليّ { هل هناك علاقة ما بين الصورة والكتابة؟ فيما يخصني، كتبت العديد من الكتب عن الصورة الفوتوغرافية، حتى في العديد من قصصي، تلعب الصورة دوراً رئيسياً كما في رواية "Le Roi des Aulnesس الذي كان يلتقط صوراً للأطفال، كذلك في »نقطة الذهب« التي نجد فيها السائحة وهي تصور بطل القصة، الراعي. كذلك هناك قصة بعنوان »شعر فيرونيك« قد كتبتها وهي تعالج مشكلات الصورة. { هل تجد مثلاً ان الصورة تحل مكان الكتابة أو الأسطورة؟ أبداً، بل على العكس من ذلك. الصورة تثبت الواقع، تشل الابداع، انها منحدر، أفيون مجتمعنا، من هنا أفهم جيداً المجتمعات التي تمنع فيها الصورة. انكباب الناس على تصوير أنفسهم أشبه بالمخدر، كذلك حين يثبتون الأطفال في طفولتهم، حين نحمل الصورة معنا، الصورة أمر خطير جداً في حين أن الكتابة ليست كذلك بتاتاً. { برأيك، لماذا لا تشل الكتابة المجتمع؟ لأنها تعبير عن الحرية، عن الابداع. { هل تجد تناقضاً في الأمرين؟ بالتأكيد. { وكيف تفسر ميلك إلى هذين المتناقضين؟ لأنني شخص متناقض، سأروي لك شيئاً، لقد قمت بنفسي بالتقاط الكثير من الصور، لكني لم أعرض أي واحدة منها، لأنني لا أجد فيها أي واحدة جيدة. أعرف الصورة وأعرف ان صوري سيّئة، هذا أول ما تعلمته حين بدأت اتردد على المصورين الكبار. انني في الصورة كالصفر. اعرف هذا، بينما لا تعرف غالبية الناس ذلك. { وما هي الصورة الجيدة؟ وكأنك تسألني ما هي اللوحة الجيدة أو السيمفونية الجميلة. نستطيع أن نتحدث عن ذلك ولكننا لا نستطع تحديد كنه ذلك. لا أحد يستطع تحديد الجمال. { من هنا، أيضاً نستطيع أن تطرح السؤال ذاته حول الكتاب؟ بالتأكيد، لذلك أحيلك إلى تفسير كنط الذي وعبر 4 متناقضات عبّر عن احتواء الجمال في مفاهيم معينة. إننا نعني ذلك، نتحدث عنه، نناقشه. صحيح ان النقد موجود، لكن ما من صيغة لنسجن فيها الجمال الأدبي والجمال الفني والجمال الموسيقي والجمال التصويري. ما من صيغة أبداً، علينا ان نشاهدها، أن تحس بها. إنه شيء نحس به. { هل تستطيع أنت أن تحدد ما هو الكتاب الجميل؟ لست أقوى من الآخرين، كل كتاب جميل يملك تحديده الخاص للجمال، يعطيك تحديداً جديداً للجمال، ما من تحديد عام نستطيع من خلاله أن نسجن كل شيء. ربما كنت تطلب المستحيل، لذلك أحيلك مجددا إلى ايمانويل كنط الذي وصف ذلك جيداً حين قال إن الحكم الجمالي لا يرتكز على شيء، انه موجود، شكلاني، أنا شكلاني. إن قلت إنك تفضل فالس شتراوس على موسيقى باخ لأجبت إنك مخطئ وان قلت برهن لي ذلك، لقلت لا استطيع أن أبرهن ذلك. هذا هو الجمال، لدينا الشعور المطلق ولكننا لا نملك البرهان.