قد يكون الايطالي إرّي دولوقا، واحدا من اهم كتاب ايطاليا اليوم، اذ عرف كيف يبني فضاء خاصا به، يجعله في طليعة كتاب العالم. كان دولوقا، ضيف »معرض الكتاب« في باريس مؤخرا حيث شارك في عدد من الندوات، كما في بعض حفلات توقيع كتبه، هنا، حديث معه، للدخول الى عوالم هذا الروائي. قد يكون إرّي دولوقا واحدا من الاستثناءات النادرة والسعيدة لقاعدة الكتاب المتعلمين، المقيدين بفضاء طاولات عملهم الضيق، إذ انه عاش دائما تحت شارة »النزوح«. نزوح يبدو سمة لانتماء فاشل او مرفوض او حتى مستحيل. لقد وسمت تجربة هذا »المنشق«، وفي الوقت عينه، حياته وكتابته، وهي تجربة ترتكز حول ما يمكن لنا ان نسميه »حنينا فرضيا« اي انه حنين لا يمس فقط ما كان عليه الأمر، وانما ما يمكن له ان يكون عليه، اي ان الذاكرة، هي حينذاك، اكثر من مستودع ارشيف، انها مكان لابداعات لا تتوقف، تنبثق دوما من »قلب الكاتب الفرضي« على قول الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا. »ان مهمة الكاتب، تكمن ايضا في اعطاء الماضي، احتمالا اخر، ذكاء آخر« يقول دولوقا حول قضية استعمال الذاكرة في عمله. ومع ذلك، فإن سيرته الذاتية، ليست فارغة من الاحداث: النضال مع اليسار المتطرف في جماعة »النضال مستمر«، السنوات العديدة التي قضاها في الخارج في فرنسا وافريقيا. اختيار مهنة يدوية عامل بناء تعلم اللغة العبرية والاقتراب من الكتابة التوراتية، من مصدرها. بيد ان بُعد الانشقاق يكمن في هذا الامر فقط: »اجتياز كل شيء من دون الرغبة او القدرة في البقاء في اي مكان محدد«. ولد دولوقا في مدينة نابولي العام 1950، وكانت اول تجربة انتماء لم يستطع الامساك بها، مع هذه المدينة، المتفردة بشكل كبير. انها مدينة موسومة »بهذا المزيج ما بين الورع والقرف، هذا المزيج الخاص الذي تفوح منه رائحة السمك المنزوع الاحشاء وما بين البخور الذي يفوح من على مذابح الكنائس«. تشكل نابولي بالنسبة اليه، مصدرا لم يستطع الانتساب اليه »منذ البداية، وكنت في الثامنة عشرة، شعرت بنفسي مطرودا من نابولي، ومع ذلك، عندما اتذكر ذلك كله، اشعر بامتنان لهذه المدينة، لأنني لم اكن ارغب في ان اكون مطرودا من مدينة اخرى«. كانت طفولته النابوليتانية »عديمة المعنى، صامتة وبلا حنان. صحيح ان والديّ اختارا بعضهما بعضا، لكنهما لم يقعا في الحب ابدا. كان والدي يحمل دكتوراه في الاقتصاد، ويعمل في مجال تجارة الفواكه والخضار، اما والدتي فتعمل في التجارة بدورها. وكما العديد من العائلات، تعرضا لمثل ما تعرضت له الطبقة البورجوازية من فقر، بسبب الحرب (العالمية الثانية) ومن ثم الاحتلال الاميركي. اذ ان نابولي، التي عاش فيها العديد من الملوك، اصبحت اشبه بمستعمرة، لأن المرفأ، وهو مركز الغنى الرئيسي لنابولي، اصبح قاعدة الحلف الأطلسي في المتوسط«. لم تكن طفولته مليئة بالفضاءات بل اقتصرت على تلك الغرفة، في بيت العائلة، التي ملأها بالكتب. منذ تلك الايام، »بدأت بالقراءة، قرأت في البداية كل الكتب التي تتحدث عن الحرب العالمية، رسائل المحكومين بالاعدام، قصص الناجين من غرف الغاز«. في هذه الغرفة، بنى تربيته العاطفية، المعادية للفاشية »لقد اعطتني القراءة هذه الشرعية الداخلية في الصمت«، من هنا اخذ الكتاب شكل »تلك المادة العازلة ما بيني وما بين المدينة، اكتشفت غينسبرغ، همنغواي، شتاينباك، كامو. وهذا الأخير، وضع الكلمات في فمي، علمني كيف اعبر عن عواطفي. فيما بعد، وبشكل متأخر جدا اكتشفت مارغريت يورسنار، انها تكتب بشكل رائع جدا«. شيوعية لا تنام كان والده يرغب في ان يكون ابنه ديبلوماسيا، فأرسله الى مدينة غرونوبل الفرنسية لتعلم اللغة. بيد انه كان للكاتب مثل اخرى، اذ وبعد ان حاز البكالوريا العام 1968، هرب من المنزل، وسافر بالقطار الى روما ليشارك في اولى المظاهرات التي كانت تطالب برحيل الاميركيين عن فيتنام كما برحيل الجنرالات عن اليونان: »وجدت نفسي داخل جيل من المتشردين الذين علموني كيف افتح فمي. بالنسبة الينا، كانت الشيوعية هي القاسم المشترك، ابداع طريقة للعيش، تجربة حياة مشتركة. كانت شيوعية لا تنام مطلقا«. اذا، وجد دولوقا منزلا في النضال، بعيدا عن نابولي »كانت هذه المدينة بالنسبة الي قضية وسببا في عدد كبير من ردات فعلي العصبية، من مشاعري العدوانية. انها ايضا السبب في شعوري الدائم ب »عدم التطبيق«. تبدو كلمة »عدم التطبيق«. كلمة غريبة، اذ تمثل عادة قانون اصلاح او سيرورة ما. لا يقول الكاتب كلمة اخرى، إذ، عادة، يختارها بنفسه، اي يكون واعيا لكل رنينها الدلالي. »عدم التطبيق«، كلمة مستعارة من مستوى اخر للغة، لكي يصف عبرها، المصير الفردي، في البداية ومن ثم المصير الجماعي. في واقع الامر، ومنذ فترة مبكرة، حمل دولوقا، »عدم التطبيق« هذا، داخل وطن خيالي: وطن اولئك الذين كانوا مثله اي في الثامنة عشرة العام 1968، وهذا الوطن الخيالي، سرعان ما اصبح مكانا اخر لا يعاش فيه، لقد تشظى هذا الوطن، دفعة واحدة في نهاية السبعينيات، اذ دفع بمواطنيه في كل الاتجاهات: الى السجون التي ابتلعت الطوباويين (الذين اصبحوا ارهابيين)، الى المنفى، او الذين دفعهم الى التقاعد باكرا »والذين انهمكوا فيما بعد بالبحث عن نقاط استدلال او ضمانة ما«. يقول دولوقا: »كنت جزءا من جيل تبدى انه جيل »عدم التطبيق«. انه جيل عاش طويلا داخل العدوانية وفي الابتعاد عن جوازات الاشياء، فيما بعد، لم ينجح في الانخراط بالواقع. هناك استثناءات بالطبع، لكنهم اناس كان باستطاعتهم تبوؤ مراكز ومسؤوليات وسلطة. المهم في نهاية الامر، ان غالبية هذا الجيل، كان جيل »عدم التطبيق«. من هنا، احمل في داخلي حزن العديد من الاشخاص الذين قاسموني خياراتي ومسؤولياتي السياسية وهم اليوم اما في السجن واما متفرقون في المنفى. هنا يكمن شعوري بعدم الانتماء هذا، اذ لطالما استمر هؤلاء في قيادة ذلك الوجود المعلق، الرهين الذين هو نتيجة اعمال متكاملة لطالما شعرت انني لا استطيع الانتماء الى اي شيء«. اسأل: »حتى ولا الى ذكرى هذه السنوات، اي الى مهمة الذاكرة عند الكاتب ليذكر الاجيال الشابة كما ليذكر نفسه بما حدث، حتى يكون هناك ميراث مشترك من التجربة والألم، لكي لا يضيع ويندثر؟ يهز دولوقا رأسه: »ابقي نظرتي الخاصة بعيدة، جانبا. انا اروي انطلاقا من عناصر منجزة وعبر اصوات اشخاص صاروا في البعيد او هم على اهمية مغادرة كل شيء. اضف الى ذلك انني لست مثقفا كما يجب، لا اشعر بأن لدي رسالة لاكمالها في المجتمع، لأنني لا انتمي الى كل هذا المجتمع«. من هنا نجد انه حتى الانتماء الرمزي لذاكرة جماعية، تبقى قضية مستحيلة عند دولوقا، لأن كل شيء يبدو وكأنه لا يزال يمر تحت شارة »عدم التطبيق« هذا، الذي صوره منذ روايته الاولى »ذات مرة، ذات يوم« (بحسب العنوان الفرنسي). في حين ان العنوان الايطالي هو »ليس هنا، ليس الان«، وهي جملة مستعارة من الخطاب الامومي. »ربما اختيار العنوان الفرنسي يعود الى هم رنيني عند الناشر الفرنسي«، وربما ايضا الى التأثير الغريب »لشقلبة« اسس الخطاب الشعري عند الكاتب، لأنه خطاب مؤسس على السلب المزدوج »ليس.. ليس« والذي هو نتيجة اخيرة لسلبية الواقع ذاته. على كل، نرى في هذه الرواية، ان كل تشكل لأي لحظة من لحظات الوجود، فهي تحدث عبر صيغة الشرطية. في نهاية الكتاب، نجد بطل الكتاب، العجوز، يتخيل لقاء مع والدته في صورة تظهره شابا بعد بينما هو في طريقه لاجتياز الشارع بالقرب من حافلة نقل. عبر الخيال، ينزلق الى داخل هذه الحافلة ليثبت مرة اولى وأخيرة في اللونين الاسود والابيض. انه يخترع اللقاء الوحيد الممكن مع والدته، بالأحرى مع الواقع نفسه. حتى منزل الريف الذي كان سيقع وينهار، حيث تجري احداث كتاب »أسيد، قوس قزح« يبدو وكأنه المكان الوحيد الممكن للقاءات مستحيلة. في هذا المكان الفرضي، الموجود من دون ان يكون بحاجة لذلك، نجد الشخصية الرئيسة تنغلق على نفسها »وهي تستمع للعالم الذي فاتها«. هناك يزوره 3 اشخاص، انهم اصدقاء الشباب، وهم في الواقع ثلاثة انعكاسات ذاتية للكاتب. هناك الارهابي الذي يرى ان السياسة هي تنظيم الغضب وسرعان ما لاحظ ان غضبه كان قيمة لا تطبق، عملة مزيفة. وهناك المبعوث الذي نهشته افريقيا روحيا وجسديا والذي يعود الى وطنه اخيرا كي يموت فيه. اما الشخصية الثالثة، فكانت آمنت بامكانية عيش حياة منزوعة عن كل فضاء وعن كل قاعدة، اي حياة حرة، لكنه سرعان ما اكتشف خطأ ذلك. وبما ان كل دروب الانتماء غير موجودة، لم يعد امام الوعي الذي يضعه الكاتب فوق خشبة الاحداث، وهو »أنا« وجدانية لا »أنا« روائية الا ان يستدير صوب الافق الافتراضي لأصول مخترعة، اي لا العودة للجذور، الشخصية او الاجتماعية او حتى التاريخية، وانما البحث عن جذور اسطورية مثلما يحدث في بعض القبائل، حيث يبدعون جدودا اسطوريين«. بالنسبة الى دولوقا، اصبح هذا الأصل الاسطوري يكمن في النص العبراني للكتابة، اي عبر الرنين والايقاع. نلاحظ مثلا في كتبه، انبعاث بعض الرؤى الوجدانية لبعض مقاطع التوراة حتى في الانشداد نحو الشفاهية، »اي نحو الكتابة التي تصبح صوتا«. من هنا تصبح اللغة التوراتية للكاتب ذات قيمة »امومية« اي »الهم بكتابة لغة اصلية تصيب ماهية النص التوراتي«. لقد حاول دولوقا ان يتخلص من كل الطبقات التفسيرية، التي على مر العصور، رزحت فوق النص، كما حاول التخلص من كل ارجاع للرؤية الرسمية. ومع ذلك، فان هذا البحث لم ينجح في جعله »منتميا«، اي لم »يتهود«، لأنه وضع نفسه بعيدا عن كل ارتباط تاريخي وايديولوجي باسرائيل. اسأله عن ذلك فيقول ببساطة: »ان الكتابة التوراتية هي بالنسبة الي ما فوق الزمن... لا يحمل التوراة اي راهنية، انه بالنسبة الي، ذلك الخارج، من هنا علينا الذهاب اليه لكي نفهمه لا ان نبحث عن جعله متطابقا مع الموديلات الغريبة عنه. انه كنز ادبي او روحي، بعيدا عن كل استعمال حربي نحيله اليه«. ما بين مهنته كعامل بناء. والكتابة واللغة التوراتية، يحاول دولوقا ان يبحث قليلا عن هدوء ما، لكن من دون ان ينتظر شيئا من رماد قصته الذاتية »اننا غرباء حتى عن المكان الذي ولدنا فيه. هنا فقط، قد يكون من الممكن معرفة ان ليس هناك اي ارض للعودة«. (باريس)