... ويتابع »مهرجان شمس الثالث للشباب« عروضه الاجنبية والعربية المحترفة، تلك التي احتشد بها مسرح بيروت (عين المريسة) خلال شهر آذار الماضي، وذلك مع »رقص على الاموات«*... وهو عرض مسرحي لبناني فرنسي مشترك كما يشير البرنامج المرافق ، انطلاقا من نص كتاب »أربع ساعات في شاتيلا« للكاتب المسرحي الفرنسي المعروف جان جينيه. والكتاب، كما هو معلوم ايضا (صدر عام 1984، عن دار غاليمار الفرنسية)، بمثابة وثيقة أدبية حية وصرخة انسانية (بصوت امرأة وحيدة)، تختلط فيها التأملات بالصور التسجيلية المباشرة، تلك المستمدة خلال الايام القليلة التي تلت المجزرة، ليعكس هذا الكتاب الشهادة، الآثار الكارثية لمجزرة، أراد الكاتب الفرنسي ان يرفعها، عبر نبضه التسجيلي المباشر، الى مصاف التراجيديا المعاصرة، تحية منه لشعب مهدد على الدوام بالابادة والتشرد. ترميز مكثف والعرض المونودراما (ممثل واحد) والمقتبس بحرية كاملة اذا جاز القول، من كتاب جينيه، سوف يجري هذا العرض، على منصة دائرية واسعة، منصة أنزلت وسط خشبة المسرح (مسرح بيروت) لتغطي باتساعها غالبية المساحة تقريبا، وذلك وسط اضاءة غامرة مائلة الى الازرق القاتم... منصة دائرية إذاً، علّق على طرفها المقابل، اي جهة العمق، باب كأنه مفتوح على المجهول... ولسوف بعد قليل تظهر ممثلة العرض الوحيدة (سوسن بو خالد)، وذلك بهيئة هي مزيج مركب من عناصر ودلالات متباعدة عروس، مهرج، جثة ، وكأن المخرجة (كاثرين بوسكوفيتش)، أرادت من خلال هذا الترميز السوريالي المكثف، ان تعدم المسافة ما بين الموضوع والشخصية، تلك الشخصية المختزلة لروح الكارثة المجزرة، والهائمة حتى اللحظة، في فضاء لا نهائي لولبي، وذلك كما منصة العرض نفسها. ارتياب وألفة بعد ذلك، سوف تبدو سوسن جالسة قبالة جهاز تليفزيون (كان قد حجب بقماشة سوداء)، ولسوف يفصح هذا الجهاز بالتدريج عما بداخله: نشرات أخبار محلية عربية وعالمية، اعلانات، أفلام اميركية... الخ. اما سوسن الشخصية فسوف تتعاطى مع الجهاز بارتياب حينا وبانسجام وألفة حينا آخر... ولكن العلاقة هنا سوف تبدو ملتبسة الى حد ما، لا بل فاقدة لمعناها، فلا الارتياب هو ارتياب فعلا، ولا الانسجام هو انسجام، مما يحرم العرض بعض ايقاعه، خالقا لحظات صمت طويلة... وذلك حتى اللحظة التي تشهر فيها الشخصية مسدسها، في محاولة منها للقضاء على التلفزيون، ولكن محاولتها هذه، سوف تبوء بالفشل، ذلك ان المسدس هنا، ما هو سوى ألعوبة (العجز عن الفعل)، اي لا يصدر سوى الماء... في مكان آخر سوف تخلع الشخصية ملابسها ملابس العرس كاشفة عن ساقها، لتبدو مطرزة بالطعنات، اما في مكان آخر ايضا وايضا، فسوف تنتشل هذه الشخصية عصفورا ميتا (طائر الحرية!) من قلب الجهاز... هذا وحتى اللحظة التي تضمد فيها سوسن الجهاز بشاش طبي، لتقوم بعد ذلك بجره بواسطة مرساة، فيبدو التليفزيون عند ذاك اشبه بحيوان كاسر ومريض... وذلك طبعا وسط نصوص ومقتطفات (بصوت عصام بو خالد ومارسيل مانكيتا)، من كتاب جان جينيه عينه... ولسوف يشوب العرض المسرحي على الدوام، كما سبق، لحظات صمت طويلة، لحظات يلتبس فيها الأمر او يتلاشى ، أمر العلاقة ما بين الجهاز والشخصية. ... هذا وينتهي العرض بأن تتداعى المنصة، بعد ان تكون الشخصية قد حزمتها بالحبال. وذلك كعلامة اخيرة على الكارثة، تلك التي ما نزال نعيش اصداءها وآثارها المدمرة منذ تاريخها... لبس »رقص على الاموات« عمل مسرحي لبناني فرنسي مشترك، يحمل بالتأكيد بعض عناصره القوية، ولكن الموضوع نفسه، وما يتضمنه اساسا من لبس على المستوى السياسي، بدا هذا الموضوع، من خلال معالجته المسرحية كما شاهدناها، ضائعا ما بين بربغندا سياسية، وبين وجهة انسانية... اما على مستوى آخر، فيبدو العرض قابلا للتغيير والتعديل والتطوير، ما دام في الآساس، نتاج ورشة عمل مسرحية ابداعية. * تمثيل: سوسن بو خالد، اخراج: كاثرين بوسكوفيتش. عاونها في الكتابة: فيليب شاتو. اخراج فيديو: ستيفان غومبير، سينوغرافيا: حسين بيضون. حكواتي: عصام بو خالد، مارسيل مانكيتا. أزياء: شانتال روسو. تصميم اضاءة: كريستوف غيارمي. انتاج (Collectif 21)... كما وتجدر الاشارة الى ان »رقص على الاموات«، سبق لها ان قدمت في مون لاجولي فرنسا، كما وفي قرطاج تونس، وذلك خلال العام 2001. هذا وسوف تكون هناك جولة جديدة للعمل، في سوريا والاردن، وذلك خلال الاشهر القليلة المقبلة.