As Safir Logo
المصدر:

شبكة التجسس الثلاثية ركزت على التجار المفلسين والطلاب إسرائيل تعود إلى الداخل وعينها على المال والاقتصاد

المؤلف: خشان فارس التاريخ: 2002-02-28 رقم العدد:9137

بدأت انعكاسات العملية الناجحة لمديرية المخابرات في الجيش اللبناني التي انتهت إلى كشف واحدة من أبرز شبكات التجسس لصالح »الموساد« الإسرائيلي، تفرض نفسها، وبقوة، على الساحة الداخلية، حيث تتقاطع المعطيات السياسية والاقتصادية والأمنية، أو تتنافر في بعض الأحيان. فمؤيدو التوجهات الحالية للسلطة، يجدون في هذه العملية رداً ميدانياً مباشراً، على الاتهامات الموجهة إليها، بأنها تستهدف، عن سابق تصور وتصميم، بتهمة التعامل مع إسرائيل، بعض القوى المسيحية، كما حصل، لدى توقيف الدكتور توفيق الهندي. فالشبكة التي اوقف رؤوسها الثلاثة، في الآونة الأخيرة، لا لون سياسيا لها بل هي مكونة من رجال مال وأعمال، ليسوا من الطوائف المسيحية. وبذلك، يمكن لهؤلاء أن يقدموا دليلاً آخر، على أن مكافحة التجسس لإسرائيل والتعامل معها، هي مطاردة للجريمة، في جهة أولى، ولعودة إسرائيل إلى الداخل اللبناني، من جهة ثانية، وبالتالي، يكون ذلك تأكيداً عملياً وموضوعياً، على أن ما ابلغوه، مراراً، إلى المرجعيات المسيحية، وفي مقدمها البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله صفير، عن أن الجيش لا يدخل في معادلة الاستقواء على المسيحيين، لم يكن مجرد »كلام استرضائي«. وتقدم هذه العملية التي استهدفت شخصيات معروفة في المجتمع اللبناني، بأهمية مركز بعضها والشبهة بملف بعضها الآخر، مبرراً إضافياً للقائلين بأن العامل الإسرائيلي لم يخرج من لبنان، بخروج جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى مزارع شبعا. وفي رأي محللين عسكريين، فإن تغلغل إسرائيل، بهذا الشكل، في المجتمع اللبناني، يعني صحة التوجهات القائلة، بأنها تحاول إعادة الفوضى إلى الساحة الداخلية، بعدما ثبت لها ان الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، لم تندلع، منذ العام 1987، إلا عندما اضطر المسلحون الفلسطينيون الذين كانوا منتشرين في لبنان، إلى اللجوء في مخيماتهم، بسبب معاركهم مع الأطراف اللبنانية، أولاً، وبسبب عودة الشرعية إلى لعب دورها لاحقاً. ويشيرون، في هذه الإطار، إلى أن »حزب الله« الذي يرفض لبنان تسليمه للحرب الأميركية المعلنة عليه، يلعب دوراً رئيسياً في ابقاء الانتفاضة، حيث هي، من خلال دعمه المعنوي والإعلامي، من جهة، ومن خلال مساهمته مع ثلاثة ألوية في الجيش اللبناني، بمنع وصول أي مسلح فلسطيني إلى الحدود اللبنانية الإسرائيلية. ويؤكد هؤلاء أن وصول إسرائيل إلى مبتغاها يتطلب العمل على افلات الأوضاع الأمنية الممسوكة في البلاد ودفع اللبنانيين إلى الانقسام الحاد، وتكبير الشرخ بين اللبنانيين عموماً وبين اللاجئين الفلسطينيين. ولذلك معبران، أولهما أمني، وثانيهما اقتصادي. وقد تقاطعت المسألتان في الشبكة التي اميط اللثام عنها، إذ عمدت إلى تزويد »الموساد« بمعلومات وافية عن عدد من الشخصيات اللبنانية، سواء في المقاومة أو في الجيش أو في الطبقة السياسية. وبالاستناد إلى ذلك، يصبح من الطبيعي، على المستوى الاستنتاجي، الإشارة إلى دور رائد لإسرائيل في اغتيال النائب والوزير السابق إيلي حبيقة، والدخول على خط ضخ معلومات، كان من شأنها، أن تحدث مزيداً من الشرخ على مستوى علاقة المسيحيين بالسلطة وسوريا، وبين اللبنانيين والفلسطينيين. أما بالنسبة للموضوع الاقتصادي، فإن الشبكة كلفت بمهام بالغة الدقة والحساسية على هذا المستوى، سواء لجهة المساهمة بالترويج لانهيار مالي في لبنان، وسواء لجهة تزويد »الموساد« بمعلومات دقيقة ليستثمرها، وفق الوجهة التي يرتئيها. وبالفعل، فإن التركيز على »بروفيل« الشخصيات الموقوفة، يدل على القاسم المشترك الذي يجمعها، وهو الاختصاص في الشؤون المالية، تحديداً. وتكشف مصادر معنية بالتحقيقات أن أهم المهام التي اسندها الموساد الإسرائيلي إلى موقوفي الشبكة التجسسية كانت اقتصادية، إذ طلب إليهم تزويد الدولة العبرية، بمعلومات وافية عن وضعية المالية العامة للبنان، وتقديم تحليل مفصل للمعطيات الاقتصادية التي يحصلون عليها، وكلفوا الاستحصال على تفاصيل السجلات التجارية للشركات، ولا سيما منها تلك التي تعاني أوضاعاً مالية سيئة، واسماء رجال الأعمال الذين اعلن افلاسهم وعناوين من ترك منهم لبنان إلى الخارج، ودراسة فائدة شراء بعض المراكز السياحية التي تعاني أوضاعاً مالية غير سوية، بينها فندق مهم كان معروضاً للبيع، قبل مدة. وتضيف المصادر ان الشبكة كلفت تجميع معلومات عن أوضاع الطلاب الجامعيين، في لبنان والخارج، وقد تم تزويد الموساد، بناء للطلب، بلوائح من يتابع تحصيله العلمي، في غير دولة في شرق آسيا. بالاستناد إلى ذلك يمكن الاعتقاد أن إسرائيل ارادت توسيع حضورها، في صفوف النخبة الاقتصادية في البلاد عبر تعويم مجموعة تعاني صعوبات، وقررت الدخول مباشرة على خط دفع الاقتصاد نزولاً، لمنع إفادة بيروت، بما تملكه من نقاط جذب، من استقطاب رؤوس الأموال الهاربة من الغرب عموماً ومن الولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، علها تنجح في إعادة الساحة اللبنانية إلى »متنفس« للاحتقانات، وهو الدور الذي لعبته بين العامين 1975 و1990. من هنا بالتحديد، يرى المحللون الاقتصاديون وجوب اخراج الجيش اللبناني من معادلات التجاذب السياسي الداخلي، إذ يتأكد، يوماً بعد يوم، انه ضرورة، وبالتالي يفترض دعمه، بالامكانات المتوافرة. ويعتقد هؤلاء ان السعي حالياً إلى تخفيض 100 مليار ليرة لبنانية من موازنة الجيش، بعدما تم تخفيضها في موازنة العام الماضي، نحو ثمانين مليار ليرة لبنانية، ولو أدى الأمر إلى تسريح عشرة آلاف جندي، »مغامرة أمنية غير محسوبة النتائج«. ويشيرون إلى ان أي محاولة لتخفيض عديد الجيش تستدعي العمل على تخصيص ميزانيات ضخمة لتحديث تجهيزاته، بحيث تسد »الآلة« ثغرات الانتشار الميداني التي سيسببها تخفيض العدد، وهذا غير متوافر حالياً، حتى لمجرد إصلاح العتاد الضروري وبينه مروحيات »بوما« اصيبت بأضرار بالغة، في أثناء »حرب الالغاء«، بسبب قصف مهبط أدما. والجيش لا يكافح التجسس فقط ويحاول منع الجريمة وفي حال العجز المساهمة بعدم امتداد تأثيراتها السلبية، كحالة اغتيال حبيقة، بل يعمل على غير ملف حساس بينها: } ضبط المخيمات. } انتشار ميداني واسع على امتداد الوطن، باستثناء الحدود، لأسباب ذات صلة بالقرار السياسي. } المساهمة، عند توافر القرار المناسب، بإتلاف المزروعات الممنوعة، كما حصل مؤخراً في سهل البقاع، ولذلك صدى دولي ذو انعكاس إيجابي على كل لبنان، وقد حضّر قائد الجيش العماد ميشال سليمان، لهذه المهمة، بانتقاله الاسبوع الماضي إلى تلك المحافظة وإبلاغ وحدات الجيش المنتشرة هناك بأهمية هذه المهمة. } ضبط الأمن الداخلي، على غير صعيد، ولا سيما على صعيد الملاعب الرياضية التي كادت تتحول إلى ساحات بديلة عن الحرب الأهلية. وفي هذا الإطار، علم أن الجيش انتقل من حفظ الأمن خارج الملاعب إلى حفظ الأمن ككل في الداخل والخارج، وفي محاولة لوضع حد لحوادث الشغب الطائفية، عمد إلى تركيز كاميرات تصوير في الداخل، على الجمهور، لمعرفة مصدر الشغب وملاحقته، بالإضافة إلى كشف المشكوك بأمرهم، قبل بدء أي مباراة. هذه الانعكاسات وغيرها الكثير بدأت تطرح نفسها على الساحة السياسية، منذ الإعلان عن كشف شبكة التجسس الثلاثية التي قال عنها النائب العام التمييزي عدنان عضوم، بعد الاطلاع على التحقيقات، بأن مجرد كشفها انجاز كبير لحماية الأمن والاقتصاد والخيارات اللبنانية الكبرى.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة