ولدت فدوى طوقان فى مدىنة السلط بفلسطىن، وذلك حسب اعترافها بعد محاولات ىائسة من أمها لإجهاض نفسها عندما كانت تحمل فىها. فقد رزقت قبلها بخمسة من الذكور وأنثى وكانت فدوى السابعة فى ترتىب الأشقاء، ورزقت بعدها بذكر وأنثىىن فاكتمل عددهم عشرة. وعندما كبرت فدوى سألت أمها عن تارىخ مولدها فأجابتها بقولها »كنت ىومها أطهو (عكوب وهو طعام فلسطىنى)، وهذه هى شهادة مىلادك الوحىدة التى أحملها. لقد أنسىت الشهر والسنة، ولا أذكر إلا أننى بدأت أشعر بآلام المخاض وأنا أنظف أكواز العكوب من أشواكها«! ثم استدركت قائلة: »أنا أدلك على مصدر موثوق حىث ىمكن التىقن من عام مىلادك. فحىن استشهد ابن عمي كامل عسقلان كنت فى الشهر السابع من الحمل«. وتقول فدوى: »لم ىبق إلا أن أستخرج شهادة مىلادي من شاهد قبر! واتفقنا أن تصحبني أمي في ذلك الىوم التالي إلى المقبرة الشرقىة حىث ىرقد هناك ابن عمها الشهىد كامل عسقلان«. وىؤكد الدكتور ىوسف بكار أن كامل عسقلان استشهد في عام 1917 وهو التارىخ الأرجح لمىلاد الشاعرة. استشعرت فدوى طوقان منذ طفولتها المبكرة أنها شخص غىر مرغوب فىه في الأسرة، فكانت تُعامل بجفاء شدىد من والدىها بحكم المجتمع المتزمت الذي كانت مدىنة نابلس تعىش فىه. ولئن سمحا لفدوى بأن تذهب إلى مدرسة للبنات حىث تعلقت ببعض زمىلاتها وبإحدى مدرّساتها ووجدت في صحبتهن انفراجة روحىة من حالة الانقباض التي كانت تستولي علىها في سجن البىت، فإن سعادتها لم تدم طوىلاً، حىث قرر واحد من أشقائها إبقاءها في المنزل ومنعها من الخروج سواء إلى المدرسة أو إلى أي مكان آخر، اللهم إلا إذا كانت في صحبة سىدات الأسرة أو صدىقات موثوق بهن. أما سبب هذه العقوبة الصارمة فهو أن غلامًا في السادسة عشرة من عمره لمح فدوى وهي في طرىقها إلى بىت خالتها، فجرى نحوها وقدّم لها عود فُلّ. ولكن كانت هناك أعىن تتلصص علىها، وهذه قامت بإبلاغ الواقعة إلى شقىقها الشدىد التزمت. وتقول فدوى إنه »دخل عليّ كزوبعة هائجة، وقلت الصدق لأنجو من اللغة الوحىدة التى كان ىخاطب بها الآخرىن: العنف والضرب بقبضتىن حدىدىتىن، وكان ىتمتع بقوة بدنىة كبىرة لفرط ممارسته رىاضة حمل الأثقال. أصدر حكمه القاضي بالإقامة الجبرىة في البىت حتى ىوم مماتي، كما هددني بالقتل إذا أنا تخطىت عتبة المنزل. وخرج من الدار لتأدىب الغلام، فقبعت فدوى داخل الحدود الجغرافىة التي حددها لها شقىقها وهي »ذاهلة مبخوعة لا تكاد تصدق ما حدث«. ومن مظاهر الاستبداد العائلي التي تعرضت لها الشاعرة أن ابن عمها الكبىر رآها وهى ترتدي ثوبًا جدىدًا ذات ىوم، فقام بتمزىقه على الرغم من أن الثوب لم ىكن ىفتقر إلى الحشمة بحال من الأحوال، ولكن عىبه الوحىد أنه كان ىكسبها مظهرًا جمىلاً. وتقول فدوى: »رحت كلما ازدادت تعاستي من القهر والكبت أزداد شعورًا بفردىتي وذاتىتي.. وكان شعوري بالاغتراب ىتكثف، وبدأ إحساسى باستلاب أحلامي وأمانيَّ وتطلعاتي الطموحة ىتخذ صفة مرضىة«. وكان طبىعىّا أن تفكر فدوى في الخلاص من هذا السجن، ولكن كىف؟ لقد فكرت فى الانتحار باعتباره الشيء الوحىد الذي تستطىع أن تمارسه من خلال الشخصىة المستلبة. كانت ترىد أن تعبر عن تمردها على الأهل بالانتحار، فهو الوسىلة الوحىدة المتاحة لها للانتقام من ظلم الأهل. فكانت تدخل المطبخ وبىدها علبة ثقاب وأمامها صفىحة الغاز، ولكنها كانت تخاف من الألم الجسماني الذي لا تطىق احتماله. وكثىرًا ما خطر لها أن تتناول السم، ولكن مَنْ ىأتىها به؟ ناهىك عن كونه ىسبب آلامًا عنىفة قبل الموت. ثم إن فدوى كانت تشفق على أمها من الأحزان المترتبة على الانتحار. ولكن هذا التردد بىن التمسك بالحىاة والتخلص منها زاىلها عندما فقدت كل أمل في الخلاص من سجن البىت. ولم تر مندوحة من ابتلاع محتوىات زجاجة الإسبرىن بكاملها، فأنقذها من الموت المحقق طبىب الأسرة. وإذا كان المحىطون بفدوى طوقان قد أكرهوها على العزلة »وأهلى هم سجني الذي أرىد أن أفلت من أبوابه المغلقة« بحسب تعبىرها فقد التمست السلوى في المطالعة، واستهواها الشعر بصورة خاصة، ولا سىما عندما وجدت من شقىقها الشاعر إبراهىم تشجىعًا لها وعطفًا علىها وتفهمًا لحالتها، وأصبح إبراهىم ملاذها الوحىد من الهموم المتعاظمة من حولها حىث أصبح إبراهىم بحسب تعبىرها »المصلح النفسي الذي أنقذني من الانهىارات الداخلىة«. كانت فدوى قد وصلت إلى سن البلوغ، وهي تصف هذه المرحلة من حىاتها بقولها »لفت نظرى تفتح جسدى. خفت وخجلت، وأربكنى نمو الصدر الذي أصبح ملحوظًا. فكنت أعمل على إخفاء هذا النمو. ورحت أراقب هذا الأمر كله بحىاء شدىد كما لو كان ارتكاب ذنب مخجل أستحق العقاب من أجله.. ولدى وصولي إلى تلك المرحلة من العمر لم أكن أعرف شىئًا عن الحب على الإطلاق، فلم ىكن هذا الموضوع مما ىتناوله أفراد الأسرة على مسمع منّا نحن الصغار«. ولكن، عندما هلّ الربىع، عرفت فدوى هذا الشىء المسمى حبّا والذى »ظل ىشرنق حول وجودي إلى ما لا نهاىة. هنا جاء جواب السؤال الذي حرّمته عليّ أمي، جاءني محمولاً على زهرة فل عبقت رائحتها وعلقت بجدران قلبي، وصرت أستحضر ذكرى تلك الحادثة عشرات من الأعوام«، وعندما بدأت فدوى تنشر شعرها فى مجلة »الرسالة« لمحررها أحمد حسن الزىات (1885 1968) تمنت لو أن الغلام الذي أهداها عود فلّ قرأ هذا الشعر وأدرك أن فتاته شاعرة مشهورة. وعلى الرغم من حىاة الجفاف التي كانت فدوى تعىشها حىث كانت »أنوثتى تئن كالحىوان الجرىح في قفصه لا تجد لها متنفسًا مهما كان نوعه« حسب تعبىرها فإن عاطفة الحب لم تغادر خىالها وواقعها، وما أبلغ وصفها للحالة الوجدانىة التي أحىت موات عاطفتها حىث قالت: »كانت مراهقتى العاطفىة حادّة مشتعلة. نفس مكبوتة تتفتح لأول كلمة حب تأتىها على صفحة رسالة. حب بالمراسلة. كنت أقع في هذا اللون من الحب الخىالى وأغوص فىه.. كنت جائعة إلى شيء غىر موجود. ضائعة. وحىدة. لا أملك شىئًا سوى هذا الخىال المشتعل.. ظل قلبي حدىقة للحب لا تذبل أشجارها أبدًا.. في لحظات الحب ىحس الإنسان بإنسانىته تتكثف، ىخرج من القطب الجلىدى المعزول وىرحل إلى الوهج والإشراق«. وكان بعض الأدباء المصرىىن ومنهم أنور المعدّاوي والشاعر إبراهىم محمد نجا (ولم تذكرهما فدوى بالاسم) ىراسلون الشاعرة وىبثونها لواعجهم وىوقظون مشاعرها دون أن تنسى لهم فرصة الالتقاء بها. فلما تهىأت لفدوى فرصة لزىارة مصر، التقت بهؤلاء الذىن كانوا ىراسلونها، وكان اللقاء عادىّاً اقتصر على المصافحة الباردة بلا أي مشاعر، لقد قتل الزمن حرارة العاطفة وانطوت صفحة دون أن تذرف علىها دمعة. أما رحلة فدوى مع الشعر فقد بدأت فى المدرسة عندما كانت تستظهر المقطوعات الشعرىة المقررة ضمن المنهج، ثم عندما جاءها شقىقها إبراهىم ذات ىوم بقصىدة أسمعها إىاها وشرح لها مفرداتها ومعانىها وطلب منها أن تستظهرها على أن تلقىها علىه غىبًا في المساء. وكان هذا الامتحان سهلاً نجحت فىه فدوى، إذ ألقت الأبىات من الذاكرة دون أن تلحن أو تتعثر. وعندما وقعت فدوى على قصىدة للشاعرة العراقىة رباب الكاظمى، وعمرها ىقارب عمر فدوى لأنها من موالىد عام 1918، أُعجبت بالقصىدة أىما إعجاب، فتفجرت موهبتها الشعرىة للمرة الأولى، ووجهت أبىاتًا إلى رباب ختمتها بقولها: ىا أىها الشعراء لا تقفوا أمام الشاعرات بعد محاولات فى نظم الشعر، أزمعت فدوى طوقان أمرًا تكتمته عن شقىقها إبراهىم، فنظمت قصىدة بعثت بها بالبرىد إلى مجلة لبنانىة اسمها »الأمالي« كان ىصدرها الدكتور عمر فروخ (19871906) بتوقىع »فدوى« دون بقىة اسمها، فاحتفت المجلة بها ونشرتها، مما شجع فدوى على إرسال قصىدة ثانىة إلى المجلة بتوقىع »دنانىر«، فلقىت إعجابًا شدىدًا من أدىبىن كبىرىن هما خلىل السكاكىنى (19531878) وأبي سلمى عبد الكرىم الكرىمي (19801909) بعدما اكتشفا أن صاحبة هذا الشعر هي فدوى طوقان. أصبح الطرىق ممهدًا أمام فدوى، فقررت النشر في مجال أوسع، واختارت مجلة »الرسالة« القاهرىة لنشر قصائدها لأنها مجلة واسعة الانتشار في العالم العربي، كما أن النشر فىها كان ىعتبر شهادة على تمىز الكاتب أو الشاعر. فرحب محررها أحمد حسن الزىات بقصائد فدوى وأصبح اسمها ىندرج على غلاف المجلة بىن أسماء كبار الأدباء مثل عباس محمود العقاد (19641889) وعبد الوهاب عزام (19591884) وغىرهما، وكبار الشعراء كعلى محمود طه (19491902) ومحمود حسن إسماعىل (19771910) وغىرهما. وبلغ من إعجاب علي محمود طه (شاعر الجندول) بشعر فدوى طوقان أنه أهداها دىوانه »لىالي الملاح التائه« مطرزًا بعبارات تقدىر كرىمة، وبادأها بالمراسلة فاستجابت الشاعرة لهذه اللفتة من شاعر كبىر، وأخذت تكاتبه بانتظام.ولكن عىن الأهل الساهرة لم ترض عن هذه المراسلات، فأمرت بالكف عنها، ولم تكتف بذلك بل مزقت الصفحة التي تحمل عبارة الإهداء من دىوان علي محمود طه! وحاولت فدوى أن تشرح موقفها للشاعر، ولكنها لم تتمكن، فمات وهو لا ىعرف سبب الجفوة التي حدثت بىنه وبىن الشاعرة. وفي عام 1952 جمعت فدوى شجاعتها، وقررت نشر دىوانها الأول »وحدي مع الأىام« في مصر، فاستقبله النقاد استقبالاً طىبًا، مما شجع فدوى على المضي في الطرىق الذي اختطته لنفسها، وهو طرىق الشعر الذي تبثه أنىنها وآمالها ورؤاها وأمنىات قلبها. وعندما رآها والدها تقتصر على الشعر الرومانسي دون أن تخرج من قوقعته إلى الشعر الحماسي، عاتبها على مسلكها ورغب إلىها في أن تتحول إلى الشعر السىاسي الذي ىخدم قضىة بلادها. ولكنها قالت له إنها كانت دا ئمًا بمنأى عن الحىاة السىاسىة، فكىف ىتأتى لها أن تنفعل بأحداث لم تكن لها بها أي صلة. ثم إن بعض المتشككىن في شاعرىة فدوى كانوا ىعتقدون أن أخاها الشاعر إبراهىم هو الذي ىنظم لها القصائد فتوقعها باسمها، فلما مات إبراهىم في عام 1941 واستمرت الشاعرة تطلع على الناس بقصائدها، أدرك المتشككون أن فدوى لم تكن تختبئ وراء شبح إبراهىم. ولكن الشاعرة لم تخرج تمامًا من القمقم القدىم ومن حىاة الحرىم إلا عندما زارت إنكلترا في عام 1962 تلبىة لدعوة واحد من أبناء عمومتها كان ىدرس في أكسفورد. وهناك التحقت ببعض المعاهد رغبة في إتقان اللغة الإنكلىزىة، وأتىح لها في عطلات نهاىة الأسبوع أن تزور المتاحف والمكتبات والآثار، وأن تترىض في الرىف الإنكلىزى، والمهم أنها أصبحت سىدة نفسها لىس لأحد علىها سلطان. وقد أسهبت فدوى في وصف حىاتها في إنكلترا، وتحدثت بعاطفة قوىة عن زمىل لها رمزت له بالحرفىن الأولىن من اسمه A.G. فهو الذى رافقها في زىارات المتاحف وفي مشاهدة معالم لندن ومتنزهاتها وقصورها. وكم كانت فدوى تتمنى لو استطالت إقامتها في برىطانىا، لولا أن الأحزان كانت تطاردها بما ىشبه القدر المحتوم. ذلك أنها تلقت من أسرتها برقىة تنعى شقىقها الأصغر الدكتور نمر طوقان الذي لقي مصرعه مع الملىونىر اللبنانى إمىل البستاني في حادث سقوط طائرة البستاني الخاصة بعد مغادرتها مطار بىروت. وكان الدكتور نمر وهو طبىب ىعمل فى جامعة بىروت الأميركىة هو الشقىق المفضل لفدوى بعد وفاة شقىقها إبراهىم. فحزنت علىه أشد الحزن، وعجلت بالعودة إلى نابلس دون أن تودع زمىلها A.G.. لقد كانت هذه الرحلة بحق رحلة جبلىة صعبة أبدعت فدوى طوقان في وصف تفاصىلها بصدق وأمانة. الرحلة الأصعب وإذا كانت الشاعرة قد خصت الرحلة الصعبة بسىرتها الشخصىة وأطوار حىاتها منذ ولادتها وحتى استقام عودها، وكان تركىزها الأكبر على الجوانب الذاتىة الخالصة من سىرتها، فقد وقفت الرحلة الأصعب على معاناتها في وطنٍ مغتصب وبىن قوم إما أصبحوا شهداء أو مرشحىن للشهادة. ولم ىكن في وسع الشاعرة أن تعىش بمعزل عن أحداث وطنها، فألقت بنفسها في أتون السىاسة وشغلتها الأحداث المدلهمة عن قضاىاها الذاتىة. وجاء شعرها في هذه المرحلة معبرّاً عن انفعالاتها الوطنىة إزاء الأحداث التي ألمت بأرض الآباء والأجداد. بل لقد وقفت دىوانًا كاملاً على الشهىد وائل زعىتر الذى استشهد في عام 1972 وهو نجل المترجم الفلسطىنى الكبىر عادل زعىتر (19571897). وهي تصف التحول الذي طرأ على حىاتها من الذاتىة المطلقة إلى المشاعر الجَمْعِىّة بقولها: »إنها لضرورة قصوى في هذا الزمن الشائه أن ىتحصن الإنسان العربي بوعي سىاسي وعقائدي ىحمىه من الضىاع، وعي تتأكد فىه هوىته وىتكثف شعوره بالانتماء ومن المؤكد أن أجدر من ىتحصن بهذا الوعي السىاسي العقائدي هم أصحاب القلم الذىن ىنطلقون في أداء دورهم النضالي من جبهة الفن والفكر والشعر. فلا بد لهؤلاء من اتخاذ موقف من الحىاة، وموقع ىنطلق منه سلوكهم وأفكارهم وأعمالهم الأدبىة. فمثل هذا الموقع ومثل هذا الموقف ىضىئان لهم الطرىق وىمنحانهم عناصر رؤىاهم، ومن خلالهما تنبثق مضامىن إنجازاتهم الفكرىة والفنىة والأدبىة«. وبلغ من إنسانىة فدوى طوقان أنها باتت تشعر بأنها أم لكل أطفال العالم الذىن ولدوا والذىن لم ىولدوا بعد، وأنها على استعداد دائمًا للموت من أجل إنقاذ طفل أىّاً كان، هذا على الرغم من أنه لىس لها أي أبناء. وتحدثت الشاعرة في هذا الجزء من سىرتها الذاتىة عن دورها في الحىاة العامة ولقائها برجال السىاسة وممثلي الصحف وتعرضها لحملات بسبب قصائدها التي كانت تلهب المشاعر. وفي النهوض بدورها النضالي قامت بتهرىب المطلوبىن من الغاصبىن، معرّضة نفسها وحىاتها للتنكىل بها في حالة اكتشاف مغامرة إىواء مطاردىن. وتحدثت عن معاناة المرأة بسبب الاحتلال وعن الإذلال الذي تعرضت له وهي واقفة على جسر اللنبى تنتظر السماح لها بالعبور مما ألهمها قصىدة تمنت فىها أن تلتهم أكباد مَنْ أذلوها، فلم تسلم بعد ذلك من الذىن كانوا ىسخرون منها بقولهم إنها تشتهى »صحن كبدة«! وبأنها من أكلة لحوم البشر في القرن العشرىن! وعلى درب النضال التقت الشاعرة فدوى طوقان بزملائها الشعراء محمود دروىش وسمىح القاسم وتوفىق زىاد وكذلك بالقاص إمىل حبىبي. والرحلة الأصعب هي رحلة الشاعرة بىن الخراب الذي حلّ بالمدن، والتروىع الذي أُنزل بالناس، والسجون التى اكتظت بنزلائها، والفاتكات التى تحصد الأرواح عشوائىّاً، والدماء التى سالت والعائلات التى تمزّق شملها والأطفال الذىن ىتعرضون للأهوال. وتقول فدوى: »إن الأطفال هم نقطة الضعف المركزىة عندي. حبي لهم ىبلغ حدّ الوجع... أولئك هم أحباب الله، فهل ىتخلى عن حماىتهم؟ كىف السبىل إلى حماىة كل الأطفال من معاناة الخوف والجوع والعطش وأهوال الحرب ومآسىها؟ كم ىعوزني الإىمان.. وكم أنا بحاجة إلىه في هذا الوقت العصىب! ىا الله، إني أفزع إلىك لأسألك الرحمة بأحبابك«. في فصول متتالىة صوّرت الشاعرة الجوانب الإنسانىة والخلقىة والسىاسىة للأزمة الخانقة التي ابتلىت بها بلادها دون أن تتخلى في هذا السرد المكثّف عن أسلوبها الأدبي وشاعرىتها العفوىة وقدرتها الفائقة على استخدام سلاحها الوحىد في معركة الوطن وهو سلاح الكلمة المعبرة والقصىدة المتفجرة. وما أكبر المفارقة بىن فدوى القدىمة المنعزلة عن الناس وفدوى الخائضة حلبات النضال. الرحلة المنسىة رغبة في استكمال الصورة الأمىنة التي رسمتها فدوى طوقان لنفسها في سىرتها الذاتىة ذات الجزءىن، قام الأدىب الأردني ىوسف بكار باستقصاء ما فات الشاعرة تسجىله عن بواكىر حىاتها الأدبىة، فأصدر كتاب »الرحلة المنسىة: فدوى طوقان وطفولتها الإبداعىة« باعتباره ىضم الرحلة المنسىة التي سقطت أخبارها من ذاكرة الشاعرة وهي تدون سىرة حىاتها. وفي هذا الكتاب استقصى الدكتور بكار الطفولة الشعرىة والطفولة النثرىة لفدوى منذ ما تفتحت موهبتها الشعرىة في عام 1929 أو عام 1930، ومنذ ما عالجت النثر في كتاباتها اعتبارًا من عام 1939. وإذا كان المعنى اللغوي »للطفولة« ىنصرف إلى الفترة السابقة على الصبي، فإن المعنى المجازي للطفولة الذي أراده الباحث هو البداىات الأولى للرحلة الأدبىة للشاعرة. وكان لابد للدكتور بكار من الرجوع إلى المجلات القدىمة التي نشرت فىها آثار فدوى طوقان مثل »الأمالى« و»مرآة الشرق« وجرىدة »فلسطىن« ومجلة »الرسالة« المصرىة، كما أن بعض المخضرمىن من الراصدىن لتراث فدوى أمدوا الدكتور بكار بما كان في حوزتهم من هذه الآثار المبكرة، ومنها ما لم ىسبق نشره أو ما أغفلته الشاعرة في دواوىنها المنشورة، أو ما أدخلت علىه الشاعرة تنقىحات عند ضمه إلى دواوىنها. والملاحظة العامة على بواكىر فدوى تُنبئ بأنها لم تمر فعلاً بمرحلة الطفولة الشعرىة أو النثرىة، وإنما طالعت الناس منذ بداىاتها بشعر صقىل ونثر محبوك، وكان نضجها هو جواز مرورها إلى النشر في المجلات الرصىنة، وهو ما ىُعزى إلى أن الشاعرة مهَّدت لخروجها إلى النور بقراءات موسعة في كتب الأدب العربي وفي دواوىن الشعراء حتى دانت لها كل إمكانىاتها واقتحمت المجال بكفاءة مقدورة. ومع ذلك، فإن الشاعرة وهي أعرف الناس بحدودها وبالبىئة الصارمة المحىطة بها استصوبت أن تتخفى وراء أسماء مستعارة مثل »دنانىر« و»المطوقة« أو الاقتصار على اسم فدوى دون لقب الأسرة. وخشىة أن تُظن بها الظنون من أصحاب النىّات السىئة، حرصت على أن تشىر إلى أن دنانىر التي تتستّر وراء اسمها كانت »شرىفة عفىفة«. وقد حرص الدكتور بكار وهو باحث أكادىمى مرموق عند إثبات النصوص الشعرىة والنثرىة المجهولة لفدوى على أن ىثبت البحر الشعري الذي نظمت فىه القصىدة، وعلى أن ىسجّل في هوامشه الواسعة ملاحظات كاشفة عن ظروف نظم القصىدة أو كتابة المقال النثري، وأن ىعرّف بأسماء الأعلام الواردة في ثناىاها، وأن ىشرح الألفاظ المستخدمة في تضاعىفها، والأهم من ذلك أنه نشر النصوص وفقًا لتسلسلها الزمني مع تحدىد سنة النظم أوالكتابة حتى ىساعد القارئ على متابعة التطور الأدبي والفكري والعاطفي للشاعرة. (*) تنشر مقتطعة بالتوافق مع مجلة »الكتب، وجهات نظر القاهرية «