الطيب صالح.. هذه الظاهرة الإنسانية الفذة، تلاحى الكثيرون في ماهيتها واحتفى بها اختلاف الألسن.. تناول بعض المغرضين تجربته الفادحة القيمة بما أخجل الحق، غير أنهم تساقطوا إربا على حضور سيف وجوده وعميق أدبه الراقي الضارب الجذور في عافية الإبصار والمشاهدة. سرني كثيرا استضافته بتلفزيون المستقبل في برنامج الشاب الزاهي زاهي وهبي، وبرغم صرامة التواضع التي أبداها أديبنا الجم الحب لبلاد النيل، كان حوارا ثرا ونزهة في قبس أعماق هذه الذات الثاقبة التكوين والإبداع برغم المكالمات الكثيرة التي ظلت تقطع تدفق ألقه الزاخر. ولكن شد ما آلمني وأفزعني، حديث هذا الأديب عن حكام السودان من أبناء منطقة الشمال وكيف أن ذلك حز في نفوس بعض أبناء الشعب باعتبارات مكانية وعرقية لا تمت إلا الى النعرات البوهيمية والجهل بصلة، ونسي أديبنا الكبير أن هؤلاء الحكام لم يكونوا إلا عصابات مسلحة وأطوارا من الميكافيلية العملية لم تلجأ من في أعمالها لغير هذه الميكافيلية المطلقة، تارة باسم الاشتراكية وتارة باسم الدين، وانهم كانوا شذوذ الديكتاتورية في عنفهم المطلق من القسوة والغدر وانتهاز الفرص بأي الوسائل، وانهم صنعوا من الأجيال شعبا عبدا لا رأي له ولا حول ولا قوة لا يستطيع التفكير بغير ما يملى عليه، وانني لم أحسب يوما أن اليوتوبيا هي النضال ضد الظلم والقهر، روشتة ضد العوز والفاقة وحاجة الدواء والكساء ولقمة العيش وترهات المتخمين وأناقة المدن على حساب الغبش الذين حجبت عنهم الحياة بإصرار يدعو الى الخجل، وإن كانت كذلك فلا أحسبها تبدو فكرة شاذة. وحتى هؤلاء الذين لا تدري من أين أتوا ولا تدري هل ولدتهم أمهاتهم أم لا، هم من منطقة الشمال والشمال الأوسط ولكنهم ذهبوا الى أبعد من سابقيهم في الأساطير والكرامات المزعومة، بظنهم أنهم مبعوثون من رب العالمين! وبثوا في نفس الشعب البائس عواطف الكبرياء والغرور المرذولة والطموح الكاذب والأماني المغرقة في الغيب حتى تصوروا مكانة لهم بين الأمم لم تؤهلهم صفاتهم لنيلها. الطيب صالح.. إن تمجيد الفوضى هو أم الكبائر، وانك لم تعش بين ما صنعوا من هذه البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الهشة الساقطة المتساقطة يوما بعد يوم ولا أحسب أن ضباب لندن أو سور أوكسفورد حجبا عنك صفحات عارهم. وأظنك تعلم بأن أحد هؤلاء الحكام كان يبعث بطائرة حكومية لتأتيه بإحدى عشيقاته.. تلك الراقصة المصرية.. وتعلم جيدا كيف ذهب أبناء الوطن الحقيقيون مثل عبد الخالق محجوب الذي زعمته حالما الى من هم الآن في غياهب بيوت الأشباح يصفعون ويقتلون بالقهر والاستبداد ويدفنون في صمت. وتعلم جيدا كيف أُعدم الرجال الأوفياء أمثال الشفيع وجوزيف قرنق وشكاك وغيرهم على مرأى هؤلاء الحكام الذين كانوا ينظرون الى هذه العورة التاريخية وبأيديهم زجاجات الخمر يترنحون وأظنك لا تنسى من أحلّ دم المفكر الإسلامي محمود محمد طه. الطيب صالح.. إن السودان سيظل مؤجلا بتكريس هذه الوطنية الضيقة، وإن كنت تجفل من التضحية والشهادة فاغمرنا بعبقريتك الروائية الفاعلة المتفاعلة لأسباب الإنسان. وأي حكم بالنار والمقاصل يا بن جلدتنا اللندني!؟ ولك التوارد امتنانا وثناء الى أن يلعب تمساح الشمال كرة الماء مع بني الوطن. (سوداني)