بدأ عصر الطباعة العربي متأخراً ما يزيد على قرنين ونصف من الزمن، بعد أن اخترع الألماني يوحنا غوتنبرغ المطبعة عام 1448م، فقد أنشأ المسيحيون الأرثوذكس أول مطبعة في مدينة حلب السورية عام 1706م، كانت الأولى في الوطن العربي. ولم يكن ذلك التأخير ليشكل حافزاً لانطلاقة متميزة، وإنما واجهت المطبعة ما يواجه أي جديد في بلاد العرب من تحريم ديني إلى معوقات يفرضها البؤس الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، إلى غفلة العباد عمّا يمضي بهم إلى الحضارة والنور. ولقد بلغ الإنتاج الفكري السوري منذ ذلك الحين وحتى عام 1999م 30471 عنواناً حسب إحصائية وردت في كتاب »المعلومات وصناعة النشر« للباحث عيسى عيسى العسافين صدر مؤخراً عن دار الفكر. وهو رقم هزيل للغاية إذا عرفنا أن مجموع ما قذفته العقول البشرية من العناوين، منذ بدء عصر الطباعة إلى اليوم، يقدر بخمسة عشر مليون عنوان، فيما لا يتجاوز الإنتاج العربي برمته 1$ من الإنتاج العالمي. هذا إذا غضضنا الطرف عن التدقيق في تلك العناوين من حيث النوع، حيث اتسمت بغياب الكتاب العلمي المؤلف، وطغيان الكتاب المترجم، فيما احتلت كتب الآداب النصيب الأبرز إنتاجاً وقراءة. لقد وصل معدل الإنتاج السوري للكتاب سنوياً حوالى 1400 كتاب، ولكن الرقم وإن كان أعلى من متوسط إنتاج سنوات ما قبل التسعينيات، يصبح بائساً حين نأخذ بالحسبان تزايد عدد دور النشر، والإمكانات الهائلة التي اتاحتها ثورة وسائط الاتصالات والطباعة الحديثة. وإذا كانت معظم الأبحاث التي تتابع حركة الكتاب والنشر والقراءة غالباً ما تطرح أسئلة حول تراجع القراءة والنشر، بشكل يوحي بأن الكتاب عاش زمناً ذهبياً في بلادنا، فإنها كانت تغفل حقيقة أننا مجتمع لا يقرأ في الأساس، وأن الكتاب لم يتحول لدينا إلى عادة اجتماعية، وإنما بقي تقليداً من تقاليد النخبة، وهي الحقيقة التي ينطلق منها الناقد يوسف سامي اليوسف في تفسيره لتاريخ القراءة العربية حين تقول: تحدثنا كتب التاريخ عن مكتبات ضخمة كانت في منطقتنا، ومن أبرزها مكتبة ايبلا ومكتبة آشوربانيبال في نينوى، وكذلك مكتبات بغداد والقاهرة وقرطبة وسواها من المكتبات الشديدة الضخامة والشديدة الندرة في الأزمنة الغابرة. وبداهة، فإن وجود تلك المكتبات هو دليل حاسم على أن القراءة كانت تقليداً من تقاليد الفئات الاجتماعية العليا والوسطى. وهذا يعني أن القراءة عندنا ما كانت في أي يوم من الأيام إلا تقليداً من تقاليد النخبة وحدها، وأظن أنها ما زالت كذلك حتى يوم الناس هذا. وفي الزمن الراهن، وهو زمن المطبعة التي جعلت الكتاب ميسراً للجميع، كما أنه زمن المدرسة والجامعة اللتين حررتا معظم الناس من الأمية، وجعلتا ملايين الأفراد قادرين على تناول الكتاب، ظلت القراءة التثقيفية الدائمة من اختصاص فئة صغيرة الحجم في جميع أقطار العالم العربي. وفي الحق أن القراءة صارت تقليداً لفئة واسعة من الناس بين 1950 وسنة 1990 تقريباً. وهذا ما يفسر الشهرة الاستثنائية التي نالها كل من نزار قباني ونجيب محفوظ، ومن بعدهما محمود درويش. ولا ريب في أن ثمة أسماء أخرى كانت مقروءة في تلك الآونة نفسها، ومنها جبران ونعيمة وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس والسياب وأدونيس وخليل حاوي وطه حسين والعقاد والرافعي وسواهم. فلا مبالغة في القول إن تلك الحقبة ولا سيما 1970 و1990 قد استطاعت أن توسع مساحة الفئة التي تقرأ الكتاب الثقافي وتقتنيه. ففي هذه الفترة تفجرت الفورة النفطية (1972)، ما أدى إلى تضخم مالي لم تعرفه الأطوار السالفة، كما أدى إلى تفجرات سكانية لا مثيل لها في التاريخ قط. إن هذا الطور قد صنع الشهرة النادرة التي نالتها بعض الأسماء بحيث أصبحت جد معروفة في جميع البلدان العربية. فمما هو مؤكد أن مجموعات محمود درويش ودواوين نزار قباني وروايات نجيب محفوظ قد باعت ملايين النسخ خلال السنوات الخمسين الأخيرة. وهذا يعني أنها كانت جد مقروءة، في جميع الأقاليم العربية. وتلك لعمري شهرة لم يحرزها المتنبي ولا المعري في العصر الذهبي للثقافة العربية التراثية. الغياب وفي إطار العلاقة المتردية عموماً بين الناس والكتاب، يمكن للمرء أن يشير إلى تراجع خطير بالنسبة لما قد يعتبر زمناً ذهبياً، فلقد شهدت السنوات العشر الأخيرة تراجعاً يقدره البعض بنسبة 400$، والأسباب عديدة ومتنوعة، إذا مست طرفاً من أطراف صناعة الكتاب (المؤلف الناشر الموزع القارئ) فلا بد أنها ستطال بقية الأطراف، بدءاً من الضريبة التي يعاني منها الكتاب مرتين، مرة على المواد المستوردة المكونة للكتاب (الورق وغيره من مستلزمات الطباعة)، ومرة الضريبة التي تدفعها دور النشر في رسوم المعارض ونقل الكتاب وشحنه وتسويقه، وذلك من دون النظر إلى الكتاب كمنتج له خصوصيته، ثم الرقابة التي تتمثل في اثنين وعشرين بلداً عربياً، قد تحضر كلها في ذهن المؤلف والناشر والموزع، إلى ضعف التغطية الإعلامية، وعدم اكتراث مكتبات المؤسسات والوزارات والمدارس باقتناء الكتاب، ناهيك عن مناهج التدريس، وحتى الجامعية منها، التي لا تحرض على البحث والقراءة قدر ما تؤكد على الكتاب المقرر. هذا بالإضافة إلى ثورة الاتصالات التي قدمت لنا ألهية الفضائيات. وإلى جانب كل هذه الأسباب يعود سامي اليوسف فيشير إلى التحولات الجديدة التي شهدتها المنطقة وأفضت إلى تقلص الفئة القارئة في الوطن العربي، وأهمها الإحباط الذي منيت به القوى السياسية ابتداءً من أوائل التسعينيات. ففي الحق يقول اليوسف أن الأمل في تحسن الوضع الوطني قد كان على الدوام دافعاً يدفع الناس إلى المعرفة والقراءة والاطلاع الثقافي المتنوع. وحين خبا ذلك الأمل فقد خبا معه كل شيء. ثم جاء الركود الاقتصادي الذي أصاب البلدان العربية في الآونة الأخيرة. وكان من شأنه أن جعل غالبية الناس عاجزة عن الحصول على الكتاب بسبب سعره الذي لا يتناسب مع دخلهم الخفيض. وفضلاً عن ذلك، فإن هذا الركود نفسه يملك أن ينتج في المرء شعوراً باللاجدوى. فلماذا يقرأ ما دامت الحياة قلقة إلى هذا الحد المتطرف؟ إنه إحباط آخر أضيف إلى الإحباط السياسي السابق. وثمة عامل لا يجوز إغفاله؛ إنه الابتذال الذي أصاب الكتابة نفسها، إذ لم يبق أميّ إلا ويريد أن ينشر قمامته بين الناس، ثم يطلب من الجميع أن يشتروا نسخاً من ذلك الهراء أو الخواء، وكأن المرء من البلاهة بحيث يرمي فلوسه على قارعة الدرب ولا يبالي. إن دور النشر التي تشكو من أن القراءة عندنا لم تصبح تقليداً اجتماعياً قد أسهمت أيّما إسهام في تشويه الكتاب، الأمر الذي أسهم بدوره في تنفير الناس من القراءة، إذ ليس من العدل أن تطالب أحداً بشراء أي كتاب رديء. يقيناً، إن الكتاب الجيد ما زال يجد قراءً حتى يوم الناس هذا، وسوف يظل كذلك إلى أجل غير مسمى. فمن شيم النخبة أنها تنحي النغيل وتستبقي الأصيل. ولهذا، فلا خطر البتة على كل ما هو نفيس، أو ذو قيمة وثيقة الصلة بروح الإنسان. مشاريع طموحة وأياً كانت ذرائع دور النشر السورية، وكلها أسباب حقيقية وملموسة، فلن تعفيها من التنصل من مسؤوليتها في البحث عن حلول جديدة ومبتكرة، إذا كانت تزعم لنفسها دوراً ثقافياً، وهي بدون هذا الدور سوف تتحول إلى مجرد دكاكين، بل إن معظمها قد تحول إلى ذلك بالفعل، سوى بضعة دور ما زالت تقبض على جمر الثقافة الجادة. وتعتبر دار »المدى« واحدة من الدور التي استطاعت عبر سنوات قليلة أن تكرس اسمها كدار تحمل مشروعاً ثقافياً طموحاً، ليس فقط عبر كتبها الجادة وعدد العناوين التي تطرحها كل عام، (قدمت هذا العام 70 عنواناً، أي ما يوازي ما طرحته وزارة الثقافة التي قدمت عدداً مماثلاً من العناوين، في حين كانت تقدم حوالى 120 عنواناً سنوياً) بل وأيضاً في أسبوع ثقافي سنوي تقيمه وتستضيف فيه عدداً كبيراً من وجوه الثقافة العربية، كما تستضيف مجموعة من النشاطات الثقافية والفنية المتنوعة التي تشكل خدمة الثقافة والكتاب عموماً لا الدار وحدها. كما اطلقت »المدى« هذا العام مشاريع »الكتاب للجميع« و»كتاب المدى« و»روايات المدى« وكلها تقدم للقارئ بأسعار شعبية. وهي وسعت مشروع »الكتاب للجميع« فجرى توزيع كتاب شهري مجاناً مع صحيفتي »السفير« في بيروت و»الثورة« في دمشق. فهل تقع »دار المدى« بعد هذا خارج ظروف الأزمة التي يتحدث عنها الجميع؟ وهنا يبدو أن الأمر يتعلق بصاحب المشروع وحضوره الشخصي في الحركة الثقافة. وهذا ما يشير إليه سعيد البرغوثي (دار كنعان) حين أسأله عن مقدرة دار نشر على حمل مشروع ثقافي: نحن في دار كنعان في بداية انطلاقنا كان لدينا هذا الهاجس، وضمن هذه الرؤية أصدرنا الدروية المعروفة »قضايا وشهادات«، وأصدرنا دورية »جدل«، وخططنا لكتاب يصل إلى أوسع شرائح اجتماعية بعنوان »الثقافة للجميع«، وكلها جزء من مشروع ثقافي طموح. مشروع كهذا يحتاج إلى تخصيص وإلى كوادر ثقافية تخطط لهذا المشروع وتحمله، وتكون قادرة على تأمين التمويل أيضاً، فإصدار الكتاب هو جزء محدود جداً من مشروع ثقافي وليس مشروعاً ثقافياً. كانت هناك أسماء كبيرة تبنت المشروع وتحمست له كسعد الله ونوس، وعبد الرحمن منيف وفيصل دراج وجابر عصفور ولاحقاً نصر حامد أبو زيد.. اصطدمنا بأكثر من عائق أبرزها رحيل سعد الله وغياب منيف بسبب مرضه. نحاول إعادة الحياة إلى هذا المشروع ولكن الأمل ضعيف، خصوصاً لجهة التمويل، فليس هناك جهات اقتصادية تدعم المشاريع الثقافية، لأن هذه المشاريع على الأغلب غير رابحة إن لم تكن خاسرة. وتعتبر دار »الفكر« من بين دور النشر التي تشغل حيزاً واسعاً من سوق الكتاب في سوريا، ولقد تجاوزت إصداراتها 1300 عنوان تغطي مختلف فروع المعرفة، وهي من الدور السباقة بإنشاء موقع لها على شبكة الانترنت، كما تشرف على مواقع لكتّاب بارزين. كذلك فعلت دار »قدمس« حين وضعت كتبها للقراءة مجاناً على موقع خاص بها على الشبكة، وهي على قلة عناوينها قدمت كتباً مهمة تعالج فترات حاسمة من تاريخ المشرق العربي القديم، مثل كتاب »لبنان القديم« و»المسيحية والعرب« و»خالد وعمر«. ومن اللافت أن دوراً قليلة حاولت أن تتخذ لنفسها اختصاصاً محدداً يسم منشوراتها ك»الأهالي« و»الحوار« التي اهتمت بالكتب التنويرية، و»الجندي« بكتب الفلسفة، و»الشموس« بالإبداع النسوي والإبداعات الشابة، و»ورد« بالرواية المترجمة حيث يعتبر صاحب الدار مجد حيدر أن ترجمة الرواية العالمية ضرورة ملحة للقارئ السوري الذي يتميز بمعرفة محدودة باللغات الأجنبية، بعكس القارئ التونسي أو اللبناني الذي غالباً ما يقرأ العمل بلغته الفرنسية أو الإنكليزية. أما جهات النشر الرسمية فتتمثل بمطبوعات وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب، وإذا كان هذا الأخير قد اعتمد تقديم الإبداعات المحلية، فقد اعتمدت وزارة الثقافة تقديم سلاسل مميزة وموثوقة ولها سمعة طيبة، من روايات عالمية الى سلسلة الفن السابع والدراسات المسرحية والمعاجم والكتب التراثية. الا انها ظلت تعاني من جودة اقل في الطباعة. ورغم ان انتاج الوزارة قد انخفض الى اكثر من نصف ما تنتجه سنوياً، الا ان تحسناً طفيفاً اجري على شكل الكتاب كما انخفض السعر الى النصف بإلحاح الجمهور إلا خارج سوريا حيث يباع الكتاب بضعف ما يباع به محلياً. وفي كل الاحوال ظلت الوزارة كجهة نشر كما اتحاد الكتاب العرب، بعيدين عن تقديم الحلول والخطط التي تطمح لتحسين حركة الكتاب، وبالعكس فقد بدت بعض دور النشر الخاصة متفوقة في تقديم حلول عملية. الناشر موزعاً وفي غياب اتحاد للناشرين في سوريا، تقوم لجنة تحضيرية تأسست منذ سنوات قليلة بدور لا يتجاوز التنسيق لمعارض دولية وعربية،وهي بمثابة صلة الوصل مع اتحاد الناشرين العرب وجهات اخرى. وفي ظل كل تلك الظروف ليس غريباً ان تقع دور النشر البالغ عددها 280 داراً في لجة التخبط والشلل، فكم مرة حاولت بعض الدور ان تجتمع لإنشاء مؤسسة تحمل عنها عبء التوزيع وفشلت حتى في هذا؟! ذلك ان المؤسسة السورية لتوزيع المطبوعات هي جهة التوزيع الوحيدة، وهي مهيأة لتوزيع الصحف والمجلات اكثر من الكتب، حيث تحتاج هذه الى ظروف حفظ خاصة ولا يمكن ان تترك كالصحيفة عرضة لعوامل التلف. وهذا ما اضاف على دور النشر مهمة التوزيع. كذلك فعلت دار »الينابيع« حين قلعت شوكها بيديها وراحت تعرض في المقاهي وفي مختلف المراكز الثقافية. يقول حسين العودات (دار الاهالي): ليس هناك موزع جدي ونظامي حسب آلية محددة ومعروفة وعالمية للتوزيع. صار الموزع يتعامل مع الكتاب كأي سلعة، نمضي الى المكتبات ونعطيها بعض النسخ القليلة بالامانة، وعلينا ان ننتظر البيع. هذه آلية متعبة، فالمكتبة لا تساعدنا، تأخذ الكتاب والمزيد من الكتب وآخر العام لا تدفع، ولذلك اصبحت الديون اربعة اضعاف رأس المال. لهم ظروفهم بالطبع فالتعقيدات تشمل الجميع. وهكذا تغير نمط التوزيع من توزيع بالامانة الى توزيع بالشراء المسبق اي ما يسمى المقطوع، وهو امر تتعامل معه المكتبة كمقامرة، ما ادى الى تراجع التوزيع كله وتراجع الكتاب فالتقهقر متسلسل. وفي ما يخص مؤسسة التوزيع السورية فهي توزع لمن يريد، لكنها بالاساس مختصة بالصحافة، ويأتي الكتاب على هامش عملها. لقد حاولنا ان نجمع انفسنا ونقوم بمؤسسة توزيع خاصة، وكانت مجرد فورة حماسة لم تفض بنا الى شيء، ثم إنه امر يحتاج ايضاً الى رأسمال كبير. وعن العلاقة بين دور النشر والجهات الرسمية يشير سعيد البرغوثي الى غياب التفاعل والتواصل، إلا في ما يتعلق بالناحية القانونية (الحصول على موافقتي الطبع والتداول)، وأعتقد ان هناك مفارقة، فعملية النشر عملية ثقافية في الدرجة الاولى، ومن الانسب ان تكون العلاقة مع وزارة الثقافة لا مع وزارة الاعلام (التي تعطينا تلك الموافقات). اما المطلب الذي طال الحديث عنه فهو تذليل صعوبات النشر، عبر اصدار تشريعات ملائمة، فهذه الجهات هي الوحيدة المخوّلة إصدار تشريعات تخدم الكتاب وتوزيعه سواء عبر انظمتها في الاساس او بما يخص المواد المتعلقة بالكتاب والتخفيف من اسعارها وادخال هذه المواد ضمن ما يسمى بالدعم، وبما يؤدي الى تخفيف تكاليف الكتاب ووصوله الى القارئ بسعر أقل. ويؤكد صقر عليشي (الينابيع) ان دور النشر الخاصة لا تتلقى اي دعم من دور النشر والجهات الرسمية، وأقل هذا الدعم يتمثل في شراء عدد من النسخ من كل كتاب يطبع لأول مرة، وهذا موجود في بعض الدول العربية، ويساعد دور النشر في تشكيل نوع من الحماية والاستقرار. معاناة الكاتب وإذا كانت دور النشر تعاني كل تلك المصاعب، فإن تقديرات تكاليف الكتاب ومردوده تؤكد انها ليست خاسرة، وإلا لما امكنها الاستمرار، فالكتاب يعود بربح يصل من 20 الى 25$ من سعر الغلاف. قد تعاني تلك الدور من دورة رأسمال طويلة، ومن ربح اقل، ولكن هذا لا يغفر لها ان يكون المبدع والمؤلف اولى ضحاياها. يصف الشاعر ممدوح عدوان معاناة الكاتب مع دور النشر بالقول: لا يستطيع اي كاتب عربي ان يعيش معتمداً على مردود النشر من كتبه، والذين استطاعوا يعدون على الاصابع. ان الكتاب يعيشون من مردود النشر خارج الكتاب. في البداية يواجه الكاتب صعوبات شديدة، لأن الناشر هو صاحب رأسمال استثماري، يريد ان يستثمر رأسماله بسلعة قابلة للتسوق. وهناك ازمة يدعي الناشرون استفحالها وهي انه ليس هناك شراء للكتاب! اذا لم يكن هناك سوق للكتاب فلماذا تتكاثر دور النشر اكثر من تكاثر الكتّاب، هذا يعني ان هناك ربحاً، لكن الناشر، كأي تاجر خبيث، يريد ان يحتكر السلعة ويوحي بعدم تسويقها. من جانب الكاتب؛ بعد ان يعاني سنوات طويلة الى ان يصبح اسمه معروفاً، وتتقبله دور النشر التي تضطهده في البداية بكونه غير معروف وبالتالي لا يبيع. وبعد ان يصل الى سوية معينة تقبل به دور النشر، لكنه لا يعود معتمداً في حياته على مردود الكتاب. أنا شخصياً اعتبر ان مردودي من الكتاب هو آخر ما افكر به، وصرت ابحث عن دار نشر تحسن التوزيع ولو تحسن السرقة. ولقد قلت في مقابلة اجريت معي في مصر: انني معروف في مصر ولكن كتابي غير موجود، وأنا أبيح نفسي لأي دار نشر تريد ان تسرقني. ولهذا فإن كثيراً من الكتاب بعد فترة من الزمن يميلون الى التفكير في انشاء دور نشر خاصة بهم لطباعة او اعادة طباعة كتبهم، حتى لو استطاعوا الفوز برأس المال وحده، لكنهم يضمنون بذلك ان يكون كتابهم قد طبع ووزع ووصل الى القارئ. ويمكن الاشارة الى ان الطباعة الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة وظفت كلها لسرقة الكتّاب، فلم تعد تعرف أين هي الطبعة الثانية من كتابك؟! وتضيء إشارة عدوان إلى الكتّاب الذين يتحولون إلى نشر كتبهم بأنفسهم واحدة من مشكلات المؤلف، الذي صار عليه أن يعمل ناشرا وموزعا في ظل غياب تقاليد تحترم المبدع وتؤمن له ظروف عمل مريحة. وهناك كثيرون من الباحثين والمؤلفين الذين يديرون بأنفسهم دورا للنشر؛ كنبيل سليمان، وزياد منى، وحسين العودات، وعادل أبو شنب، وشاكر مطلق، وعبد الرحمن غنيم، وصقر عليشي، وطلعت سقيرق، ومحمد عضيمة. طفيليات الكتابة ويعود يوسف سامي اليوسف إلى وصف علاقة الناشر بالكاتب بالقول: إنها علاقة رابح بخاسر. فالكاتب المسكين، إذ يعمل، لا يسفر عمله إلا عن نتيجة واحدة، وهي الثروة التي يحصل عليها الناشر. إن الناشر، في الغالب الأعم، هو واحد من مصاصي الدماء الذين يسمنون على حساب الآخرين. ويبدو أن طبيعة السوق لا تسمح للناشر الشريف بأن يكون له وجود، وإن وجد فلن تراه إلا على حافة الإفلاس. كيف تتم السرقة؟ بعدة طرق؛ فالناشر يقول لك طبعنا ألف نسخة من كتابك، بينما يكون قد طبع ألفين. فأنت تنال حساب ألف نسخة فقط، هذا إذا نلت شيئا. أما الألف الثانية فيسرقها منك شئت أم أبيت. وهو إذا سرق مئة مرة من هذا القبيل فإنه يتحول إلى واحد من أصحاب الملايين. وهذا ما يحدث حقا خلال بضع سنوات. وثمة صنف آخر من الناشرين هو أدهى وأمر من الصنف السابق. إنه ذلك الناشر الذي يأكل جميع أتعابك بكل صفاقة وخسة وقلة حياء، وإنك لا تملك أن تصنع ضده أي شيء، لأن القانون ضالع حتى مخ العظام. فلا بد من سنين طويلة تقضيها في الذهاب إلى المحاكم كي تحصل على مبلغ من المال لا يستحق العناء الذي تتكبده من أجل الحصول على ذلك المبلغ. كما أن دور النشر الرسمية اضطهادية هي الأخرى. فهي لا تدفع سوى مبلغ زهيد للكاتب. ثم انها قلما تميز بين نص جيد ونص رديء، وهي تدفع لكل منهما مبلغا معادلا لمبلغ آخر، أو يختلف عنه قليلا وحسب. والنشر فيها يتوقف على الواسطة، فمن كانت له واسطة نشر قبل سواه، وأكثر من سواه، حتى وإن كان عديم الموهبة. وفضلا عن ذلك، فإن عليك أن تنتظر طويلا حين تتقدم بمخطوط إلى أي من تلك الدور الرسمية. فهم قد لا ينشرونه إلا بعد سنوات طويلة، متذرعين بأن عدد المخطوطات التي تنتظر الدور كثيرة جدا. ثم إن تلك الدور كثيرا ما ترفض هذا المخطوط أو ذاك لأسباب سياسية خالصة. فلئن خرج الكاتب قليلا عن دائرتهم الشديدة الضيق، فإن مخطوطه سوف يرفض حتما. ولقد رفضوا لي مخطوطا ليست له أية صلة مباشرة بالسياسة. فهو يهدف إلى دحض الخرافة التي تقول بالمعجزة اليونانية، كما يهدف إلى الإنابة بكل شيء يوناني إلى جذوره الشرقية. ولم يقدموا أي تسويغ لرفضه، بعد سنتين من حبسه في أدراج مكاتبهم. ولكن هناك من أخبرني بأن مثل هذا المخطوط سوف يسيء إلى صلاتهم بالغربيين الذين لا يقبلوننا إلا مذعنين وراكعين. ففي مبادئ السياسة الغربية، منذ عصر محمد علي باشا وحتى اليوم الراهن، أن العرب لا يجوز أن يكون لهم أي شيء يسمح لهم بأن يرفعوا رؤوسهم. إنهم معادون لكل ما يعمل على رفع المعنويات. وإني لأعتقد جازما بأن اندفاع جيش من الأغبياء والأميين باتجاه النشر ودور النشر قد أساء كثيرا للكتاب، وكذلك للكتابة التي هي في الأصل فعل شريف، بل فعل علو أخلاقي لا يجوز أن يبتذل على هذا النحو الشائن. فقد ضجرت دور النشر الرسمية والخاصة من الكتاب الرديء الذي لا يصلح للقراءة بتاتا. فصار من الطبيعي، أو من اليومي، أن تتعامل تلك الدور مع جميع الكتاب بطريقة واحدة، وهي طريقة الاستلاب والابتزاز والنظر إلى الكاتب على أنه ظاهرة تافهة من ظواهر المجتمع. هذه لمحة عن حال الكتّاب، وعن صلاتهم بالناشرين. فهل هنالك من يخلصهم من هذا الوضع المخزي، وهو الذي لن يكتب لثقافتنا أن تتحسن قبل الخروج منه إلى وضع أفضل؟ هل هنالك من يكنس الطفيليات من ساحة الكتابة؟ وهل هنالك من يرسخ من القوانين ما يصون حقوق الكاتب، بحيث يتمكن من أن يأكل خبزه بعرق جبينه؟ جنون القراءة وما دام التقهقر متسلسلاً كما أسلفنا، حيث الكتابة الرديئة الناشئة عن تفشي الجهل، أو ضيق أفق الرقابة ستؤدي إلى عزوف الناس عن القراءة، وحيث كل شروط الكتابة المتردية، فلا بد من خطط شاملة تعيد النظر في المناهج الدراسية، وفي جدوى الرقابة ودور الإعلام والضرائب... ببساطة نحتاج إلى ما يشير إليه الناشر محمد عدنان سالم في كتابه »هموم ناشر عربي« حين يقول: لاحظ الفرنسيون خللاً أدى إلى هبوط يسير في نسبة القراءة عند الشعب الفرنسي، فنظموا مهرجانا أطلقوا عليه اسم »جنون المطالعة«، نزل فيه وزير الثقافة، وكبار المؤلفين الفرنسيين، وكل المعنيين بشؤون الثقافة، إلى الشوارع والساحات العامة والحدائق، وفتحوا أبواب المكتبات العامة على مصاريعها أمام الجماهير، وأخذوا يقرأون لها، ويحثونها على القراءة، في محاولة لرأب الصدع وسد الخلل. هذا إذا كان الهبوط في مستوى القراءة يسيراً، ولكن ماذا لو كان مستوى القراءة كارثياً كما لدينا؟! وكيف يمكن أن نشعر أساسا بالفارق في غياب مراكز للبحث والاستطلاع والإحصاء إذا كانت مكتبة الأسد الوطنية، وهي الوحيدة القادرة على تنظيم إحصاءات بشأن الكتاب بحكم قانون الإيداع، لم تقم إلى الآن بإصدار كتابها الدوري الإحصائي لعامي 2000 و2001؟ إن غياب الإحصاءات الدقيقة سيقود حتما إلى خطط فاشلة. وكما يقال: إذا كنت فاشلا في التخطيط، فإنك تخطط للفشل! دمشق