شوقي عبد الأمير الذي لم ينشر سوى الشعر يتراءى أنه نثر كثيرا وتعجب من أن مثقفا في انشغال عبد الأمير النظري والمعرفي لم يفرج عن نثره وأبقى سؤاله الشعري وغير الشعري طي قصائده، كتاب إمضاءات لمحات نثرية في الأغلب لكنها لمحات. ذلك يعدل قليلاً من الصورة لكنه لا يقيم الميزان. إذ ننتظر أكثر من نثر شوقي. حول الكتاب والشعر والنثر كان هذا الحديث: { »إمضاءات«، كتابك الجديد صدر مؤخرا وأول ما يتبادر إلى الذهن، أنه من الصعب تصنيفه أو بالأحرى، وضعه في باب معين. لماذا؟ في الواقع »إمضاءات« كما يحمل العنوان هو نصوص في أغلبها، أكتبها على هامش الشعر. لم أنشر قط كتابا من قبل إلا ديوان شعر إما نصا لي أو مترجما لشاعر أو لشعراء. هذه المرة الأولى التي أنشر فيها كتابا جله نثر وبهذا المعنى، فإنه يشكل مدخلا لي، ربما للانفراد بشكل من هذه الأشكال الثلاثة التي تتوزعها الفصول لكي أفرد كل فصل لكتاب. وقد فكرت بهذا حتى قبل النشر. كأن أنشر الفصل الأول كله في كتاب وهكذا شأن الفصول الثلاث. ولكنني قلت في نفسي هذه الأشياء كتبت، نشر العديد منها لم لا يأخذ شكلها العفوي هذا شكلها في النشر دون تخطيط أو برنامج معين. وهكذا ولدت الإمضاءات التي في الواقع بالرغم من اختلافها في شكل الكتابة هي إلى جانب اشتراكها في النثر بالنسبة لي، تشترك أيضا في تسجيل شبه وثائقي شعري لمرحلة حياتي في بيروت، منذ 1996 ومن هنا الإهداء إلى بيروت.. { ألا تشعر أن غياب »الوحدة الفنية« عن الكتاب، قد يسيء إليه، بمعنى من المعاني، عند القراء؟ أجبت على هذا السؤال، ولو كنت أعتقد أن فيها إساءة لما أقدمت على ذلك، بالعكس إنني أعتقد أنه في هذا التنوع بالنسبة إلى شاعر لم ينشر مثلي إلا شعرا هو إضاءة لجوانب عديدة من أشكال النص المبعثرة في الصحف اليومية والمجلات والتي لا يمكن الإحاطة بها من ناحية كما لا يمكن الاستقاء منها لدلالة أكثر شمولا وعمقا ألا وهي مجتمعة. وقد قرأت الكثير من هذا النوع من النصوص في الأدب العربي وسواه. { قلت وكما نعرف، لم تنشر سابقا إلا الشعر، هل كان ذلك موقفا ما؟ لماذا؟ في الواقع لم يكن موقفا، جاء أيضا بشكل طبيعي، عندما أكتب نصا أساسيا أجدني بالضرورة أمام القصيدة وفي هذا يحضرني جواب صموئيل بيكيت ومن دون منازعة عندما سئل في استفتاء أجرته صحيفة »ليبراسيون« عن لماذا تكتب، أجاب العديد من كتاب فرنسا بمقالات مطولة ولكن بيكيت أجاب بنصف جملة قائلا: اBon quصa چaب. (أي لا أصلح إلا لهذا) وحذف »لا أصلح« وما كان من صحيفة »ليبراسيون« إلا أن وضعت صورته على كامل الصفحة وكتبت تحته العبارة أعلاه. هذا من ناحية، من ناحية أخرى، كنت قد بدأت منذ 15 عاما كتابة نص سردي اسمه »كتاب البئر«، نشرت منه عشرين صفحة في مواقف العام 1988 وما زال النص أمامي منجزا وغير منجز وربما سيصدر عندما أقتنع بذلك حبي للشعر وعلاقتي النصية به تجعل من أي ممارسة لشكل آخر من أشكال الكتابة أمرا أقل أساسية وبالتالي أقل ضرورة للنشر. لعل في هذا أو فيما أقول وما تسأل الإجابة المثلى لسؤالك الأول. بيروت { الملاحظ أنك أصدرت، منذ إقامتك في بيروت عددا من الكتب، قد يوازي ما كنت نشرته سابقا. هذا »النشر المكثف«، قد يحمل جانبين، ولعل أبرزه قول أحدهم مثلا، أنك »مكثر« ما تعليقك؟ في الواقع، ببساطة ما نشرته في بيروت بعضه نشر في بيروت ولم يكتب في بيروت، وهو »ديوان المكان« والذي كتبته في بيروت ونشرته شعرا هو »ديوان الاحتمالات«.. بالإضافة الى هذا الكتاب الذي نحن بشأنه »إمضاءات« أما عن المنتخبات الشعرية التي صدرت لي في القاهرة والأعمال الشعرية، فتلك تحصيل حاصل. أما عن كثرة النشر التي تريد الإشارة إليها فلا أجد فيها كثرة لسبب بسيط، جئت بيروت العام 1996 ونحن في عام 2002، خلال ست سنوات، نشرت أربعة كتب. إذا كان هذا كثيرا، فلا تعليق لي، ولكن »صيت الغنى ولا صيت الفقر«. { في بعض نصوص »إمضاءات« ثمة تحية كبيرة لبيروت، ما معنى بيروت اليوم، لشخص مثلك، كان يعيش في باريس؟ التحية لبيروت منذ الصفحة الأولى، وحتى منذ عنوان الكتاب الأسبق الذي غيرته، كان يحمل عنوان »صيد على المتوسط« بالنسبة لشخص مثلي أقام وعمل قرابة ربع قرن في باريس، شكلت العودة لبيروت إعادة انبعاث لعلائق ولمادة وموروث ومعطى نصي سياسي اجتماعي عربي في غاية الأهمية بالنسبة لي. بيروت أولا عاصمة عربية أجد فيها باريس وبغداد معا أي تجمع أطراف منفاي وقد ذكرت ذلك بشكل جلي في المقدمة لإمضاءات. وبيروت مدينة لا سقف لها أي أنك لكي تحيا في القاهرة وهي مدينة غنية عميقة ساحقة، لكنك لا يمكن أن تعيش فيها دون أن تتلبس كل شيء فيها حضورا ورمزا أي أن تكون ابنها بشكل ما، تتبناك وتتبناها، وإلا لا مجال للبقاء فيها. وكذلك شأن كثير من العواصم، تحتويك، تصهرك، لا هامش فيها إلا بيروت يمكن أن تكون من أنت وبالشكل الذي تريد وتعطيك بيروت ما تريد ولكنها تترك لها الهامش الذي هو أعمق أشكال الحرية، لكي تحيا كما تريد أيضا. يمكنك أن تعيش في بيروت كهندي أحمر دون أن يضطرك الأمر أن تخلع الريش على رأسك وتبدل رقصتك مع إله السماء. هذا النوع من المدن نادر في العالم وأكثر منه ندرة في العالم العربي وببساطة لا يوجد إلا بيروت. هناك باريس وبدأت تضيق في هامشها. هذه الخصوصية لا يشعر بها اللبنانيون كما اتضح لي حتى وان سافروا هم يشعرون بحنين عارم إلى مدينتهم وهذا مفهوم، ولكن الأجنبي الذي عاش مثلي في مدن كثيرة يمكنه تجلي مثل هذه الخصوصية. أضف الى ذلك، بيروت في المنطقة العربية خلية نحل ولا مبالغة في ذلك. العملية الانتاجية والحياة بكل أشكالها ورغم كل إرهاصاتها وتناقضاتها، متواصلة متواصلة، متصلة، لا حرب تقف بوجهها ولا أزمات اقتصادية ولا مشاكل داخلية حينما تبدو للسطح وكأنها عقبة كأداء في وجه من يحيا فيها، إلا أن هذه كلها مظاهر تغطي سطح المدينة ولأعماقها وأسرارها إيقاع ومعادلة خاصة بها. أذكر على سبيل المثال حادثة شخصية وقعت لي وكنت جالسا في شرفة »السيتي كافيه«، جاءني صديق لبناني شاعر بلغ به الأسى والقنوط أن يلعن كل شيء في مدينته ويريد الخروج إلى أي مكان قلت له ببساطة أنظر حواليك أنت الآن تشرب كأس النبيذ على شرفة في مقهى في قلب مدينة عربية هل تستطيع أن تمارس هذا في عاصمة أخرى. قال لا. قلت له أنظر أيضا حواليك، هنا رجل وامرأة يتعانقان بحرارة في ذات المكان، هل يمكن أن ترى هذا في عاصمة عربية أخرى، قال لا. قلت له: كل ما قلته لي الآن من لعنات وشتائم وسباب أكتبه كما هو وإن لم تجد من ينشره لك في بيروت فسأجده لك. قال لي ماذا تقصد، قلت يا سيدي إذا وجدت مكانا آخر في العالم العربي وحتى الأجنبي تنشر فيه فاذهب له فورا ووفر على نفسك عناء اللعنات. جمع المتناقضات { تتحدث في »إمضاءات« عن السياب وأدونيس والبياتي ودرويش وقباني وآخرين.. كيف تجمع بين هؤلاء جميعا.. نحن نجمع بين هؤلاء في كل ساعة أثناء لقاءاتنا كمثقفين وأدباء يعملون في هذا الوسط. ولكن حينما ينتقل الأمر للكناية فقط يبدو وكأنه أمر يجمع المتناقضات. ذلك بالفعل لأننا أبناء ثقافة شفهية قبل كل شيء. ومن صفات الثقافة الشفاهية أنها لا تبقى، تستهلك لحظة القول، وبالتالي لا أثر، ولكن حينما نكتب نضع الأشياء لتبقى وبهذا المعنى فإننا نحملها دلالة جديدة هي الدلالة التحريرية، أي ما تسعى لاستبطانها أو استقرائه وهو الوصول الى »الأطروحة« (syntheصce) وعلى أي حال فأي شاعر من جيلي لا يمكن له إلا أن يكون قد قرأ وحفظ وكون رأيا، صداقة أو خصومة، مع هذه الأسماء ومن هنا أستغرب سؤالك لأنني أجد في غياب هذه الأسماء عن تجربتي الشعرية المفارقة بالأحرى. { لا أريد الحديث عن مفارقة، ولكن إسمح لي أن أقول، وعبر رأي شخصي جدا، إنني لم أحس نفسي قريبا من هؤلاء ربما فقط أختار معظم السياب، وبعض نزار قباني. هل يفاجئك هذا؟ لا يفاجئني الأمر كتقرير (Constatetion) ولكن يفاجئني إن كان ينطوي ذلك على موقف نقدي، لأن شاعرا من جيلك شديد الالتصاق بالشعر العالمي، عبر الترجمة، وكمترجم لهذا الشعر، أيضا ويتمتع بهذه الممارسة، يمكن أن يعيش هذا النوع من الابتعاد وعدم التأثر المباشر على الأقل بالشعراء الرواد.. ولكن نقديا أقول، أمر مفاجئ لأننا إذاك يجب أن نتحدث عن الشعر كلغة عربية وهؤلاء مجتمعين يشكلون قاموسا شعريا عربيا، يمكننا تجاوزهم إن استطعنا، لكن ذلك يجب أن يقدم أولا في النص الشعري قبل الحكم النقدي.. { سؤال شخصي آخر، ماذا بقي من البياتي؟ بالأحرى، في الكتاب، سؤال مهم جدا، عن »جيل الرواد«، كيف تفهم أنت الشاعر وقبل أي شيء هذه المرحلة وهذا التاريخ؟ اخترت في سؤالك أضعف من يمثل جيل الرواد... { (ربما بلؤم). ... ذلك أن البياتي فعلا وكان رأيي فيه منذ عقود قبل رحيه، أن نصوصه التي أثرت وصنعت منه الاسم الذي نعرفه قد توقفت بالنسبة إلي عند ديوانه »الذي يأتي ولا يأتي« أي بين »أباريق مهشمة« وبين »الذي يأتي ولا يأتي«. بعد ذلك دخلنا في مرحلة، السياسة والمنفى والمؤثرات الخارجية التي تجعل من الكثير من الشعراء ظواهر شعرية وهذا ما حصل للبياتي على وجه التحديد، أما عن الرواد وهذا سؤال شائك ومهم، فإنني بادئ ذي بدء أقر لهم بالريادة لأنني قرأت لهم وحفظت لهم قبل أن أكتب وأثناء كتابتي النصوص الأولى وبهذا المعنى فهم أدوا بالنسبة إلي دور الرواد ولكن السؤال الحقيقي اليوم، نحن نشهد منذ على الأقل، العقدين الأخيرين، انفجار البركان الشعري العربي، بكل أشكاله وأعداده وصيغه وانفعالاته. هذا البركان الذي يتواصل اليوم حدة وعنفوانا وحمما على كل صفحات المطبوعات اليومية والأسبوعية والشهرية، بالاضافة الى الثورة المعلوماتية التي تجعل من كل شاعر ناشر لنصه وبهذا المعنى، فنحن أمام هذه شعرية، حطمت كل المقايييس، بما فيها، مقاييس الرواد. أوضح، لو جئنا الى المحصلة العددية على الأقل للشعراء العرب على كامل الخارطة العربية خلال ربع القرن الأخير لوجدنا أن العدد يتجاوز بالمئات أعداد الشعراء التي ظهرت عندما ظهر الرواد. ولو اقتربنا أكثر ولاحظنا حركية التطور الشعري، لوجدنا أن ربع القرن الأخير هذا، قد لف تحت جناحيه تيارات وأشكالا شعرية بين النثر والتفعيلة والسرد وكل الأشكال التجريبية التي ما زالت تتدفق، في حين أن فترة الرواد قد تمخضت عن نقلة واحدة وهي من العمود الى التفعيلة فقط. وأكثر من ذلك، المشهد الشعري العربي اليوم، يضج بالأصوات الشعرية المنقولة الى العربية والحاضرة في أدائنا الشعري عبر الترجمة بشكل يجعلنا نقول إننا في الشعر سبقنا العولمة وحققنا هذا المصهر الشعري إنسانيا في حين أن الشعراء الرواد كانوا قد بدأوا هذه العلاقة مع الشعر العالمي بشكل متواضع. واذا ما أخذنا بعين الاعتبار محصلة كل هذه المقارنة لوجدنا أن جيل الرواد في خارطة الشعر المعاصر، يشكل قمما عالية في جزيرة صغيرة، أي لو قلبنا الآية وأخذنا النصوص الريادية بمحصلة المنتج الشعري العربي اليوم وتياراته وتعداد كتابه وحضور الشعر العالمي فهل سنجد فيها ذات القمم؟ { وأين تضع قصيدة النثر التي مارسها الرواد؟ أنسي الحاج، الماغوط، شوقي أبي شقرا، توفيق صايغ وغيرهم؟ أفرق بين النقلة التي تجد صداها ومريديها على مجمل الخارطة العربية كالنقلة الى التفعيلة التي شاعت وطغت وبين النقلة التي استحدثت فعلا في ذلك الوقت ولم تجد طريقها الى الشيوع وتأسيس تيار خاص بها عربيا عبر الخارطة العربية إلا بعد ربع قرن على الأقل.. النثر { صحيح أنها جاءت بعد ربع قرن، ولكن هناك مفارقة لا بد أن تلفت نظرنا: غالبية الشعر الذي يكتب اليوم، ينتمي الى هذا »النثر« الذي ترى أنه كان بحاجة الى فترة طويلة، كي يؤكد حضوره؟ لا أرى أنا ذلك، هذا ما حصل. أن نفسر ذلك، أمر ممكن البت فيه، إنني أعتقد أن النقلة الأولى، من العمود الى التفعيلة، كانت نقلة شكلية بحتة، أي أن تكتب قصيدة فيها شطر وعجز، متواز في عدد التفعيلات ثم تنتقل الى قصيدة، يختلف عدد التفعيلات فيها بين سطر وآخر وتتعدد القوافي، ذلك يعني، أنك في نفس الخطاب الشعري، في نفس المنطقة من الإيقاع، وأكاد أقول في نفس الروح. ولهذا لم تجد الشعوب العربية أي عسر، في هضم هذا الشكل وتبنته وشاع بسرعة. أما النقلة الثانية التي تتحدث عنها فقد جاءت بخطاب شعري جديد جذريا، أي أنها لا تغير في هندسة الإيقاعات والمقاطع الصوتية، إنما تكسر »أكواريوم« القصيدة لتضع حيواتها الشعرية في البحر، وبهذا المعنى، فإننا أمام والحالة هذه نص فلسفي فكري حتى أخلاقي مختلف. في إحدى المقابلات وصفت القصيدة العمودية والموقف منها بأنه يشبه الى حد كبير المرأة المحجبة والموقف منها. ولهذا أتحدث أن في الشكل الجديد انقلاب حقيقي يمس كلّ وشائج العلاقة مع مكونات النص وطبيعة الخطاب. لمثل هذا التحول، كان لا بد من ربع قرن... من يغسل فم جبران { ما تقوله، على جانب كبير من الصحة، بيد أنني أتوقف، حول نصك الذي كتبته عن جبران (في امضاءات) »من يغسل فم جبران«. في »مقارنتك« جانبيه وبين أحمد شوقي، أجدك، تعالج هذه المسألة، من باب آخر، ولكنك، تستخلص بعض »الأحكام«... أجدك تميل أكثر إلى جبران، الذي نجد امتداد نصوصه النثرية/الشعرية، في هذا الجيل الذي جاء بعد ربع قرن؟ صح، هذا صحيح إلى حد ما، لأني، ربما من الشعراء الذين تتقاطع، أو يتقاطع في تجربتهم جبران وشوقي. بالفعل أقول لك، شكل جبران وشوقي، أولى فراداتي بين الخامسة عشر والسابعة عشر. وكتابتي للقصيدة العمودية في ديواني الأول هو استمرار لوفاء إرثي وجدتني اسرع من يقفز خارجه لأنشر ديواني الأول، »حديث المغني للجزيرة العربية« (1970) من شعر التفعيلة فقط، لأبد ثورتي الصغيرة على نفسي بحذف وأنا آسف لذلك الآن كل قصائدي العمودية ولأضمن حتى هذا الديوان قصيدتي نثر. وبهذا فإن الحضور الجبراني لدي في هذه المرحلة مباشرة صعد إلى السطح ليؤسس لنص النثر. وتلك خصوصية عشتها حرفياً ومن هنا استوقفني موضوع الرسالة التي بعث بها جبران لميّ وكتبت عنه المقال الذي تشير إليه. { تحدثت في جواب سابق عن الترجمة، واعتقد أنك تقصد التماس مع الشعر العالمي بلغته الأصيلة. هنا أحب أن أسأل، وبخاصة ان في الكتاب، مقالات عن بعض الشعراء الأجانب، الذين تربطك بهم، صداقة ما (لا ننسى صداقتك الكبيرة مع غيوفيك). أنت أيضاً، من هذا الجيل، الذي فتح الشعر الأجنبي، بعض الأبواب في وجهه، مارست الترجمة أيضاً، أي ما أريد أن قوله: إنك لست من هذا »الجيل الصافي«، ولا اعتقد أنك تستطيع أن تنكر. الدور الذي لعبه هذا الشعر في نصوصك. بهذا المعنى، أين يقف شوقي عبد الأمير؟ أقول لك بكل بساطة لست من جيل صاف والجيل الصافي هو الجيل المغلق الأبواب، المنكفئ، والصافي في الشعر لا يعني شيئاً. الشعر بالنسبة إلي، هو أعمق أشكال الاختلاط والاشتباك بالآخر. وبهذا المعنى فلست صافياً، أمّا عن ما قدمته لي علاقتي بالشعر الأجنبي صداقة وترجمة (الفرنسي بالذات) فتلك مسألة أتحدث عنها بايجابية وسعادة لأنني لولا ارتطامي باللغة الفرنسية أولاً، واكتشافي لها عبر الترجمة ومواصلة حياتي اليومية طيلة عشرين عاماً مع الشعراء الفرنسيين لما أدركت هذا الشكل الذي أثبت فيه. تستطيع أن تقول أكثر من ذلك أنا شاعر بأمومة عربية وبأبوة فرنسية.. { انه كلام خطير.. لأنني وأضيف عشت 25 عاماً في الشعر الفرنسي، وفي اللغة الفرنسية وكانت هذه العشرين عاماً، مصهراً شعرياً حقيقياً بالنسبة إلي قبل كل شيء. وما عدائي للبنان وبيروت، وهنا أجيبك بعمق عن سؤالك السابق، إلا انني صرت في فرنسا أمام السؤال الملح، هل سأصبح شاعراً فرانكوفونياً كما هو الحال لأسماء عديدة لشعراء عرب يكتبون بالفرنسية؟ أم أنني سأبقى شاعراً عربياً فقط يعيش في فرنسا وللاجابة على هذاالسؤال عشت سنوات في هذا التداخل إلى أن حسمت الأمر وقلت لست شيئاً آخر إلا شاعراً عربياً وبهذا المعنى قررت العودة إلى عاصمة عربية استطيع بها ومنها أن أرسخ هذه الاجابة شعرياً. ومن هنا جاءت بيروت. وقد كنت طيلة سنوات أقرأ كل يوم قبل أن أنام وبصوت عال المتنبي والشعراء العرب الكبار ولا يمر أسبوع دون أن أغيب في لسان العرب لساعات طويلة، ذلك أنني كنت أحاول بهذا الامساك بالحضور العربي لغة ونصاً في حين أن يومي وعملي وعلاقاتي ممتدة لأكثر من عقدين في اللغة الفرنسية. مهاوي صحراء النثر { في أحد نصوص الكتاب، نقول، »مهاوي صحراء النثر كيف يمكن لشاعر مثلك ان يستعمل هذه العبارة؟ رغم كل الإطار الذين تتحدث فيه. هذه العبارة تبدو لك سلبية للنثر لأنك تقر الهاوية والصحراء بالمعنى الأخلاقي العربي الإسلامي. الهاوية بالنسبة إليّ هي ذروة الاشراقة الشعرية. الشاعر الذي لا يشارف على الهاوية لا يقول شيئاً مجدياً. والصحراء بالمفهوم الأخلاقي العربي هي الجفاف والجدب والقفر وفي الشعر هي إلى لا نهاية والضوء والامتداد والتجدد، ومن هنا فإننا إما أن نقرأ هذه العبارة بروح الشعر العمودي وبهذا تبدو متناقضة أو نقرأ بروح الشعر المحض، فتبدو أقرب لي وأصدق لما أحسّ به. { سأخذ فقط أحد العناوين الفرعية لمقالة في الكتاب، من دون الغوص في تحليله، لأنني أوافق عليه بشكل كبير وهذا النص، هو »المقدمة التي لم تنشر ل كتاب أدونيس، لماذا لم تنشر؟ اعتبر سؤالي هذا، نوعاً من الحشرية الصحافية؟ بالضبط أنا قرأت ديوان أدونيس، الجزء الأول مخطوطاً، وتحدثنا كثيراً في باريس، قبل صدوره وبكل بساطة في ذلك الوقت فكرت بكتابة شيء، أردت له أنا »ادعاء« »أن يكون حقوقه لديوان، ولا أشك ثانية واحدة أن أدونيس بحاجة إلى مقدمة. ولكنني أعطيت لهذا المقال، هذا العنوان، وكأنني أريد أن أقول انه ليس نقداً ولا تحليلاً ولا متابعة صحافية انني كتبته بمعنى المقدمة. الأمر بالنسبة لي يتوقف عند هذا الحد، علماً، أنني ارسلته إلى صحيفة »الحياة« وهو يحمل عنوان المقدمة ولكنه لم ينشر بعنوان المقدمة، واختار له مسؤول الصفحة آنذاك عنواناً آخر لا اذكره، ولكنني عدت إلى اوراقي ونشرته كما هو بعنوانه الذي اخترته! وبهذا الصدد وخارج حكاية العنوان، جاء في هذا المقال، نقاط أساسية في تشخيص الكتابة »لكتاب« أدونيس أهمها تلك التي تحدثت عنها في مجلة »الوسط« وحذفت من المقال يضاً، مع العلم أن المقابلة مع »الوسط« قد نشرت منذ بضعة أشهر، وآمل ان لا تحذف هذه المرة، وهي التي أقول فيها: إن مشروع أدونيس في »الكتاب« هو مشروع نيتشه، مع المسيحية. أراد نيتشه في (le Gai Savoir) على وجه التحديد، تهديم المسيحية وضدها، فلسفيا شعريا، لأن لغة نيتشة معروفة بشاعريتها، وأدونيس، المسكون بنيتشه، يحاول في الكتاب هزَّ التراث الإسلامي انطلاقا من الشعر كقيمة مطلقة عليا يمكن ان تكون بديلا من كل المنتج الفكري والديني العربي. تلك هي النقطة التي يجب ان نقف عندها لكي نفهم بالعمق كتاب أدونيس ومشروع أدونيس وأهمية ان يكون الشعر قيمة مطلقة بديلة لا جماليا فقط ولا ثقافيا ولا تأريخيا. ان الجذر الخطاب الشعري، عربيا خاصة، يتمحور في النقطة التي يجرؤ شاعر ان يقول في نصه البديل لكل الموروث والسائد والمكتوب. ما هو الشعر؟ { أوافقك ذلك، ومع هذا، الا تجد ان هذا المشروع الطموح، أبعد أدونيس قليلا عن فضائه الشعري الخاص، أقصد: شاعريته، حين تحمجل الشعر أحيانا، هذا الخطاب الفلسفي، التاريخي، الفكري، الاجتماعي، لا بد ان نسأل: ما هو الشعر؟ في العربية، إذا لم يكن للشعر طموح بهذا المدى فلن يكون ذلك في أية لغة أخرى أولا ذلك ان العربية هي لغة الشعر لا بمعنى المفردة والصياغة إنما بمعنى الخطاب. اليونانية لغة فلسفة، الفرنسية لغة خطاب، الانكليزية لغة معرفة وعلاقات. الايجاز الانكليزي هو السهولة المثلى التي يجعل منها لغة العالم اليوم. وما يقوله »هيردر« في »تأريخ الحضارات« عن العربية يؤكد الى حد كبير ذلك، عندما يقول ان العربية هي شعر بما في ذلك لقائها مع القرآن. تاركا الفارسية للفنون والرومانية للقوانين وهكذا.. ولو جئنا خارج مسألة التعريف والتأريخ هذه، الى المحصلة المنجزة معرفيا داخل اللغة العربية، لوجدنا ماذا؟ شعراء في العصر الجاهلي؟ شعراء في العصر الأموي، العصر العباسي، والى جانبهم بعض المناطقة و»الفلاسفة«، وحتى يومنا هذا لو سألتك عن اسم مفكر عربي لأطرقت وأنا متأكد في بحث قد لا تصل به الى نتيجة، ولو سألتك عن شاعر، لأطرقت في زحام الأسماء وتراكم النتاج. كل هذا يؤكد لنا ان حضارة شعرية قبل كل شيء، كانت لنا أشياء أخرى، ولكن شعرية قبل كل شيء. حتى الطب كتبه ابن سينا نظما (ألفية ابن سينا). وحتى النحو كتبه ابن مالك نظما (ألفية ابن مالك)، أي ان الخطاب الشعري عندنا هو الطاغي، وكل عربي مهما امتلك من سلطة او مال سيجد في داخله يوما ما شاعرا نائما. ليست هذا بمحض صدفة، أردت من هذه المقدمة ان أقول، ان هذه اللغة العربية إذا لم تلد شاعرا يحلم بأن يكون في الشعر البديل المطلق للوجود تأريخيا ولانتاجه وابداعه فان ذلك، لن يكون في لغة أخرى. سيطرة اللغة العربية { وكأنك تؤكد، هذه السيطرة للغة العربية، السيطرة المطلقة؟ مضبوط، هذا سؤال مهم، هذا سؤال في غاية الأهمية لأسباب، نحن عرب انتماء الى اللغة قبل كل شيء، ولو ذهبت الى كل القواميس العربية القديمة طبعا، لوجدت تعريفا واحدا للعربي هو: من يحسن اللغة العربية. لا انتماء عرقيا، جغرافيا، دما او ثقافيا يشكل هوية العربي كما ان »الأعجمي« أي الأجنبي هو من في لسانه »عجمة« والاعراب من الفصاصة لا من الانتماء، هذا من ناحية. من ناحية ثانية، في التكوين القومي العربي، ولا اقصد به السياسي بل الانحدار التأريخي كان في جنوب الجزيرة العربية، 36 لغة يسميها المؤرخون العرب في مطلع العصر الإسلامي بالمسند، وهي اللغات الجنوبية التي عرفت وشاعت كالمعينية والسباية والسقطرية الخ.. هذه اللغات اندحرت أمام انتصار لغة قريش وكانت واحدة من هذه اللغات في القرن الرابع قبل الميلاد، تاريخ سيادة لغة قريش على الجزيرة، هذه اللغة التي نحن أبناؤها وبها نزل القرآن وهي لغة الشعر الجاهلي. الدارسون الأجانب يفرقون بين صفتين للعربية نحن لا نملك الا صفة واحدة ازاءهما. هاتان الصفتان هما، أرابيك« و»آراب«، كلاهما بالترجمة العربية، »عربي«، ولكن الفرق شاسع وعميق ولا يخطفئ به الدارسون على الأقل، ذلك ان كلمة »أرابيك« تعني النسبة الجغرافية من جزيرة العرب. وهم يقولون اللغات »الأرابيك« أي العربية ويقصدون بها اللغات الجنوبية غير العربية التي تتكلم بها، أي لغة الشمال. أما حينما يقولون »آراب« فيقصدون النسبة الى اللغة العربية. وبهذا المعنى، فنحن عرب، انتماء الى لغة قريش ولسنا »أرابيك« لأن في الجذور الما قبل عربية، امتدادات اندثرت ولم يبق الإسلام عليها في شيء، لعلاقتها بالوثنية، هذه المقدمة لأقول لك اننا عربا باللغة قبل كل شيء، وإذا ما قارنت ذلك بالفرنسية على الأقل، لوجدت ميلاد هذه اللغة، يوفق مع ميلاد آخر قاموس عربي وهو »لسان ابن منظور« أي ان La Chanson de Rolaut في القرن الثاني عشر، أصل اللغة الفرنسية، قد تزامن مع انجاز أكبر قاموس وآخر قاموس في القرن الثالث عشر. كتاب في جريدة { قرأنا مؤخرا، انه جرى حذف ما، لبعض فقرات كتاب إبراهيم الكوني.. في احدى النسخ التي صدرت في بلد خليجي. ما تعليقك وأنت المشرف على مشروع كتاب في جريدة؟ أرجو ان لا يطلب من كتاب في جريدة ان يحل كل مشكلات الثقافة العربية. وبالنسبة لأولئك الذين يكتبون وبحرارة في التعرض لمثل هذه اللقطات التي »تحدث« مطالبين كتاب في جريدة بأن يقيم العدل ويعيد ترتيب ناحية الأشياء في هذا الخضم الثقافي والمضطرب كل يوم أكثر فإنني أجد قبل كل شيء تحية كبيرة من قبلهم وايمانا قد يتجاوزني أنا شخصيا في انني قادر للتصدي لكل ما يجري في دهاليز الرقابة او مشكلات النشر ومعضلات انتقال الكتاب في العالم العربي. هذا من ناحية، من ناحية أخرى، كتاب في جريدة اليوم، ينشر جبران في السعودية، وأمل دنقل والسياب ويوسف ادريس وأدونيس وهم من المحظورين في الكثير من العواصم ويوزعهم لا بمعدل النشر المألوف أي بضع مئات في كل قطر إنما بضع مئات الآلاف وهذا ليس نشرا إنما إشاعة وتعميم. هذا الأمر في حدا ذاته بالإضافة الى الكم الهائل (مليونين ونصف نسخة شهريا) وبالاصرار الدائب نحن في العدد الثالث والخمسين والقائمة طويلة، فإنه أمر في غاية الأهمية وهو تأسيس لثقافة جديدة لأن دخول هذا الكم العفوي التلقائي »من القارئين« الى الساحة الثقافية سيحدث بالتأكيد على المدى المتوسط والبعيد نقلة نوعية في علاقة المتلقي العربي بمنتجه الابداعي وبالتالي افراز حتى قيم نقدية جديدة لأن »بركة القراء« التي تجف كل يوم ما عادت مرجعا ولا منطلقا لأي قيمة نقدية جماهيرية وهذه هي أزمة النقد العميقة في العالم العربي. أي اننا يمكن ان نتفلسف ما نريد ونحدث ما نريد ولكن عندما تدير شعوبنا ظهرها عنا فذلك يعني اننا نقيم الدنيا ونقعدها في »فيترينة« فقط. { من أعمال المؤتمر الاستثنائي الأخر، برمجة اصدار 24 قرصا مدمجا للتراث الشعبي. ما علاقة ذلك بمشروع »كتاب في جريدة«؟ وكأنه يبدو مشروعا مستقبلا؟ عندما نفهم ما قلته قبل قليل في العلاقة العفوية التلقائية مع ملايين القارئين العرب فاننا نقترب من الاجابة على سؤال حيث ان في هذه المنطقة بالذات تصب كل معطيات النتاج الابداعي وكلمة الشعبي لا تعود تعني أي تشخيص آخر سوى المتلقي الأبسط والأعم، هذا المتلقي الذي لا يتلقى اليوم إلا أردأ الأغاني وأردأ المسلسلات التلفزيونية ومن هنا فإن لقاءه مع النص الأدبي الرفيع لكتاب في جريدة هو غذاء أول ولكنه يصب في نفس المنطقة التي يتلقى فيها ذات الوسط الاجتماعي: الموسيقى والأغنية ومن هنا، فإن اعادة توثيق وتسجيل نصوص في طريقها للاندثار ومن ثم توزيعها فإنه فعل مكمل بمعنى الهوية الثقافية. يجب ان تعرف ان كتاب في جريدة، لم يأت لتثقيف المثقفين وإذا فهمنا ذلك وارتحنا من هموم ومتطلبات المثقفين الذين كما أعتقد لا ينتظرون اليونسكو حتى يقرأوا وانتبهنا الى الحاجة العميقة لشعوبنا كي تتواصل مع ينابيع ثقافتها بكل أشكالها لوجدنا ان بين رواية لنجيب محفوظ وديوان للسيّاب ومقطوعة زجلية لبنانية ومقام عراقي »قصاخون« عراقي، بالنسبة للشعوب التي تتمحور وتلتف حول ميراثها وابداعاتها علاقة تواصل متينة وضرورة ملحة اليوم قبل أي يوم.