في إطار »مهرجان شمس الثالث للشباب«، الذي تحييه »الجمعية التعاونية الثقافية لشباب المسرح والسينما«، عُرضت مجموعة من الأفلام السينمائية للفنان السوري بسام كوسا، في »صالة مونتاني« التابعة ل»المركز الثقافي الفرنسي«، يومي الأحد والاثنين الفائتين، في السابع عشر والثامن عشر من آذار الجاري. الأفلام المختارة، التي عُرضت بحضور الفنان كوسا وزوجته، هي: »كومبارس« لنبيل المالح، »نسيم الروح« و»ليالي ابن آوى« لعبد اللطيف عبد الحميد، »تراب الغرباء« لسمير ذكرى. بالاضافة الى فيلمين روائيين قصيرين من إخراجه، هما: »سهرة مهذّبة« و»دواليك«. يُذكر أن كوسا نال عددا من الجوائز، منها: أفضل ممثل عن دوره في »كومبارس« من »بينالي السينما العربية« في »معهد العالم العربي« في باريس، في العام 1994، أفضل ممثل عن دوره في »آخر الليل« (فيلم تلفزيوني) من »مهرجان القاهرة الثاني للتلفزيون« في العام 1996، أفضل ممثل عن دوره في »المتبقي« من مهرجان طهران في العام 1998، أفضل ممثل عن دوريه في »نسيم الروح« و»تراب الغرباء« من »معهد العالم العربي« أيضا، في العام ألفين، وغيرها. حسنا فعلت »الجمعية التعاونية الثقافية لشباب المسرح والسينما (شمس)«، باختيارها الفنان السوري بسام كوسا للاحتفال بنمط سينمائي سوري مختلف. ذلك أنها قدّمت، بذلك، تنويعا سينمائيا لا يزال لغاية اليوم يُعتبر من أبرز ما أنتجته السينما السورية في تسعينيات القرن المنصرم. ففي مواجهة التراجع الكمي (والنوعي أيضا) في النتاج البصري السوري، الذي شهدته السينما السورية مؤخرا، كان لا بدّ من استعادة عناوين مهمة، ساهم أصحابها في موازنة البنية الدرامية بالشكل الجمالي، بحثا في الذات الانسانية، وفي الخلفية السياسية والاجتماعية والأخلاقية والروحية التي ترتكز عليها هذه الذات. إن مشاهدة أفلام على مستوى »ليالي ابن آوى« و»كومبارس«، مثلا، تدفع باتجاه استعادة لغة فنية تكاد تفقدها السينما العربية. لغة أفضت الى اختراق المحرّمات، من دون الإساءة الى الذوق العام. وساهمت في تفعيل الجرأة الفكرية، المُغلّفة بنسق فني رفيع المستوى، في مواجهة مأزق التخلّف والرجعية والانهزام. أضف الى ذلك، أن فيلما تاريخيا مثل »تراب الغرباء«، حرّض بعض متذوّقي الفن على إعادة طرح سؤال الصراع الدائم بين التنوير والظلامية، من خلال شخصية المفكر السوري المنفتح عبد الرحمن الكواكبي، على الرغم من وقوع الفيلم في مطبّات درامية مسيئة للعمل وللشخصية معا (إيقاع سردي بطيء، تغييب بعض الحقائق الضرورية في نهاية حياة الكواكبي، غياب التكثيف الدرامي، وغيرها). أما »نسيم الروح«، فيبقى مجرّد حكاية إنسانية شفّافة عن الحب والصداقة والخير، وإن اتّسمت المعالجة بشيء من التبسيط والشفافية العادية. في المقابل، قدّم بسام كوسا، في الأعوام القليلة الماضية، أكثر من فيلم روائي قصير، كمخرج وكاتب سيناريو، منها الفيلمان اللذان عُرضا في »المركز الثقافي الفرنسي«، بالتعاون مع »الموسم الثقافي العربي«: »سهرة مهذّبة« و»دواليك«. فيهما قسوة العزلة والاحتضار، وعنف الموت المبطّن في زوايا الذات والعقل، وبؤس اليومي. ما أثارني في الفيلمين هذين، قوة الصورة في إبراز الجانب المعتم من الذات البشرية. ففي »سهرة مهذّبة«، شخصية واحدة (فارس الحلو) اختزلت البؤس والقلق والحصار النفسي. وفي »دواليك«، احتضار عجوز رافض للموت يؤدّي الى سلسلة لقاءات صامتة مع شخصيات متوترة وخائفة ومتعطّشة للخلاص. بدايات فنية جاء بسام كوسا الى التمثيل (ثم الاخراج) السينمائي والتلفزيوني من تجربة مسرحية ودراسة تشكيلية (نحت) أكاديمية. في لقائه مع »السفير«، قال كوسا إن »هناك ما له علاقة بالمسرح، في البدء. ناهيك عن الاهتمامات الطفولية بالرسم، إذ إن الغالبية الساحقة من الأطفال تمارس هذه »الهواية«. بدايات طبيعية كأي طفل آخر. ذلك أن الظرف الذاتي موجود لدى الجميع، في حين أن ظروفا أخرى يواجهها المرء في طفولته تؤدّي به الى خيارات معينة: إما القضاء على الموهبة الفطرية، وإما السعي الى تنميتها وتطويرها«. أضاف كوسا أن »مئات المواهب تُقتل في النفوس الطرية، بسبب ظروف مخالفة أو تحدّيات بائسة. يوميا يشهد العالم »موت« فنانين في بداياتهم، حين الموهبة لا تتطوّر، والبذرة الصغيرة لا تجد من يسقيها«. من الرسم الطفولي الى المسرح المدرسي، بدأ بسام كوسا طريقه الفنية »الشائكة«: »شيئا فشيئا تجد الدائرة تتّسع، وربما من دون أن تنتبه اليها. بدأت التمثيل في المسرح المدرسي، ثم انتقلت الى مسرح الهواة فالمسرح الجامعي. هكذا تبدأ علاقتك بالآخر، أي بالمُشاهد. ومن بين المُشاهدين، اختصاصيون ينتبهون اليك، وينظرون الى أدائك بعين مجرّبة. في المرحلة تلك، التقيت بعض هؤلاء الذين عرضوا عليّ أعمالا درامية مختلفة، خصوصا لحساب الشاشة الصغيرة. في حين أن الدور السينمائي الأول لي كان صغيرا في فيلم »حادثة النصف متر« لسمير ذكرى«. لا يميّز كوسا، كثيرا، بين أنماط التعبير الابداعي. يرى أن لكل جانب ابداعي »أداة تعبير ضرورية لا يُمكن الاستغناء عنها، أكان ذلك من خلال الفن التشكيلي أو الرواية، مرورا بالشعر والمسرح والكتابة والشعر وغيرها. هذه بانوراما كاملة أرى أن الأمّة، أية أمة، بحاجة اليها. لا يُمكن الاستغناء عن جزء منها. لكن كل نوع من الأنواع تلك يحتاج الى مناخ يساعده على التطور، وعلى إثبات وجوده وقدرته على التعبير. أحيانا، يؤدي المناخ الموجود الى القضاء عليه«. بالنسبة الى الفن الدرامي، فهو »فن وافد الينا. لا يملك المسرح جذورا له في منطقتنا. بعض المسرحيين يؤكّدون عكس ذلك، باستنادهم الى مسرح الحكواتي أو خيال الظل أو حتى عاشوراء كمظهر مسرحي ما. شخصيا، لا أؤمن كثيرا بكلام كهذا. الأنواع المذكورة، أو الظواهر تلك، أكانت دينية أم فنية، لا تملك في داخلها عنصر الجدل. الحكواتي بقي كما هو، الى إن اختفى (تقريبا). عاشوراء كطقس مسرحي لم يتطوّر، بل ظلّ كما كان. على نقيض الاغريق وما أنتجته مخيّلتهم الابداعية، حين أسّسوا المسرح في إطار شكلي معين، راح يتطوّر تدريجا، الى أن أصبح على ما هو عليه اليوم. من هنا، أرى أن التمثيل فن وافد، أي جديد. بدأ بالظهور عندنا في القرن التاسع عشر، في حين أن له جذورا عميقة في التاريخ، في أوروبا، مما يعني أن له تأثيرا مختلفا«. الى ذلك، أضاف كوسا أن لا جديد في ما يقوله، مؤكّدا على أن »الفنون كلّها ترتبط ببعضها البعض (الشعر بالسينما، الرواية بالمسرح، الرسم بالموسيقى...). الفن التشكيلي عنصر أساسي وفعّال في المسرح والسينما والتلفزيون. الأدب الروائي له تأثير كبير على السينما أيضا. الفنون تتقاطع فيما بينها، شئنا أم أبينا. إلا إذا قرّر أحدنا قطع العلاقة، كأن يرفض الاستعانة بالرواية في عمله السينمائي، مثلا«. التلفزيون سيّد الموقف من ناحية أخرى، وافق بسام كوسا على مقولة التأثير الكبير للتلفزيون. غير أنه علّل ذلك بالقول »إننا أمّة متخلّفة، إذ إن تأثير الشعر أو الفن التشكيلي أو المسرح عليها، ضعيف للغاية. التلفزيون، في حالة كهذه، بات البعبع الضخم، الذي فرض سيطرته على الجميع. بات السيّد الآمر الناهي. السهل والسطحي. الاستهلاكي أيضا. استفاد كثيرا من التطوّر الكبير الذي عرفته وسائل الاتصال في الربع الأخير من القرن الماضي، مما سمح لها (أي لوسائل الاتصال كلّها، وتحديدا للتلفزيون) قدرة الوصول الى أكبر شريحة ممكنة من الناس. أضف الى ذلك، أن ظروفا اقتصادية وسياسية واجتماعية حصلت في الفترة نفسها، في دول العالم الثالث، دفعت الناس الى »عزلة« المنازل، مما ساهم في ارتفاع قوة حضور التلفزيون في حياتهم اليومية، أي قوة تأثيره عليهم. لم يعد المرء يرغب في الخروج من منزله الى الصالة، لمُشاهدة فيلم أو مسرحية. لم يعد المسرح أو السينما من همومه. عوامل كهذه منحت التلفزيون، كوسيلة اتصال بما فيها من ايجابيات وسلبيات، سيطرة شبه كاملة على المشهد العربي. كما أن الدول، بشكل عام، تحتاج الى منابر لها تنقل خطابها الى الجمهور. أي إن السياسات تحتاج الى أصوات عالية لإيصال كلمتها، فإذا بالتلفزيون يقدّم نفسه كوسيلة اتصال سهلة ورخيصة، فتمت السيطرة عليه من قبل السياسات تلك، وباتت الساحة ملكا له. لهذا، أصبح التلفزيون، كمساحة إعلامية، سيّد الموقف حاليا. لكن المجتمعات المتحضّرة والمتطوّرة نسبيا، التي لا تزال تولي »الفنون النبيلة« اهتماما لافتا للنظر، قادرة على التعبير عن نفسها، كما عن رغباتها وأحلامها وهواجسها وهمومها، من خلال الفنون الأخرى. هذا نقيض ما نحن عليه. إذ إن الدول الضعيفة تستسلم للأقوى، دائما. والتلفزيون، حاليا، أقوى وسيلة اتصال عندنا، فباتت السيطرة له. والمؤسف أننا استسلمنا له«. على الرغم من ذلك كله، وفي حوار صحافي آخر (»نداء الوطن«، 24 كانون الأول 1997)، قال بسام كوسا إنه يعمل في التلفزيون لأسباب عدة، منها: »الانتشار الذي لا تحقّقه السينما. فمعظم نجوم سوريا جاءوا من التلفزيون الى السينما، وليس العكس. أي بعد أن صنع التلفزيون أسماءهم، أولا. ثم هناك فرص التجريب: أنا أجرّب عددا من الشخصيات في زمن قليل«. وردّا على سؤال عما اذا كان التجريب في شروط غير صحيحة يُمكن أن يعطي نتائج صحيحة، قال كوسا: »نعم، فالأمر يخضع لفهمي الشخصي لمسألة التجريب. التلفزيون ليس غاية. غايتي اكتساب التجارب. من خلال التجارب هذه يُمكنني تحقيق نتائج جيدة. النقطة الثالثة في ايجابيات التلفزيون: إنه يحقّق لي توازنا اقتصاديا. أتبنّى وجهة نظر زهير بن أبي سلمى، بأنه في الدنيا شرّ مطلق، والخير هو مدى مقاومتنا لهذا الشر. إنه قول معاصر، يدفعنا الى العمل المستمر«. غير أن »انتصار« التلفزيون لم ينتج، فقط، من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية. انكفاء الجمهور عن الصالات السينمائية، مثلا، مردّه غياب العمل السينمائي المتميّز، القادر على لفت نظر المُشاهد، وتحريضه على المُشاهدة: »برأيي، تقع المسؤولية على الجميع. الكل معني بهذا الأمر. لا يكفي أن تصنع فيلما جيدا، إذ إنك بحاجة الى وسيلة تواصل مع الجمهور: قاعة عرض جيدة، مقاعد مريحة، آلات عرض متطورة. هذا شكل من أشكال الدفاع عن السينما. فالصراع دائم بين السينمائيين وصنّاع التلفزيون. من وسائل الدفاع الأخرى عن السينما: إدخال نظام »دولبي« على الصوت. الصورة المقعّرة. تقنيات جديدة تشكّل مع بعضها البعض وسائل دفاع عن السينما. إذ إن السينما، بحدّ ذاتها، كلمة مجرّدة. لذلك كله، لا يكفي أن تصنع فيلما جيدا. أنت بحاجة ماسة الى صنع وسائل اتصال وتواصل مع الجمهور، تكون جيّدة ومتطورة. عليك أن تبتكر أشكالا مختلفة تغري المرء بالذهاب الى الصالة لمشاهدة فيلم سينمائي. أشكالا تسمح للمرء في مُشاهدة ما لا يُمكن مشاهدته بواسطة أشرطة الفيديو أو المحطات الفضائية. للأسف، نحن لا نملك، حاليا، »الدفاعات« هذه«. الشكل البصري والشخصية التاريخية في فيلمه الروائيين القصيرين، »سهرة مهذبة« و»دواليك«، حضور قوي للقسوة والعزلة والموت. كأن هناك رغبة في مواجهة الموت بلعبة الحياة: »ليس فقط في الفيلمين القصيرين، بل في مجموعتي القصصية أيضا (نص لص). هذه وجهات نظر، في النهاية. ثم إن الدنيا كلّها تواجه الموت كحقيقة كلّية. من الموت، يخرج جزء صغير، ربما. فالولادة تتم من الموت. أرى الموت حقيقة واحدة. أصلا، لا أقول جديدا في المجال هذا، إذ إن كثيرين قبلي قالوه واشتغلوا عليه. البشرية كلّها عالجت الموضوع نفسه، من المعلمين والأنبياء، الى المثقّفين والحكماء والناس العاديين. الهم الوحيد للجميع هو الموت. والموت حقيقة كلية، في مقابل كل شيء آخر: العدالة نسبية، الديمقراطية نسبية، الأمان والسعادة وغيرهما أيضا«. من ناحية أخرى، تشابه الفيلمان الروائيان القصيران بارتكازهما على وحدتي الزمان والمكان: »ببساطة، أرى أن الموضوع يفرض الشكل، يفرض الصيغة البصرية. الموضوعان في الفيلمين القصيرين فرضا الشكل الذي رأيته، أو الذي افترضت أنه الأنسب. بالتالي، اذا توفّرت وحدتي المكان والزمان في الفيلمين، فلأن الموضوعين تتطلّبا ذلك«. في »تراب الغرباء« لسمير ذكرى، مثّل بسام كوسا دوره التاريخي الأول على الشاشة الكبيرة، بتأديته شخصية المفكّر الحلبي المتنوّر عبد الرحمن الكواكبي. كيف كانت علاقته بالشخصية؟ »الكواكبي شخصية تاريخية عرفناها منذ نحو مائة عام فقط. أي إن التاريخ، هنا، قريب نسبيا. أما الاتكاء الأساسي فكان على ما كتبه الكواكبي، وعلى ما كُتب عنه. أضف الى ذلك أهمية الاتصال بأحفاده، وإقامة علاقة بهم، والبحث في وجهات نظرهم إزاءه، إذ لديهم اختلاف واضح في ارتباطهم بهم، وفي علاقتهم معه. هناك، أيضا، العودة الى المرحلة التاريخية، التي عرفت نهضة ثقافية وفكرية مهمة في تاريخنا العربي. هذه كلّها مرجعيات ضرورية، ساعدتني وسهّلت لي أمورا كثيرة. ثم إن الشخصية ليست غائمة. بمعنى أنه يُمكن التقاطها، والتقاط نمط تفكيرها. بالنسبة الى الشخصيات التاريخية، يُمكن الاتكاء دائما على ما تركته من أثر تاريخي، أو ما تُرك عنها«. في السياق نفسه، قال كوسا إن الاصطدام مع المخرج، بسبب وجهات النظر المختلفة، أمر عادي: »لكل واحد منا نظرة مختلفة عن الآخر. لكن نقطة الخلاف الأهم تمحورت حول »مسألة الإيقاع«. بدا الإيقاع أحيانا بطيئا في صنع مشهد ما. لم أكن أميل الى هذا النوع من العمل، خصوصا حين يتعلّق الأمر بمسألة حارة (كالتنوير والصراع مع الظلاميين). عليك الانتباه الى كيفية ايصال »المسألة الحارة« الى المُشاهد، من دون الانتقاص من حرارتها وقوتها. في مواضيع كهذه، عليك أولا أن تضبط الايقاع وتدخله في سياق تصاعدي، وأن تكمل دائرة حياة الكواكبي حتى اللحظة الأخيرة: برأيي، كان يجب أن ينتهي الفيلم بموت الكواكبي مسموما في القاهرة، التي لجأ اليها هربا من البطش في مدينته، وبهدف طبع كتابه »طبائع الاستبداد«. المشهد موجود في السيناريو، لكن أسبابا عدة حالت دون تنفيذه، وبالتالي لم تقفل الدائرة. إن عدم استكمال الدائرة بالشكل المطلوب، ووقوع الإيقاع، غالبا، في البطء، سبّبا نفورا لدى المُشاهد، وجعلاه أقلّ حماسا وتعاطفا مع الشخصية والعمل«. لم يشأ بسام كوسا الدخول في التفصيلات الأخرى التي حالت دون تصوير الخاتمة التي يريد. لكنه أجاب على سؤال العلاقة بين عائلة الشخصية التاريخية والعمل الفني المزمع تنفيذه عنها، فقال إنه لا يحق للعائلات التدخّل في إنتاج عمل يتناول السيرة الحياتية أو المهنية أو الفكرية لهذه الشخصية التاريخية أو تلك: »السبب بسيط للغاية: باتت هذه الشخصيات مرتبطة بذاكرة الأمّة، أي إنها ملك الناس. أعتقد أنه يحقّ للعائلة، اذا لم تعجبهم المادة المشغولة عن الشخصية المختارة، أن تنفّذ عملا آخر يعكس وجهة نظرها الخاصة، كعائلة. لكن تدخّلها في أعمال الآخرين مرفوض، لأنه رقابي تعسفي«. أضاف أن الأهمية الأساسية في الموضوع نفسه، تكمن في ضرورة الاجابة على السؤال التالي: »ماذا تريد من الشخصية التاريخية تلك؟«. أضاف: »ليست أهمية الشخصية بحدّ ذاتها، بل وجهة النظر التي ستتعامل معها. ماذا تريد أن تقول من استعانتك بابن رشد، مثلا (فيلم »المصير« ليوسف شاهين)، أو أم كلثوم (فيلم »كوكب الشرق« لمحمد فاضل، والمسلسل التلفزيوني »أم كلثوم« لإنعام محمد علي)؟ هل هناك اكتفاء بالسيرة الذاتية؟ هل هناك رغبة في تصوير بانوراما عامة لمرحلة سياسية أو فنية؟ الأهمية الأولى تبقى في »زاوية تناولك الشخصية«. ذلك أن هذه الشخصيات أسماء عريقة وضخمة، ومساحتها كبيرة في التاريخ. اذا لم يكن تناولك اياها بحجم المرحلة التي أفرزتها، أو النتاج الذي خلّفته، أو الحضور الذي احتلته، يصبح العمل بائسا، والمعالجة سيئة. كما أنه من المهم، بالنسبة الي، ألاّ يكون هدف اختيار هذه الشخصية التاريخية أو تلك الاختباء وراء التاريخ: أي، بدل أن تتحدث عن المرحلة الآنية، تختار عصر السلاجقة، مثلا، وتروي حكاياتهم وأعمالهم، في محاولة إسقاط درامي على الآني. أرى أن أسوأ أنواع الأفلام التاريخية، هي تلك التي تتحدّث عن المعاصر بمواربة وتورية«.