غريبٌ ما قرأناه، في بعض مواقف التضامن التي شهدتها بيروت مؤخرا، مع الدكتور عزمي بشارة. طبعا، لسنا ضد هذا التضامن، ولا نشك لحظة في ضرورته، ولا في استحقاق عزمي بشارة له، لكن وجه الغرابة هو في القراءة المبتورة لتجربته المميزة، وفي التأويلات التي أسقطت عليها. قد لا تكون هذه التأويلات متعمدة، لكن ذلك لا يشفع لها أنها جاءت في غير سياقها المنطقي، ولا يستر على ما فيها من اسقاطات، ومن فكروية لفظية، وخطابية سياسية لخطوية، تكشف سطحية القوى التي تمارسها. هذا »البعض« الذي نتحدث عنه، قدم تأويلا لتجربة »عزمي بشارة«، لم يذكره هو عينه في كتاباته، ولم يأخذه معيارا في ممارساته السياسية، إذ جاء في أحد البيانات ان عزمي بشارة »المسيحي الفلسطيني، أصبح رمزا للمسيحيين العرب في مواجهة المشروع الصهيوني، وبالتالي فان قضيته لا بد من ان تشكل مدخلا لاستنهاض قضية مسيحية وطنية عربية في مواجهة العدو الاسرائيلي...«. من قال لهؤلاء ان عزمي بشارة يخوض نضاله على هذا الأساس، او انه يشعر في حياته بأنه محاط بعلامات استفهام، كونه مسيحيا يحتاج الى إثبات عروبته؟ ولماذا ألبسوه مثل هذه العباءة التي لم يلبسها يوما؟ ولماذا تجاهلوا أن عزمي بشارة، منذ صباه حتى تأسيسه »التجمع الوطني الديموقراطي«، لم يقدّم نفسه من زاوية كونه مسيحيا فلسطينيا، بل خاض، ويخوض نضاله، وحاكم الاحتلال ويحاكمه الآن، انطلاقا من وعي قومي ديموقراطي، تقدمي، ونقدي، يتجاوز هذه الاشكاليات التي ترعاها الانظمة الرسمية العربية، وتتعايش معها للأسف بعض القوى التي ترفع شعار التحرر. هل فكّر هؤلاء في أن عزمي بشارة، كان سيتخذ المواقف نفسها التي اتخذها في حياته، سواء أكان مسيحيا أم لم يكن؟ المسألة إذاً، ليست بهذه البساطة، ولا بهذه السطحية، فإذا كانوا يريدون بهذا التأويل، ان يضفوا مزيدا من الايجابية على تجربة عزمي بشارة من خلال التركيز على مسيحيته، فإنهم بذلك ينسفون جوهر مشروعه السياسي تحت شعار التضامن معه، سواء أكان الأمر بقصد أم بغير قصد. القضية عند عزمي بشارة، كما تابعناه، ولا سيما في السنوات الست الاخيرة، هي قضية العرب في مواجهة الاحتلال، لا قضية المسيحيين العرب ولا قضية المسلمين العرب، وهي أيضا قضية النضال الفكري والعملي ضد الصهيونية، والعنصرية بكل أشكالها، وهي قضية حق الشعب العربي في المقاومة، في فلسطين وفي غير فلسطين، وحقّه في الحرية والديموقراطية، ومواجهة أساليب القمع والتدجين من أية جهة أتت، وحقه في تقرير مصيره في أرضه ووطنه، وهي ايضا قضية الانسان المكافح للتحرر من كل ارتهان، في كل زمان، وفي كل مكان. وبكلمة واحدة، عزمي بشارة هو في هذا الأفق التحرري الواسع، فلا يجوز تأويل تجربته لحصرها في أطر ضيقة، بل يجب على القوى المتضامنة معه، ان تستفيد من تجربته، وان تنتقل من الارتجال العاطفي الى التفكير النقدي فتدرس تجاربها هي نفسها، لعلها تكتسب شيئا من الدينامية الفاعلة التي تميّز بها عزمي بشارة. (*) كاتب لبناني.