انتهت، مساء أمس الجمعة، الدورة الثامنة والعشرين ل»مهرجان جمعية الفيلم«، بعرض »مواطن ومخبر وحرامي« لداود عبد السيد. ستة أفلام روائية طويلة شاركت في الدورة التي بدأت في التاسع من آذار الجاري: »أولى ثانوي« لمحمد أبو سيف، »أسرار البنات« لمجدي أحمد علي، »الأبواب المغلقة« لعاطف حتاتة، »أيام السادات« لمحمد خان، »جواز بقرار جمهوري« لخالد يوسف والفيلم الأخير لعبد السيد. في حين أن الفيلم السابع، »سكوت ح نصوّر«، سحب في اللحظات الأخيرة، بسبب رفض مخرجه يوسف شاهين المشاركة في المهرجان، مُعتبرا أن انسحابه »ليس تعاليا«، إذ إنه يُقدّر الجميع. غير أن »قرار عدم مشاركتي في مسابقات، اتّخذته منذ العام 1997«. لذا، اختير فيلم »العاصفة« لخالد يوسف أيضا، من دون إدخاله في المسابقة. يُذكر أن النتائج الأخيرة تُعلن في احتفال يُقام في صالة سينما »ميامي« في القاهرة، في الثالث والعشرين من آذار الجاري، يُكرّم في خلاله المخرج حسين كمال والممثلان يوسف شعبان وماجدة، وتُوزّع الجوائز في الفئات التالية: السيناريو، التصوير، المونتاج، الديكور، الموسيقى، تصميم الملصق، الماكياج والعناوين (إذا وُجدت). بالإضافة الى جوائز أفضل ممثل وممثلة في الدور الأول، أفضل ممثل وممثلة في الدور الثاني. في حين أن لجنة التحكيم الخاصة تمنح جائزة أخرى لأحسن ممثل/ ممثلة. كما أن أعضاء الجمعية يمنحون جائزة لأفضل فيلم »من وجهة نظرهم الخاصة بهم«، يختارونه في استفتاء أخير يجرونه فيما بينهم. ترأس لجنة التحكيم السيناريست وحيد حامد، وضمّت المخرجين هاني لاشين وسيد سعيد، وكاتب السيناريو محسن زايد، والنقاد أحمد الحضري وخيرية البشلاوي وأمير العمري ونادر عدلي، والمونتير أحمد متولي، وأستاذ الديكور محمد عزب، والملحن الموسيقي طارق شرارة والممثلة آثار الحكيم. ستة أفلام فقط تتنافس على ثلاث عشرة جائزة، بالإضافة الى استفتاء أعضاء الجمعية. اثنا عشر فنانا في اختصاصات عدّة، التقوا في لجنة تحكيم لا تملك أمامها سوى أفلام قليلة، عُرضت في الصالات المصرية في خلال العام الفائت، واختيرت للدورة الثامنة والعشرين وفقا لقواعد اعتمدتها »جمعية الفيلم« منذ العام 1975، حين تأسّس المهرجان. المبدأ الأساس يفرض اختيار الأفلام، وليس التقدّم بها من قبل أصحابها. عرفت »اللائحة« (قانون المهرجان) تعديلا أولا لها في الدورة الثالثة، منح المهرجان كيانا حقيقيا »بهدف التقييم الفني والموضوعي للسينما المصرية، ومدى قدرتها على التعبير عن واقعنا الحقيقي«، كما قال محمود عبد السميع في دردشة مع »السفير«. أضاف رئيس الجمعية (تولّى منصبه هذا إثر انتهاء الدورة الثالثة، في العام 1977) أن المهرجان نفسه يهدف أيضا الى »دعم الأفلام الجادة والجيّدة، وتشجيعها. أي الأفلام التي تساهم في رفع المستوى الموضوعي والفني لسينمانا القومية«. تقيم الجمعية، التي تأسّست في العام 1960، مهرجانا سنويا للسينما المصرية، تمنح في نهاية دوراته جوائز عدة للأفلام التي عُرضت في العام السابق لكل دورة. حدّد البندان الثاني والثالث من »لائحة المهرجان« كيفية اختيار الأفلام: تُطرح على أعضاء »جمعية الفيلم« قائمة بالأعمال التي عُرضت تجاريا في الصالات، لاختيار خمسة عشر فيلما منها، تشاهدها لجنة مكوّنة من النقّاد والسينمائيين، تختار منها سبعة أفلام فقط، هي التي تُعرض في قاعة خاصة بالجمعية استأجرتها، في هذا العام، من كنيسة تابعة ل »فرنسيسكان الأراضي المقدسة« (»قاعة النيل«، في »كنيسة سان جوزف للاتين (كاثوليك)«). يحقّ للجنة نفسها أن »تختار فروعا (أخرى) ذات مستوى فني متميّز في بعض الأفلام من خارج الأعمال السبعة، لتعرض، فقط، أمام أعضاء لجنة التحكيم«. يُمكن للجمهور أن يشاهد الأفلام السبعة. محطات تاريخية أنشئ المهرجان بعد لقاءجمع الناقدان السينمائيان سمير فريد والراحل سامي السلاموني، رئيس الجمعية آنذاك، ومدير التصوير محمود عبد السميع. كان ذلك في العام 1974. في اللقاء المذكور، استعرض الناقدان أنظمة المهرجانات الدولية التي شاركا فيها، وقوانينها المختلفة. ناقش المجتمعون أفكارا وعناوين وتفصيلات. استقرّ الرأي على وضع لائحة خاصة بالأفلام المصرية، بحسب ما يراه أعضاء »جمعية الفيلم« مناسبا. أُقيمت الدورة الأولى في الفترة الممتدة بين الخامس والثاني عشر من شباط 1975. تبدّل كل شيء في الدورة الثالثة (29 كانون الثاني 5 شباط 1977). بات المهرجان مرتبطا بواقع السينما المصرية. يلتقي ب »المهرجان القومي للسينما المصرية« عند الصناعة المحلية، على الرغم من عمره الأطول (يستعدّ المهرجان القومي لإحياء الدورة الثامنة له، في خلال الأسابيع القليلة المقبلة). هناك سعي الى دعم السينما المصرية. الى جعل المهرجانات القومية حيّزا لتطوير اللغة السينمائية والفنية. غير أن المشكلة الأكبر تكمن في التراجع الخطر للسينما المصرية، في خلال التسعينيات الفائتة، تحديدا: ركاكة درامية وفنية، بهتان فاضح في بناء الشخصيات ومعاينة تطوّرها وسياقها، ضعف المعالجة وإن اختيرت مواضيع جريئة. في مقالة لها بعنوان »الجوائز السينمائية ورحلتها الابداعية (1923 1998)«، المنشورة في الكرّاس الخاص بالعيد الخامس والعشرين ل»مهرجان جمعية الفيلم« (24 نيسان 8 أيار 1999)، رأت فريدة مرعي أن جوائز الجمعية ارتكزت على »أرض صلبة، وتراث فني عريق كان همّه الأكبر في البداية خلق صناعة سينمائية وطنية، برأسمال مصري، وأيد مصرية. ومع بوادر تحقيق الحلم، تطوّر الهمّ الى الإيمان بأهمية تشجيع هذه السينما (...)«. أضافت أن الجوائز تلك تتويج »لكفاح طويل، وتاريخ جهاد كبير، من أجل تشجيع السينما المصرية، وإرساء قواعد صناعة سينمائية وطنية راسخة«. تُرى، هل نجح »مهرجان جمعية الفيلم«، في خلال سبعة وعشرين عاما، في تحقيق مبادئه، أو بعضها على الأقل؟ هل توصّل الى »حماية« الصناعة السينمائية المصرية من الانزلاق في متاهة التراجع النوعي، الذي أفضى الى أزمة حقيقية تُعاني السينما المصرية حدّتها، في الكتابة والمعالجة والبناء الداخلي والمناخ الثقافي والجوانب الفنية والتقنية؟ ما الذي قدّمته الدورة الثامنة والعشرين، مثلا؟ أليست الأزمة مستمرة في عجز الصناعة السينمائية المصرية عن إنتاج أفلام جادّة وجيّدة؟ لا تعني التساؤلات السابقة انتقاصا من القيمم الفنية والدرامية والتقنية التي عرفتها أفلام مصرية عدّة، في السنوات القليلة الفائتة. »جمعية الفيلم« نفسها عرضت أفلاما ذات مستوى فني رفيع. من هذه الأفلام: »أرض الخوف« لداود عبد السيد، »جنة الشياطين« لأسامة فوزي و»المدينة« ليسري نصر الله (الدورة السابقة)، »عرق البلح« لرضوان الكاشف (دورة العام 2000)، »البطل« لمجدي أحمد علي (دورة العام 1999)، »المرأة والساطور« لسعيد مرزوق و»القبطان« لسيد سعيد (دورة العام 1998) وغيرها. ارتكزت العناوين المختارة هذه على رأي شخصي. بعضها لم يحصل على جوائز، على الرغم من أهميته »الإبداعية«، قياسا الى أفلام أخرى فازت بجوائز عدّة من دون أن تكون على المستوى الفني والتقني والدرامي المطلوب. ف»البطل«، مثلا، لم ينل جائزة واحدة، في مقابل حصول أعمال أخرى، أقلّ أهمية منه، على جوائز مختلفة: »جمال عبد الناصر« لأنور القوادري (شهادة تقدير للممثل خالد الصاوي، وجائزة الامتياز في التصوير لمحسن نصر، الذي نالها أيضا عن »مبروك وبلبل« لساندرا نشأت). »اضحك... الصورة تطلع حلوة« لشريف عرفه: أحسن مونتاج (عادل منير)، أحسن تصوير (رمسيس مرزوق)، أحسن سيناريو (وحيد حامد)، أحسن إخراج، أحسن ممثلة في الدور الأول (سناء جميل)، أحسن ممثلة في الدور الثاني (منى زكي)، أحسن ممثل في الدور الأول (أحمد زكي) وأحسن فيلم (إنتاج »قطاع الإنتاج في اتّحاد الإذاعة والتلفزيون«، المنتج المنفّذ وحيد حامد). ملاحظات نقدية في الدورة الأخيرة، بدت الأزمة واضحة. الأفلام السبعة (قبل انسحاب يوسف شاهين) عكست بعض المشكلات الفنية والدرامية، التي تعانيها السينما المصرية. إنها جزء من أزمتي الإنتاج والإبداع. طغيان السذاجة فاضح، والمخيّلة الروائية والدرامية تكاد تكون معدومة. بهتان المعالجة حاد. في المقابل، لا تلغي التفصيلات تلك أهمية أعمال أخرى. البنى الفنية والتقنية فيها أقوى حضورا وتعبيرا عن لغة سينمائية تميّزت بجرأة في اختيار الموضوع، وفي معالجته، كما في بناء شخصياته، وتطوّرها النفسي والاجتماعي والفني، وفي السياق الروائي ومناخه وتحوّلاته. انسحب يوسف شاهين من المهرجان. قال إن المسألة مرتبطة بقرار سابق له. رئيس لجنة التحكيم وحيد حامد عبّر عن استيائه من الانسحاب. قال إنه كان يأمل »أن يكون »الأستاذ« معنا. آسف لانسحابه من دون سبب معروف«. مع هذا، يُمكن القول إن »سكوت ح نصوّر« يُعتبر من الأفلام العادية. لم يستطع شاهين أن يستعيد معه شيئا من تاريخه السينمائي والثقافي العريق. على الرغم من أن فيلمه الأخير هذا اختار بعض عناوين السينما الغنائية والاستعرضية، مستعينا بالمغنية التونسية لطيفة، ظلّ »سكوت ح نصوّر« أسير الركاكة الدرامية والبهتان الجمالي والفني. أراد يوسف شاهين معاينة عدد من المواضيع، دفعة واحدة. وقع الخطاب في فخ العموميات. المؤثّرات التقنية لم تخرج عن بدائيتها. بدا »أولى ثانوي« لمحمد أبو سيف راغبا في الرومانسية، طريقا الى استعادة شيء من الماضي السينمائي المصري والعربي المندثر. الفيلم عادي، حكايته أيضا: الطبيب المنعزل يعثر على خلاص روحي إثر لقائه سيدة لا تقل عنه قلقا وارتباكا. إليهما، مجموعة من الصبيان (ثلاثة فتيان وصبية واحدة، أبدعوا في أداء فطري وعفوي جميل) تساهم في تطوير علاقة الحب بينهما. لا ادّعاء كبير. المشكلة أن »أولى ثانوي« فشل في امتلاك خصوصية فنية وجمالية، تسمح له بتمايز سينمائي ما. على غرار »جواز بقرار جمهوري« لخالد يوسف، المخرج الذي انتقل من أزمة التمزّق العربي، انطلاقا من الحرب الثانية في الخليج العربي، الى قصة حب على خلفية سياسية واجتماعية عادية. لم تتسنّ لي مشاهدة الفيلم الأخير لداود عبد السيد (مواطن ومخبر وحرامي). »أيام السادات« لمحمد خان كاد يتحوّل الى فيلم أحمد زكي (في شخصية أنور السادات)، الممثل والمنتج في الوقت نفسه. ارتكز الفيلم على »الحكاية الرسمية« المتداولة للسيرة الذاتية والمهنية للسادات. لكن محمد خان أبدى قوة سينمائية في التحايل على المسار المعتمد، منتقدا السادات بخبث فني جميل، في مواقف ومحطات تاريخية. أعتقد أن فيملي مجدي أحمد علي (أسرار البنات) وعاطف حتاتة (الأبواب المغلقة) من أجمل الأعمال السينمائية المصرية، في الأعوام القليلة الفائتة. السبب: جرأة في اختيار الموضوع، كما في معالجته الدرامية والفنية والجمالية. لغة سينمائية حافظت على أدواتها في قراءتها النص السينمائي، وفي ترجمتها الى فيلم متماسك وصادم. شخصيات من واقع الحياة اليومية، وانتقاد اجتماعي وسياسي وأخلاقي من خلالها، بعيدا عن الخطاب والمباشرة. الفيلم الأول عالج القمع الحياتي والاجتماعي والنفسي والروحي، من خلال شخصية فتاة حملت من صديقها الشاب، وسط مناخ عائلي ومجتمعي متزمّت وقاس. الفيلم الثاني ناقش الأصولية الدينية، من خلال أم وابنها في مواجهة القهر الاجتماعي والنفسي. الفيلمان متقاربان في عناوين عامة. في معالجة فنية صادقة. في لغة صادمة. لا فذلكة أو تحايل. الشخصيات بعيدة كلّيا عن السخرية الكاريكاتورية التي اعتاد البعض أن يرسم بها أصوليون. في »الأبواب المغلقة«، بدا الأصوليون بشرا عاديين. لديهم التفصيلات الانسانية والاجتماعية نفسها. إنهم من صلب الواقع. أبناء المجتمع الواحد الذي يعيش فيه الآخرون. أدانهم المخرج، كما أدان المجتمع بكامله. رفضهم، لكنه احترم وجودهم الانساني والحياتي. هذا ما فعله مجدي أحمد علي، أيضا. لم يرسم التخلّف والجهل والتزمّت في صُور كاريكاتورية. لم يعالجها بسطحية وسخرية. غرف ناس فيلمه من الواقع. قرأ الذات وروحها ومشاعرها وتحوّلاتها، بلغة سينمائية ونقدية متماسكة في أبعادها الثقافية والجمالية.