يمضي طلال نصر الدين في مسرحيته الجديدة »موت عابر« إلى قاع المدينة من جديد، فبعد مدرّس التاريخ الذي تحول حارسا لمزبلة في مسرحيته »الديك«، يأخذنا الى حارة من (الديكة)، ليكشف عن ذلك العالم المستور الذي يعيش على تخوم المدينة، والمسمى احزمة الفقر، عالم المنبوذين والمقهورين من خدم ولصوص، حشاشين وحالمين وسجناء سابقين. منذ البداية يؤسس العرض لعلاقة يشوبها شيء من التلصص، حين يبني جدارا (حقيقيا لا وهميا) مع المتفرج الذي يطل على الاحداث عبر شبابيك مفتوحة في ذلك الجدار، وبالضبط مثلما في الحياة، حين تدهمنا صرخة، او شجار عائلي، او موت عابر. هذه المفردة الجدار الذي هو عبارة عن بانوهات شكلت فاصلا مع الجمهور مرة، او أعيد تشكيلها مرارا لتصبح بيوتا متجاورة كان يمكن ان تؤسس على المستوى الشكلي لعلاقة فريدة مع الجمهور، ولكن سرعان ما اختلطت الامور وجرى استخدامها بشكل اعتباطي، مثلما ضيع المخرج شخصياته البكر التي عرض لها في مشاهد افتتاحية: ابو العز الذي يرد على ظلم الحياة بظلم عائلته المؤلفة من أخت خرساء وأخ معتوه وآخر في السجن، فيما تركته زوجته التي لم تعد تحتمل ظلمه. غاندي الطالب الجامعي الذي يقضي وقته امام سفارات الدول الاجنبية متوسلا سفرا يوصله الى بر الأمان. ابو علي رجل الشرطة الذي قادته ظروف الحياة الى عمل كهذا وهو يعاني الظلم كضحاياه. حشاشون في مطاردة دائمة مع رجال الشرطة. وغسان المثقف الشيوعي الذي يكتب سيرة هؤلاء، في رواية بدأها منذ كان سجينا حيث قضى احدى عشرة سنة في السجن، وهو الذي انقطع عن محيطه من اهل وأقارب بسبب إهمالهم له في سجنه حين اعتبروه ملحدا. إدانة الراوي بدا المخرج (المؤلف) مهتما بتقديم شخصيات من حياتنا، ولكنه لم يعرف ما يصنع بها، فابتكر حكاية في غاية السذاجة: فجأة تظهر في الحي فتاة غريبة تلجأ الى بيت ابو علي، الذي يقع في غرامها، فيتوجب عليه ان يغير من طبائعه الخشنة، كما تضفي هي لمسة من الفرح على حياة الأسرة. وسرعان ما يتكشف ان الفتاة هاربة من مطاردة اهلها بسبب جرم زنا. تسلم نفسها للشرطة، بعد حوار يدينها فيه اهل الحي، فيما تواجههم باعتراض صارخ على قوانين المجتمع الذي يجعل من فعل كهذا فخرا للرجل وإدانة للمرأة. ثم يجيء الختام بخبر مقتل تلك الفتاة، الذي تدينه الخرساء ببعثرة اوراق الرواية وإدانة الراوي. وهكذا يتحول العرض من بحث في عالم مجموعة من الشخصيات المقهورة، الى التركيز على شخصية واحدة في بحث يتناول إحدى جرائم الشرف! ولأن حكاية العرض جاءت ملفقة، فإن سرد ماضي الشخصيات جاء ملفقا هو الآخر، فلا تدري متى يتحول الممثل الى راو ليقول همومه الى المتفرجين، وكأن تقنية الراوي ليست سوى حل سحري لما يعجز العرض عن قوله بشكل منطقي. في وقت أهمل فيه المخرج سمة الروي في شخصية الروائي غسان الذي يزعم انه يكتب رواية حول شخصيات العمل. يستعير مسرحيونا غالبا بعض تقنيات مسرح، بريشت، كما استخدمت هنا تقنيتا الراوي والمفهوم الشرطي الذي ساد بعض استخدامات الديكور، ولكنهم قلما يتذكرون ان هذه ليست تقنيات قدر ما هي اختيار يتوخى تأثيرا مغايرا لما نعرفه في المسرح التقليدي، عبر كسر الإيهام والإبقاء على مسافة من الوعي بين المتفرج والعمل. ولهذا كان استخدام الديكور ينوس بين الشرطي الواقعي من دون اي حساب، فوسط الخشبة تظهر صورة واقعية لبيت ابي العز، وعلى سطحه كانت مجرد طاولة وكرسي ورفين من الكتب تعني غرفة المثقف. وفي مقدمة الخشبة كانت هناك الجدران التي تتحرك على عجلات لتشكل بيوت الحارة. وفي العمق والأعلى استقرت شبابيك صغيرة تغرق في لون رمادي متسخ غالبا ما يسم تلك الاحياء المهملة. إزعاج المتفرج لا ينوي عرض »موت عابر« ان يترك المتفرج مستريحا ومطمئنا في مكانه، فثمة قصدية واضحة في ازعاجه، بحركة داعرة من امرأة، توجهت بها الى الجمهور في بداية العمل، وكأنما تشتمه، الى ان تهزه بصراخ اخرس في النهاية. ومن ثم عبر صراخ العجلات التي تثقل قطع الديكور بحركة موتورة وصاخبة. وهناك في النهاية الأداء الاحتجاجي للممثلين الذين بدوا في كل لحظة وكأنهم يلعنون الحياة وظلم الحياة. قد يكون »موت عابر« منحازا الى بسطاء الناس ومهموما بهم، ولكن ذلك قد ينقلب عليهم، حين يسهم في تشويه اذواقهم، إذا لم يأت في اطار فني متقن، ينتمي للمسرح بقدر ما ينتمي للناس. دمشق العرض من تأليف وإخراج: طلال نصر الدين. تمثيل: يوسف المقبل كميل ابو صعب علي الصطوف علاء الزعبي لينا مراد سهيل جباعي بسام داود ابراهيم عيسى ناديا حنانا. ديكور وأزياء: عاليا الخير. إضاءة: نصر الله سفر. موسيقى: اسامة البني.