As Safir Logo
المصدر:

صفير كان في الصورة وعون يتريّث »بالتشكيك« والمعارضة ترحّب هل يكون قرار إعادة الانتشار إقليمياً ذا مفاعيل لبنانية؟

المؤلف: خشان فارس التاريخ: 2002-04-04 رقم العدد:9165

وحدهم المتابعون للملف اللبناني السوري، قدموا أمس، ما يملكون من حجج لإدراج الاتفاق بين قيادتي الجيشين في كلا البلدين على إعادة انتشار القوات السورية العاملة في لبنان، إنفاذا ًًًلاتفاق الطائف، في إطار رؤية الرئيس بشار الأسد للعلاقة النموذجية بين دمشق وبيروت التي أعلنها في خطاب القسم. إلا ان القوى السياسية الأخرى، موالية كانت أم معارضة، سارعت فورا الى ربط هذا القرار الذي طالبت به المعارضة بقوة، منذ اندحار الجيش الإسرائيلي في 25 أيار 2000، بالواقع الاستراتيجي المتغير في المنطقة، بفعل التغطية الأميركية للهجوم الدموي الذي يشنّه أرييل شارون على الشعب الفلسطيني. وهكذا انقسمت النظرة التقييمية الى الحدث اللبناني السوري الأبرز، منذ قيام »الجمهورية الثانية«، بين فريق أول يعتبره قرارا محليا ذا مفاعيل إقليمية، وبين فريق ثان يجده قرارا إقليميا ذا مفاعيل محلية. وإذ يبدو من الصعب تحديد الجهة التي يمكن ترجيح كفة منطقها، يكتفي المراقبون السياسيون باستشراف ما يملك كل منهما من مواقف ومعطيات. ماذا يقول الفريق الأول؟ مصدر سياسي مقرب من القيادة السورية يجزم ان للقرار بُعدا مرتبطا بتنقية العلاقة اللبنانية السورية من الشوائب المشكو منها، على أمل تقديمها كنموذج للعلاقات الثنائية بين الدول العربية. ويشير الى ان هذا القرار تم التوصل إليه، في اجتماع المجلس الأعلى اللبناني السوري الذي انعقد خلال الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأسد، لقصر بعبدا، في أوائل آذار الماضي، وعُهد أمر تنفيذه الى قيادتي الجيشين اللبناني والسوري اللتين بحثتا في الحاجة الاستراتيجية لكل منهما، بطريقة تراعي حرفياً ما نصّت عليه »وثيقة الوفاق الوطني« في الفصل الخاص ب»بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية«. ويعطي هذا البند القيادة السورية، لأسباب إقليمية، حق الانتشار في البقاع ومدخل البقاع الغربي في ضهر البيدر حتى خط حمانا المديرج عين دارة. وتستفيد قيادة الجيش اللبناني من إجازة انتشار القوات السورية »في نقاط أخرى، إذا دعت الحاجة، يتم تحديدها بواسطة لجنة عسكرية لبنانية سورية مشتركة، لطلب بقاء نقاط سورية في مواقع حساسة بينها، في بيروت مثلاً، مداخل المخيمات الفلسطينية التي تسيطر عليها، عسكريا ومعلوماتيا، القوى السورية. واعتبر المصدر ان للتوقيت حكمته، إذ انه يأتي مع اقتناع المعارضة في لبنان في هذه المرحلة، الى وجوب تخفيف لهجتها ضد سوريا، لصالح حشد التأييد للشعب الفلسطيني، مما يسحب أي قرار لصالح تنفيذ اتفاق الطائف من خانة التحدي ويضعه في إطار المبادرة. ويضيف أن هذا القرار كان يمكن ان يبدأ تنفيذه، قبل مدة، ولكن عدم إثارة أي نوع من أنواع الشكوك، عشية انعقاد القمة العربية في بيروت، دفع الى إرجاء ذلك بحيث وضع على السكة، فور مغادرة أخر الحكام العرب لبنان. ويشدد المصدر إياه الى ان إعادة الانتشار الجزئي التي نفذت في الثالث عشر من حزيران الماضي، لم يحقق ثماره الإيجابية المرجوة، لأنه لم يتوّج بإعلان سياسي ولا بمناقشة رسمية، إذ بقي في إطار بيان صغير نشرته قيادة الجيش، في حين ان القرار الحالي ينطبق على ما ورد في اتفاق الطائف، شكلا ومضمونا. ويرى ان الهدف المرجو منه هو تعزيز التضامن اللبناني اللبناني، سياسيا واقتصاديا، في المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان أساسا، من دون أي خوف على الثوابت العليا، بعدما تأكدت جهوزية عالية للجيش اللبناني، في حماية الأمن الداخلي والحيلولة دون خرق إسرائيل للمجتمع، والسهر على عدم التضحية بخيار المقاومة. ويختم المصدر بالإشارة الى انه، وإن كان صحيحا، ان هذه الخطوة ترافقت مع المواضيع الإقليمية التي يفترض أخذها بالاعتبار الا ان الحقيقة تشير الى ان القرار اتخذ خلال زيارة الرئيس الأسد للبنان التي أسفرت عن اتفاق سياسي مشترك على وجوب تفعيل المؤسسات اللبنانية السورية وتصحيح كل الشوائب التي تعترض علاقة مثالية بين البلدين، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. ماذا عن الفريق الثاني؟ في الواقع، ما إن أعلن بيان »عاجل جداً« عن رئاسة الجمهورية حول هذا القرار، حتى سرت في صفوف هذا الفريق »تكهنات استراتيجية«. وكادت هذه التكهنات تأخذ المعارضة، ولا سيما المسيحية منها، الى مأزق التشكيك الذي يظهرها وكأنها تعارض أيضا هذه الخطوة. إلا ان القراءة سرعان ما انتظمت واصطفت الى هامش الترحيب، إذ ان المخاوف كانت على صورة المعارضة بحيث قد يسبب لها التشكيك بأنها لا تدري ماذا تريد، فإذا بقي الجيش السوري حيث هو يشكون من فقدان السيادة، وإذا قرر الانسحاب الى حيث يطالبون، تكلموا عن »مؤامرة« تستهدف وطنهم. في التصريحات العلنية لم يكشف هؤلاء عن قراءتهم الاستراتيجية، ولكن في أحاديث »الغرف المغلقة« أشاروا إليها وانقسموا حولها. بعضهم ربط هذا القرار، بأن القيادة السورية تريد ان تتبرأ من تطورات دراماتيكية ستشهدها الحدود اللبنانية الجنوبية، بحيث يتحمّل لبنان لوحده المسؤولية. وعزز هؤلاء تحليلهم بالإشارة الى اشتعال جبهة مزارع شبعا التي يمكن ان تجرّ على المنطقة ردات فعل تدميرية. ويعتبرون بالتأسيس على ذلك، ان إظهار لبنان في هذه الظروف المصيرية، بلدا مستقلا، يهدف الى استغلاله بعدما تم الاطمئنان الى ان القرار السياسي ممسوك، بوسائل أخرى. أما البعض الآخر، فذهب الى عكس ذلك، ورأى ان جبهة لبنان تتجه في المستقبل القريب الى هدوء فعلي، وبالتالي فإن القيادة السورية لا تريد ان تتحمل مسؤولية »التهدئة العسكرية« على الجبهة اللبنانية. يعزز هؤلاء توجههم بالإشارة الى الرسائل السياسية التي بعث بها لبنان الى الولايات المتحدة الأميركية، وبينها التعامل العنيف جدا مع المتظاهرين الذين حاولوا الوصول الى السفارة الأميركية أمس، وتوقيف شخصين من التابعية الفلسطينية بتهمة إطلاق صواريخ الى شمال إسرائيل عبر الجهة غير المتنازع عليها في الخط الأزرق، والدلالة على انهما مقيمان في مخيم عين الحلوة في صيدا. البعض الثالث من هذا الفريق، يرى ان سوريا تلمس ان الشارع العربي عموما والشارع اللبناني خصوصا المعبأ بموقف رسمي تجييشي، قد تفلّت من كل رقابة ومن إمكانيات الضبط، وبالتالي فهي تحتاج الى انكفاء عن تحمل المسؤولية. إلا أن أوساطا فاعلة في المعارضة المسيحية تعمل على تصحيح العلاقة بين لبنان وسوريا، منذ سنوات عدة، رفضت كل التحليلات وقالت ان الترحيب بهذا القرار واجب وطني وقومي، أما إذا كانت سوريا ستستفيد منه إقليميا، فلا ضرر للبنان، لأن المعارضة أكدت منذ الأساس انها تقف الى جانب دمشق في المواجهة الاستراتيجية مع تل أبيب، وان لبنان المستقل هو الذي يفيد سوريا وليس لبنان المنقوص السيادة. وحده العماد ميشال عون مرة جديدة اختار »الخط الثالث«، فتخطى الفريقين على تضارب مواقفهما، وارتأى عدم التعليق لأن المعطيات المتوافرة لديه تمنعه من الترحيب أو التشكيك مما يضطره الى انتظار الإجراءات الميدانية. تريث عون يستحيل ان يتوّج بالترحيب، إلا إذا حصلت معجزة في زمن الواقعية، إذ ان الرجل طالما اعتبر ان الوجود العسكري يجرّح بالسيادة ولكن الوجود السياسي يرهن القرار الحر... فالبداية عنده تبدأ من حيث يستحيل الأمر عند الجميع، وهو »تحرير قصر بعبدا والسرايا الحكومي ومجلس النواب«. ومهما كانت عليه حال القراءة المتنوعة للقرار الذي دخل حيز التنفيذ، ولم يفاجئ اتخاذه البطريرك الماروني نصر الله صفير الذي كان حسب نائب مقرب منه في أجوائه، ربما بفعل الزيارة التي قام بها الأحد الماضي رئيس الجمهورية إميل لحود لبكركي بمناسبة عيد الفصح، لا ينفي عنه الصفة الاستثنائية، لأنه يسحب الشكوى من عدم تنفيذ اتفاق الطائف من التداول، ويقدم لغالبية القوى المعارضة في البلاد عرضاً كبيراً، لمد يدّ العون الى بلد يحتاج بقاؤه على قيد الحياة الى جهد صادق من الجميع.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة