As Safir Logo
المصدر:

»بؤس البنيوية« لليونارد جاكسون تقويل على ماركس وفرويد وسوسير

المؤلف: العائد علي التاريخ: 2002-02-26 رقم العدد:9135

الكتاب: بؤس البنيوية الأدب والنظرية البنيوية الكاتب: ليونارد جاكسون المترجم: ثائر ديب الناشر: وزارة الثقافة دمشق 2001. يطرح هذا الكتاب تساؤلات نافرة حول البنيوية، مثل: الى أي مدى يمكن ان نبني العالم باللغة؟. او الإستنتاج: نجاح مؤسساتي، وإفلاس فكري. يتناول ليونارد جاكسون مادة كتابه بارتياب ولد صعوبة في القراءة، رغم محاولة المترجم ثائر ديب تقديمه بعربية سهلة، فالكتاب صعب، ويحتاج القارئ غير المتخصص، شأننا، ان يقرأ مكتبة كاملة، ربما، حتى يتحصل على فك رموز الإشارات المكثفة لتاريخ البنيوية، بمفرداتها، وأعلامها، وتطوراتها، وتناقضاتها. المدخل الى عرض الكتاب في هذه المقولة: »ليس ثمة واقع أدبي مستقل عن الخطاب النقدي والدراسة النقدية، فالثورات التي نستطيع القيام بها هي الثورات التي نحتاجها لتغيير اشكال الواقع التي تهمنا. وهكذا يمكن ان ألغي شكسبير ما إن أتمكن من إخراجه من المنهاج الدراسي، فليس ثمة واقعة شكسبيرية مستقلة«. يؤكد جاكسون ان النظريات الأدبية، عنده، محاولات توضح الكيفية التي تعمل بها القصائد والمسرحيات والقصص بما تمتلكه من بنى ألسنية معينة تترك آثارا نفسية على المتلقي، وعلاقة ذلك بالمجتمع والتاريخ. وقد تكون بعض النظريات الحديثة نوعا من الميتافيزيقا البديلة، التي لا توضح شيئا، وبما يشبه القراءة الفلسفية للماركسية، او التحليل النفسي، ولو أخذنا التعقيد الفلسفي للبنيوية لوجدنا ان سببه اتكاؤها على نيتشه وهيدغر وديريدا، وبعدها تطورت في خمسينات وستينات القرن العشرين من خلال إعادة التفكير بمقولات ماركس وفرويد ودوسوسور، لتصبح بمثابة إيديولوجيا لجماعة من المثقفين الهامشيين، الواقعين في مكان ما بين حزب شيوعي ستاليني ضخم، وبرجوازية أشد ضخامة. يفاجئنا جاكسون بالقول: إن البنيوية انهارت حوالي عام 1967 لتظهر تشكيلة من ما بعد بنيويات، ومن هنا يقول ببؤس البنيوية، فحين يصف منظِّر حديث نفسه بأنه مادي، استنادا الى ماركس، سيحتج ماركس: »كنت أتحدث عن الاقتصاد«. وإذا قدم لاكاني حديث عرضا للتحليل النفسي، سيصرخ فرويد: »هذا لا علاقة له بالعلم«. وكلما كتب ديريدا في علم اللغة سيقول سوسور: »كاذب!«. هذا ما يراه جاكسون في مصادر البنيوية، بل وينسف اعتقاد ماركس وفرويد وسوسور بعلميتهم، فماركس الذي وضع الأساس العلمي للإشتراكية بالإستناد الى المادية التاريخية التي تفضي الى رؤية الثقافة الرفيعة بوصفها انعكاسا للسيرورات الإقتصادية. وفرويد الذي بين آثار اللاوعي الدينامية التي تنبثق منها السيرورات المكبوتة في اللاوعي، وتتحول او ترتدي أشكالا تتراوح بين العصاب وزلات اللسان والأحلام. وسوسور في تصوره للغة بوصفها نظاما بنيويا يشكل أساسا لكل استخدام لغوي، او لكل كلام، سواء كان نطقا او كتابة. وتطرقه للعلاقة الإعتباطية بين اصوات اللغة والمفاهيم التي تعبر عن هذه الأصوات »عدم وجود ما هو خنزيري في كلمة خنزير«، او ما يدعوه سوسور اعتباطية الدالول (Sign). ظل هذا، حسب جاكسون، يؤثر على الألسنية حتى منتصف الخمسينات، حين أفسحت النماذج البنيوية مكانا لقواعد تشومسكي التوليدية، فالنموذج البنيوي السالف لم يستطع تقديم تعليل على مستوى التركيب للعلاقة بين الجمل المبنية للمعلوم، والجمل المبنية للمجهول، او للعلاقة بين صيغ الإستفهام والإجابات الموافقة لها. وهو لا يستطيع على المستوى الدلالي ان يقدم تعليلا لمعنى كلمات بسيطة، مثل (aunt، uncle). صوفية نصية يأخذ المؤلف من أعلام البنيوية رولان بارت الذي يعتبره أهم ناقد أدبي بنيوي، وأهم النقاد في فرنسا المعاصرة، إضافة الى كونه من مؤسسي السيميولوجيا البنيوية، حتى وصل الى استقصاء لغة مجلات الأزياء، سعيا خلف (حلم العلمية)، ولاحقا تأثر بديريدا وكريستيفا، ليقتنع أخيرا بإنكار الهدف العلمي، وينزع، ساخرا من ذلك، صوب نزعة شخصية جدا من العناية بالآداب الجميلة، وصوب صوفية نصية ترفض كل أشكال البحث التجريبي المنظم. يكافئ اسم جاك ديريدا، عند كثيرين، »ما بعد البنيوية«، لكنه لا يناسب ديريدا (كذا)، فهو لم يكن بنيويا في يوم، وعلاقته معها نقدية، ومن الخارج، لأنه ما بعد ظاهراتي قدم كفيلسوف منهجا فعالا في النقد الداخلي، من ضمن التقليد او التراث الفلسفي الفرعي الذي يشكل فيه الذروة كل من هوسرل وهيدغر. النقاد الأميركيون، خاصة، يتبنون منهج ديريدا التفكيكي، لكن النتائج، عندهم، اقتصرت، كما هو الحال عند بارت، على صوفية نصية جائرة لا تتوافق مع صرامة فلسفة ديريدا الأولى، وإن توافقت مع ممارساته الكتابية المنفلتة المتهورة اللاحقة!. يعرِّف جاكسون البنيوية، بمعناها العام، بأنها دراسة لظواهر مختلفة، كالمجتمعات، والعقول، واللغات، والآداب، والأساطير، فتنظر الى كل ظاهرة من هذه بوصفها نظاما تاما، او كلا مترابطا، اي بنية، فتدرس نسق ترابطها الداخلي، دون العناية بتطورها التاريخي، كما تعنى بدراسة الكيفية التي تؤثر بها بُنى هذه الكيانات على طريقة قيامها بوظائفها. وبمعناها الضيق، هي محاولة لإيجاد نموذج لكل من بنية هذه الظواهر، ووظيفتها، على غرار النموذج البنيوي للغة، وهو النموذج الذي وضعته الألسنية في القرن العشرين. وإضافة الى اعتبار الكاتب لجاك ديريدا انه ما بعد ظاهراتي، يعود لإطلاق صفة اهم شخصية ما بعد بنيوية عليه، لكنه يعتبر ان اهتمامه الأساسي كان الفلسفة والتعليق على النصوص الفلسفية لهوسرل وهيدغر، كما فعل ذلك مع البنيوية، فزعم ديريدا بوجود »مركزية صوتية«، و»أولوية الكينونية« او الأنطولوجية، او ما يدعوه الكتابة الأصلية، زعم مشكوك فيه، فالأولى غير موجودة، حسب جاكسون، والثانية غير متماسكة. إضافة الى انه يعتبر ديريدا بطيئا ومملا في عرض أفكاره مقارنة مع راسل وستراوسن وفريج، الذين يقف معهم في نفس الموقع،.. ويمثل لذلك بقراءة ديريدا لكتاب فوكو عن الجنون، حيث يشك ديريدا بإمكانية قراءة الجنون من وجهة نظر المجنون، ويرى في ديريدا انه غامض، ولا يقول سوى القليل قياسا بالوقت الذي تستغرقه قراءته.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة