As Safir Logo
المصدر:

المسألة الأمازيغية بين الجزائر والمغرب

المؤلف: سعادة وسام التاريخ: 2002-03-22 رقم العدد:9156

قرار الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بتحويل اللغة الأمازيغية لغة وطنية معترفا بها دستوريا هو بلا شك اهم تعاط ايجابي مع ابرز مطالب حركة الاحتجاج في منطقة القبائل حتى الساعة. عربيا، يعد القرار سابقة تجاوزية لما اعتمد من مفهوم للدولة القومية قوامه التجانس الثقافي. مغاربيا، يطرح الامر سؤالا حول المنحى الذي تتخذه المسألة الامازيغية بعد كل مستجد في صددها، ان في الجزائر او المغرب، وما اذا اقتصر هذا المنحى على الجانب اللغوي الثقافي او ارتدى شكل مطالبة بحكم ذاتي او امتد اكثر فأكثر باتجاه »الامزغة الشاملة« والطرح القومي الاقليمي. اختار بوتفليقة ترسيم الامازيغية في الجزائر. لم يعد الامر بحاجة الى استفتاء وطني كما كان مقررا في السابق، والتعليل الرسمي الخشية من نتيجة تصويت سلبية. علامة استفهام تطرح بذلك عن علاقة الحقوق الثقافية بالسياسية والترسيم بقضية الديموقراطية. يتضح الامر اكثر حين نعلم ان بوتفليقة اناط بالدولة واجب وضع السياسات الضرورية لتحقيق انسجام الامازيغية، ذلك ان المسألة اللغوية في الجزائر يصعب اختزالها الى ثنائية عربية بربرية بل هي تتعلق بعدد من المناطق واللهجات البربرية. الاختلاف الثقافي والسياق المغاربي ازمة الجزائر هي في الاساس ازمة فشل النظام السياسي في ان يؤمن للمجتمع دولة منسجمة مع الواقع الوطني للبلاد. تأتي المسألة الثقافية في هذا المضمار لتستجوب الشخصية الجزائرية في تعريفها التقليدي لنفسها منذ عقود. كذلك يتقاطع الاختلاف السياسي مع الاختلاف الثقافي. هذا الاختلاف الثقافي هو حقيقة واقعة في الجزائر شأن غيرها من المجتمعات العربية، غير ان الاختلاف الثقافي يتوزع هو نفسه درجات ويفترق من حيث الماهية والحدة وشكل الارتباط بالسياسة من بلد الى آخر. ثقافية الاختلاف يمكن ان تحيل الى عناصر تتصل بالدين او اللغة او القومية. قد تجمع اكثر من عنصر او تكتفي بواحد، وبالتالي وجب النظر الى كل حالة اختلافية ثقافية بمفردها والتروي قليلا عند المقارنة. تسير اعادة انتاج النمط الهويتي التضامني لجماعة ما في علاقتها مع السلطة المركزية في تربة متشابكة يصعب اغفال حركية عناصرها. لذا فإن الاختلاف الثقافي حين يقارب في وضع الجزائر او المغرب العربي يستدعي في آن واحد تعيين الجذر التاريخي للمشكلة على قاعدة حضور الماضي في الحاضر وليس العكس (فلا يصار الى رد المسألة برمتها الى ارث الاستعمار ولا يعمد في المقابل الى تبرئة السياسات الفرنسية في شمال افريقيا) وتعيين كيفية تميز الاختلاف الثقافي المغاربي عن غيره وداخل المغرب العربي نفسه. نحن في عصر يطرح على جدول اعماله وبإلحاح امكان الربط بين حقوق الافراد وحقوق الجماعات، وبين الحقوق الثقافية والحقوق السياسية، وفي ما يعني الديموقراطية بين المشاركة والتداول. كل ذلك يستوجب اعادة بحث مسألة الاقليات الثقافية والقومية في العالم العربي بما لها وما عليها. لم يعد التعامل الطمسي الذي ينفي وجود الأقلية او يسحب خصوصية تاريخها دمجا او تجويفا يجدي نفعا. بحث مسألة الأقليات مغاربيا يتعرض رأسا للتلازم اليعقوبي التعسفي بين الدولة الامة والدولة اللغة وهو التلازم الذي ترجم فرنسيا في البداية من خلال اضطهاد اكثر من لغة في فرنسا مثل البروتون والباسك واللانكدوك. الا انه يجدر بنا التردد قليلا قبل طرح المسألة من موقع ثنائية قومية وكأنها مواجهة بين مضطهدين عرب ومضطهدين غير عرب. القبائل: خصوصية لغوية مناطقية الاختلاف الثقافي لا يشطر الجزائر ثنائيا. هناك اختلاف مناطقي لغوي يرتبط بإرث وحاضر السياسة غير ان القضية الامازيغية في هذا البلد هي بالدرجة الاولى قضية منطقة القبائل. ليست قضية يتواجه فيها مجتمعان بقدر ما يتواجه فيها المجتمع القبائلي مع السلطة المركزية. تحضر في هذه المواجهة المطالبة اللغوية كأولوية برنامجية، فمؤسسات الدولة الحديثة المنسوخة عن اليعقوبية الفرنسية راحت بعد الاستقلال تحل الوحدانية اللغوية العربية مكان الفرنسية (بعد ان كانت العربية »لغة اجنبية« ايام الجزائر الفرنسية). الاندفاع التعريبي همش الثقافات التقليدية ورفض ان يعطي البربرية وجودا رسميا مستبقيا اياها ضمن حدود الاستخدام اليومي الشفهي. ما تطالب به القبائل اليوم هو ان تكون لغتها الأم معترفا بها رسميا في منطقة يجهل الكثيرون من ابنائها العربية وبالتالي يحكم عليهم التعريب بالتهميش عن الحياة الوطنية في حين ان اقرباء لهم ساهموا في تحرير البلاد وبناء الدولة الوطنية. كما لا يمكن القول بعلاقة سببية بين الاعتراف الرسمي باللغة الأمازيغية في المناطق البربرية وبين تهديد الطابع الوطني للغة العربية، يتعذر اختصار المسألة في صراع عربي بربري. ليس كل البربر قبائليين. القبائلية لهجة بين اخرى، واللعبة السياسية متأثرة تاريخيا بالتناقض بين البربر القبائليين والبربر الشاويين. يتميز الشاويون تاريخيا بتقبل نوع جزئي من التعريب وبتحالفات انشغلت بمنافسة القبائل، كما ان الشاوية لعبت دورا اساسيا في رسم معالم الشخصية الجزائرية التي يرمز اليها ابن باديس (وهو من الشاوية) الذي ربط العامل الديني الاسلامي بالعامل اللغوي العربي كمكونين للهوية. انتقل بربر القبائل من موقع حيوي في قيادة الحركة الوطنية الجزائرية ضد المستعمر الى التهميش على يد ثنائية العرب والشاوية. هذا ما حدث مع مصالي الحاج ثم تكرر في جبهة التحرير واستتبع بعد الاستقلال انتفاضة آيت احمد القبائلية »وجبهة القوى الاشتراكية«. اليوم تتبدل الأوزان السياسية. تتضح ازمة السلطة عشية انتخابات ايار التشريعية المقررة وتستمر حركة الاحتجاج القبائلية مدرجة جملة مطالب من ترسيم اللغة الى محاسبة المسؤولين عن القمع وانسحاب قوات الدرك وصولا الى الاتفاق حول اللامركزية. ما جرى هو ترسيم اللهجة القبائلية لغة وطنية ثانية الى جانب العربية. هذا يطرح مشكلة تتجاوز العرب الى اصحاب اللهجات البربرية الاخرى من شاوية وموازبية (وللموازب خصوصية مذهبية اباضية) وطوارقية (وهذه تتفرد بالابجدية) وزناتية وشرشالية وذشريسية. هذا التعدد هو جزء من التعددية الثقافية، فهل يكون حل مشكلة الوحدانية اللغوية وحدانية ضمن اللهجات البربرية؟ يوضح الامر اطروحة محمد عابد الجابري في ان »الآخر« بالنسبة الى اي قبيلة او فئة من قبائل البربر غالبا ما يتحدد بإحدى القبائل او الفئات البربرية وليس العربية. المسألة تبقى كيف تعالج قضية الحقوق الثقافية دون ان يسحب من جماعة ما يعطى لأخرى؟ قضية القبائل لغوية مناطقية ترتبط بأزمة سياسية شاملة لم تتجاوزها الجزائر. النموذج القبائلي في الاختلاف الثقافي متميز على الصعيد البربري المغاربي بشكل عام. وان كان طابع المواجهة الدامي الذي يحضر فيه هذا النموذج بمثابة محرك لعدد من الحركات الامازيغية البعيدة عن منطقة القبائل (لا سيما في المغرب). من ناحية اخرى يختلف النموذج القبائلي عن النموذج الكردي. بخلاف الكردية ليست القبائلية لغة قومية. ليست لغة كل البربر. المغرب بين سؤال الهوية والمعالجة التربوية تتعدد اللهجات في المغرب ايضا غير ان الطابع الجزائري للمواجهة بين منطقة وسلطة مركزية لا يتكرر على النحو نفسه. اقصى ما يمكن توقعه من الحركية القبائلية في الجزائر قد يدخل دائرة المطالبة بالانفصال، اما في المغرب فان الميل الاقصوي للحركة الامازيغية يظهر في احيان كثيرة مطالبة باعادة امزغة جذرية للشخصية الوطنية والمجتمع والدولة. ترصد الحركية الامازيغية في المغرب ما يحدث في القبائل الجزائرية. رأينا في العام الماضي كيف نزلت الى الشوارع تضامنا. اليوم ايضا ثمة استقبال ايجابي في اوساط الامازيغ المغربيين للترسيم في الجزائر. يترجم ذلك عند البعض مثل حسن بلقاسم دعوة الى ترسيم الامازيغية في المغرب ايضا، او تصل المطالبة عند آخرين مثل احمد مدغرني بأن يتضمن الاستفتاء عن اللغة في اي بلد من افريقيا الشمالية سؤالا عن العربية كونها ليست لغة اصلية في المنطقة. يصل الصخب الامازيغي في مناسبات عديدة الى رفع شعار »العرب خارجا«. التعاطي الملكي والرسمي يبقى في دائرة الاستيعاب. كما ان اقصى المطالبة »اعادة امزغة المغرب« فان الاستيعاب يتم من خلال ايثار »البعد الوطني« للمسألة. مثال على ذلك ما اقدم عليه الحسن الثاني عام 1994 من اقرار الامازيغية كلغة تدريس على الأقل في المرحلة الابتدائية، وتكلمه عن لهجات ثلاث تشكل مكونات الاصالة الوطنية. ثم جاء تأسيس محمد السادس للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية (IRCAM) ليعمق هذه »المعالجة التربوية« التي تبذل جهودا لتعويم الامازيغية كلغة وثقافة بين كل المغربيين دون استثناء، بوصفها »شكل تعبير جماعي عن وحدة التاريخ المشترك والهوية الوطنية«، وبحيث »لا يمكنها ان تكون في خدمة اغراض سياسية من اي نوع«. الامازيغ اليوم هم ثلث سكان المغرب والجدل الحاصل يربط المسألة اللغوية بالسياسية كما يربطها بكون الامازيغية رافعة للعلمانية والفرنكوفونية في المجتمع. المعترضون على الامزغة ينظرون الى القضية »كتفكيك للنسيج القومي« ويعودون الى التنديد »بالظهير البربري« الصادر عام 1930 في ظل الاستعمار والذي اعتبرته الحركة الوطنية في حينه ضد وحدة المجتمع واسلامه. طاقات كثيرة توظف اليوم في السجال التاريخي. الناشطون الامازيغ يرون في الظهير »اسطورة مؤسسة« للحركة الوطنية فيدعون الى التصويب التاريخي للحقوق من خلال التصويب الحق للتاريخ. »الظهير« لم يحمل كما يعلنون اي منحى في اتجاه »كيانية امازيغية« بل جاء يكرس استقلالية قضائية كانت موجودة فينظم عمل المحاكم ذات الاعراف البربرية. اما معارضو الامزغة فيشكلون استمرارية تاريخية للتظاهرات التي خرجت تندد بالظهير في الثلاثينات بوصفه مناقضا للاسلام لأنه يخرج البربر من احكام الشرع لا سيما في ما يتعلق بالاحوال الشخصية وقانون العقوبات ولما يلحظه من ربط محاكمهم بالفرنسية منها. ويبدو ان الاسلاموية هي التي تقف اليوم معترضة سواء بسواء على الامزغة او على اعطاء حقوق ثقافية للامازيغ. يظهر ذلك في كتاب الشيخ عبد السلام ياسين زعيم جماعة العدل والاحسان »حوار مع صديق امازيغي« والذي يعتبر القضية »نزعة شيطانية مغربة ذات نعرة على هوية الاجداد والجدات الجاهليين، وهي تعبير عن سلوك امازيغي تمزيقي«. لا يقتصر الامر عنده على تسييس القضية، طابعها اللغوي هو ايضا مرفوض: »من كفر باللسان العربي فقد كفر بالله«. الامازيغية الجاهلية، امازيغية كسيلة ويوغارطة، امازيغية العلمانية والفرانكوفونية هذا ما يواجهه المعترضون الاسلامويون من دون اغفالهم امازيغية المهدي بن تومرت ومحمد المختار السوسي الاسلامية. خلاصة ليس من مصلحة العملية الديموقراطية، ولا من مصلحة استكمال العملية الديموقراطية بالحقوق الثقافية، ان يبقى الجدل اسير تطرف دعاة امزغة المجتمع ودعاة وأد الامازيغية فيه. بين المغرب والجزائر يبقى التعثر في حل مشكلة الهوية والثقافة بمثابة التعبير الأمثل عن محدودية العملية الديموقراطية في بلدين عربيين تقدما اكثر من غيرهما في هذا المضمار وبقي امامهما الكثير. وعلى المستوى العربي يبقى وهما ان التعامل السليم مع مسألة الاقليات يحتاج الى نبذ فكرة القومية، ويبقى خطأ النظر الى القومية العربية كقومية اثنية في تعريفها. انها قومية حضارية متعددة ثقافيا واقليميا تكون او لا تكون.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة