As Safir Logo
المصدر:

المطبخ هو التاريخ السري لمدن وعائلات وجماعات ومناسبات سورية تشبع الأم عائلتها من حليبها وحنانها وطعامها وتعاف المائدة فلا تأكل

المؤلف: جروس سعاد التاريخ: 2002-03-08 رقم العدد:9144

ما زال السؤال الشعبي الدمشقي الدارج (شو جايبه من حلة الرواس؟!) متداولا بين العامة للدلالة على الافتقار الى الذوق وسوء الاختيار وإلى القذارة ايضا، فالروّاس كان في عقود اوائل القرن الماضي، يطبخ رؤوس الغنم وغيرها من الكروش والأيدي والارجل (المقادم) في حلة كبيرة ينصبها في الأسواق الشهيرة، كسوق الزرابلية والعتيق، ويبيع طبخه للعابرين والفعلة من العمال المياومين، ودرجت العادة ألا يأكل من عند الرواسين الا من بعد به طلب الرزق عن أهله، والفقراء الذين لا استطاعة لهم ارتياد محلات المطاعم المشهورة كمطعم الأمراء المعروف بطبخه الممتاز المراعى فيه أدق مواصفات المطبخ الشامي العريق. مضى »الرواس« مع جملة ما مضى من تاريخ وأمكنة وعادات وتقاليد متوارثة لها علاقة بالمطاعم والأسواق، وأصبح الطبيخ الشامي مقتصرا على بعض المطاعم الراقية ولم يعد مبذولا في المطاعم الشعبية. في العقد الأخير، غزت المجتمعات العربية عامة، الشامية خصوصا، والدمشقية على سبيل المثال، ذائقة بديلة فرضتها أطعمة حديثة، تنافست على استيراد وصفاتها وعلاماتها التجارية، مطاعم راحت تنتشر على نحو سريع، واسع وعشوائي. وقد تفننت المطاعم في تهجين الاطعمة الغربية والاميركية بما يتوافق والذائقة المحلية، فبرزت كثير من الاكلات شاعت شعبيا باسمها الغربي وتركيبها المحلي، كالسباكيتي بأنواعها (المعروفة لدينا بالمعكرونة) واللازانيا، والبيتزا، والهوت دوغ، والشيش طاووق، والهمبرغر.. الخ. وعلى الرغم من التزايد الكبير في ما يرد الى السوق من أطعمة مستحدثة فإن عمليات التهجين لم تنجح مع جميع صنوف الاطعمة المستوردة، إذ ما تزال مطابخ شعوب الشرق الأقصى الهند والصين واليابان عصية على التهجين لشدة خصوصيتها البيئية، وتحديدا الأطباق البحرية، وما دخل في اعداده نباتات وكائنات غير متوافرة سوى في موطنها، ولا يوجد لها معادل متوافر، مواز او بديل، في بيئتنا، ما جعل المطاعم المتخصصة بأطعمة الشرق الاقصى محدودة الانتشار جدا مع ارتفاع أسعارها عادة. وكأنما المميز بخصوصيته المحلية غير قابل للاستيراد والتصدير والاندماج في المناطق الاخرى. ولا شك ان »المطبخ الاميركي« مجازا يتسم بعالمية واسعة الطيف، فالأصناف والانواع والنكهات التي يطرحها لا تستند على بيئة متفردة، بل على مواد توفرها البيئة المحلية، وهي اذا عدنا الى نشأة المطبخ الاميركي نجدها عبارة عن تركيبة من مجموعة حضارات شكل التقاؤها »العالم الجديد«، أسهم في موادها الاولية »العالم القديم«، وأعطاها العالم الجديد وصفة سرية أشبه بالأحجية لا بالاختراع، لا تمتاز سوى بالعبقرية التجارية في الاعلان والتسويق. فالهمبرغر الذي يعتبر اليوم رأس حربة في الغزو العولمي الاميركي، الى جانب المطاعم الاميركية الماكدونالد والكانتاكي، تمثل رموزا لأهداف معنوية يهاجمه الغاضبون على أميركا والعولمة، بحيث تبدو مقاطعة المطاعم والاطعمة تعادل التظاهر أمام السفارات وإحراق العلم. المنافس الأميركي فلا عجب أنه حتى الآن لم يظهر في سوق الطعام والمطابخ المحدودة منافس أقوى من المنافس الاميركي، استأثر بمذاق الشباب الشريحة الاوسع والاكثر حيوية. سيادة المذاق الاميركي عالميا، لم تعد سرا، مقابل عجز الأطعمة المحلية عن الشيوع والانتشار، او اختراق شرائح بذاك الاتساع. وبالمقابل، لم تقبل كثير من الاكلات الشامية الاندماج والتهجين بعيدا كثيرا عن حدود أقاليمها، فلم تتفاعل مع المطبخ التركي العريق الا بفعل التواجد العثماني في المنطقة، فتكونت ثقافة شبه موحدة في المطبخ الشرقي الشامي التركي، وحافظت الكثير من الطبخات الشامية على تسميتها التركية مثل داوود باشا وعساكره، والأبلمة، والشيشبرك، والستي زبقي، والفاختية، الباسماشكات وغيرها، والتي لا يشفع لها طعمها اللذيذ بالتصدير والتعميم العولمي، وهي عصية بحكم تطلبها وقتا في التحضير، عدا ما ارتبط منها بالموروث الشعبي، مثل يهودي مسافر والشلباطو. وهناك من يعتقد ان الدمشقيين برعوا في ابتكار الأكلات التي تعتمد الخبز اليابس كالفتات والحراق بأصبعو بسبب تعرض دمشق للحصار والمجاعات، ومنهم من يعتبرها مجالا للتندر عليهم كون الاستفادة من الخبز اليابس في الطعام تعود الى ذهنية الدمشقي التجارية في الاقتصاد والتوفير والاستثمار بعدم التبذير حتى بفتات الخبز اليابس. لكننا نلاحظ عند الشامي عموما والدمشقي خصوصا، موروثا يتشارك فيه الكبار من الرجال والنساء، يورثونه لأولادهم، بإطلاقهم على الخبز وصف »النعمة« وتوقيره تلقائيا عندما يجد أحدهم كسرة خبز ملقاة على الارض، برفعها وتقبيلها، ثم يضعها في مكان لا تتعرض فيه الى الاوساخ والدعس. غالبا ما تتمثل في الاكلات المحلية حمولات هامة لجملة من المفاهيم والقيم الاجتماعية غير القابلة للتجريد، حتى من مدينة لأخرى داخل الاقليم الواحد مثل المطبخ الحلبي المشهور بمذاقه الحار حيث يستخدم رب الفليفلة الحارة بدل رب البندورة مع الكوسا المحشي، كذلك الكباب الحلبي الذي يجيده أرمن حلب كما يجيدون تحضير السجق والبسطرما، في حين لا يجرؤ الشوام في المدن الاخرى على الحذو حذو أهل حلب في المذاق الحار. كما لا زالت حمص تختص بمحشي الجزر الأصفر، وأهل حماه بالباطرش الحموي وأهل الساحل بالمبردة. لا ريب في أن نمط العمل في المجتمعات الشرقية وأيضا السمة الدينية المحافظة للمجتمع فرضت تواجد المرأة في البيت، لتجعل بالتالي من المطبخ عالما خاصا قائما بذاته له فلسفته وثقافته الحياتية التي لا يمكن عزلها عن فلسفة المجتمع وأنماط علاقاته، فما تزال مجتمعاتنا حتى اليوم تعتبر الدعوة الى الطعام بمثابة التكريم للضيف، وهو ما يقابلها في أوروبا الدعوة الى كأس في بار، كما ان الحفاوة في مجتمعاتنا لا تقدر بمجرد الدعوة الى الغداء، بل بما يقدم من أصناف متعددة قيمتها تقاس بما تستهلكه من جهد ووقت، ليشعر الضيف بمدى الاهتمام بشخصه ومقامه لدى أصحاب الدعوة، ومع ان تقاليد الدعوة الى المنزل راحت تتضاءل ويستعاض عنها بالمطاعم العامة، بيد انها أصبحت تقاس ليس بالجهد بل بالتكلفة المالية التي تتطلبها درجات مطاعم الخمسة نجوم وما دون. الأم التي لا تأكل اهتمام المرأة بالطعام خولها الاستئثار بموقع القيادة، إذ الطعام عنصر اجتماعي وأسري قوي للم الشمل، فالأم التي تنجح بجمع أسرتها حول مائدة تحفل بأكلات يصعب عليهم تناول نظير لها على مائدة اخرى، تجعل من اللقاءات الاحتفالية احدى وسائل الحفاظ على التماسك الأسري حتى بعدما يكبر الأبناء ويستقلون في بيوتهم بعيدا عن بيت العائلة. ويلاحظ ان موقع الأم الاجتماعي ما زال مصانا ومعززا، فالأم الشامية عادة ما تنال مكانة هامة في أسرتها، على الرغم من سمات المجتمع الذكوري الذي يقصي المرأة عن الحيز العام، الا انها في بلاد الشام تنال مكانة تحسد عليها في الحيز الخاص، فالأم الكبيرة بالسن كبيرة بالقدر ولها الكلمة الفصل في ما يخص شؤون أسرتها من طلاق وزواج وصلح وحرد وخصام، مهما بدا ظاهريا من سيطرة الأب، وعندما تحرص الأم على العناية بتربية وتغذية أبنائها تكون في العمق تعمل على نيل ولائهم لها ولمجموعة القيم والمفاهيم الامومية التي تمدهم بها، وبالتالي وضعهم تحت جناحها. ومن الطريف ان المرأة الشامية التي تهتم بالطعام، تحرص بفعل تربيتها على تكوين صورة مثالية لها أقرب للملائكية من حيث التعفف عن مقاربة الطعام، على الرغم من تنميتها لدى أبنائها الحس التلذذي بأطايب المائدة، فيما هي تتجنب مظاهر الشراهة وتكتفي بالقليل من الطعام، والمثل الدمشقي (العروس بعقلها وقلة أكلها) يعبر بوضوح عن علاقة المرأة بالطعام كوسيلة تستعمل لكسب الآخرين، ومن خلاله تشبعهم بأفكارها وأخلاقياتها، وهذا يقودنا على نحو ما الى معنى قول العامة عن شخص سيئ الخلق أنه (لم يشبع من حليب أمه) إذ لم ينل الرعاية والحنان اللازمين لتكوين وعيه الانساني والاجتماعي بمعناه الأموي الرحيم والمتسامح. يتمثل المطبخ كجزء من حامل اجتماعي لجملة من العلاقات الانسانية التي تربط الجماعات مع بعضها البعض، تمتد خارج جدران المنزل لتشمل العائلة الكبيرة والحارة، ولعل السيارين الدمشقية احدى تجلياتها، بدعوة الأهل والاصحاب لأكل المشاوي من الكباب واللحوم والأسماك المشوية مع السلطات والطرطور وكل ما يسهل اعداده في البساتين خارج المدينة وعلى ضفاف الأنهار. اما في قرى بلاد الشام المنتشرة في المناطق المحاذية للساحل فتحتل طقوس إعداد »التبولة« وهي نوع من السلطة والمقبلات التي تحتاج الى ساعات من العمل، ما يجعل التبولة ذات مكانة في المطبخ الشامي وبالأخص اللبناني، وفي بعض القرى تتشارك الصبايا في تنقية عروق البقدونس والنعنع من الشوائب وغسلها وفرمها. وفيلم »سفر برلك« للرحابنة توقف عند هذه الطقوس بأغنية جميلة أكدت معاني العزومة على »التبولة« كمكرمة لا يخص بها الا الاشخاص الحميمون، وأغنية نجاح سلام (ميل ياغزيل أسقيك فنجان قهوة وبعملك تبولة) تعكس المعاني التغزلية للتبولة كطقس أنثوي شبابي وطبق احتفالي وكمين غرامي. قراءة خارطة الأطعمة والمأكولات، عدا ما تعكسه من ثقافة حياتية، تشير الى تركيبة المجتمع من خلال أمزجة فئاته وشرائحه وتنويعاتها، فبعض المأكولات ارتبط بمناسبات الأعياد المذهبية والدينية، فالمسلمون في دمشق يطبخون في ذكرى عاشوراء ورأس السنة الهجرية، مأكولات (على بياض) لتكون السنة بيضاء مبشرة بالخيرات، مثل اللبنية وشيخ المحشي والشاكرية والرز بحليب والحبوب بحليب والقشطة، ويستحضرون من الحلويات في شهر شعبان (غريبة) وشهر رمضان (برازق). اما مسيحيو دمشق فيطبخون ليلة الميلاد دجاج وبسماشكات وكبيبة مسلوقة بالشوربا ومحاشي، وليلة رأس السنة يطبخون (على بياض) مثل المسلمين، وفي عيد الغطاس يستحضرون من الحلويات السمبوسك بالسكر والجوز وخبيصة بدبس بالاضافة الى البرك بلحمة وبرك القريشة، ويوم سبت اليعازر (حريرة، سليقة، حبوب مسلوقة وقطايف). اما في أحد الشعانين ويوم عيد البشارة فيأكلون السمك حصرا لتخللهما أيام الصوم الكبير الذي ينتهي بعيد الفصح والذي يطبخ فيه المسيحيون الشوام الشاكرية حصرا لاحتوائها على اللبن واللحم المادتين الاساسيتين التي يصوم عنهما المسيحيون عادة. ولعل صعوبة إعداد الطعام الشرقي مقابل سهولة ورخص تحضير الأكلات المستوردة، قللت من عدد مطاعم الأطعمة الشامية قياسا الى عدد مطاعم الوجبات السريعة، اما الاطعمة الفلكلورية الشعبية كالفول (باللبن والطحينة وبالزيت) والفتات (بالزيت او بالسمنة والصنوبر) فتحولت اما الى مطاعم سياحية او انزوت في الأحياء الشعبية البعيدة عن مظاهر المدينة الحديثة. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة