مقولة اللغة الوعاء الحضاري للشعوب، تتمظهر عندما نتعثر بمسميات مختلفة لأشخاص وأمكنة وأشياء ومهن، لم يعد لها من وجود سوى في اللغة، كأنما اللغة ذاكرة مهمشة وتاريخ مكتوم، ويمثل الخوض في جذره اللغوي بحثا في الجذور ومغامرة تنفتح على اتجاهات عديدة تاريخية اجتماعية وسياسية وفكرية وثقافية. وقاموس الصناعات الشامية الذي يضم 437 حرفة عرفها الدمشقيون. الكتاب النفيس الذي وضعه محمد سعيد القاسمي وجمال الدين القاسمي وخليل العظم، في بداية القرن الماضي يكاد أن يمثل واحدا من أهم المصادر التي تحفل بمفردات ومصطلحات وقصص تعرفنا بالواقع الحياتي اليومي لبلاد الشام من خلال لغته الأقرب الى العامية الدمشقية في ذلك الحين، تحكمها لغة فصيحة، وإن كانت موشاة بكلمات »عصملية«، بسبب طبيعة الفترة التاريخية، بالاضافة الى دلالاتها القوية فيما يخص تحول مفاهيم بعض المفردات التي كانت سائدة حينذاك وأهمها كلمة الصناعة، التي باتت اليوم محملة بمفهوم اقتصادي متعارف عليه، سواء كان خاصا أو عاما للإنتاج المادي، كاستخرج موارد الطبيعة ومعالجتها واستثمارها. يذهب قاموس الصناعات الشامية الى وصف كل حرفة أو عمل أو شغل يدر المال، على أنه صناعة، فتندرج على سبيل المثال، الشحاذة، بوصفها »صنعة« في قائمة الصناعات. من جانب آخر تشكل صناعات القاموس معيارا واضحا لقياس الاغتراب الذي داهم مجتمعاتنا ما بين بداية ونهاية القرن الماضي، فما كان مسلما بمعرفته ببداية القرن، صار للذين عبروا الزمن نحو الألفية الثالثة شيئا غامضا وغرائبيا، فالتطور الاجتماعي المصحوب بالتطور التقني أفرزا لغتهما الرديفة والمعاصرة والتي أجهزت على ما اضمحل من لغة كانت سائدة في الماضي، فبلدة دمشق التي كان يسكنها آلاف من البشر لا يتجاوزون المائتين، أصبحت اليوم المدينة الكبرى والعاصمة التي يسكنها بضعة ملايين يتجاوزون الستة. التطور الذي انعكس في هذا التوصيف، ينسحب أيضا على توصيفات أخرى كثيرة وفي مجالات عديدة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ ومن خلال لغة الصناعات نتعرف على التركيبة الاجتماعية لمنطقة بلاد الشام وبالأخص دمشق من حيث التعددية المذهبية الدينية المنعكسة في فرز المهن حسب انتماء محترفيها كالنصارى واليهود، وكذلك الاستدلال على تعددية الأعراق والأجناس المستوطنة في الشام كالقرباط (النَّوَر) والأكراد والشركس أو أبناء أقاليم أخرى كمصر وأفغانستان. إلا أن الاستدلال الأهم، يتجلى في التركيب الطبقي للمجتمع من خلال تصنيف المهن وفق فرز أخلاقي ما بين مهن شريفة وأخرى غير شريفة، وأيضا مهن دنيئة لأهلها وأخرى لغير أهلها، وفق معيار طبقي يحدده حجم رأسمال المال من جانب، ونظافة المهنة أو قذارتها من جانب آخر، قد نعجب اليوم لهذا الفرز، لكن علينا ألا نستهجنه، كون بعض المهن ما زالت لدى العامة والعائلات المحافظة غير مرغوبة وإن لم تعد توصف بالدنيئة أو غير الشريفة، لسببين الأول أن حكم »الشرف« اقتصر على مضامين وطنية وأخلاقية بحتة، الى جانب تلازمه مع الكسب الشرعي للمال، ولا تهم كثيرا وضاعة العمل، التي كانت قياسا لشرف المهنة، ثانيا بعض المهن التي كانت مكروهة تبدو اليوم من المهن المحببة أو المقبولة اجتماعيا لما تدره من مال وفير، أو تحققه من مركز اجتماعي مرموق، مثل مهنة الاستيراد والتصدير والتي تقابل في الماضي مهنة »البزاز«، المصنفة ضمن المهن الشريفة لكنها مذمومة لأن ممارستها قد يشوبها الحرام، فالبزاز هو مستورد الأقمشة والملابس غير المخيطة، وغالبا حسبما يشاع تكون مغشوشة فيضطر البزاز للنفاق والتدليس والأيمان الفاجرة، بحيث أن آخر أمر البزاز ذهاب رأس ماله، ومال غيره من التجار. كما يلاحظ أن مهنة كانت تعد رفيعة كالتعليم، قد انحطّ قدرها منذ عقود بسبب كسبها الضئيل وصارت من المهن المتواضعة وصاحبها غير مرغوب به في الزواج، وهذا ما يتناقض مع احتفاظ المجتمع بالمقام الرفيع للمرأة العاملة في التدريس لما توفره هذه المهنة من ظروف عمل اجتماعية ملائمة للمرأة أكثر من الرجل. وتنعكس أهمية المهنة أو تفاهتها فيما تتناقله العامة ووفق معيار غير متسامح، لا يهم ماذا تعمل بل ماذا تكسب، فالعمل مهما كان، يستطيع المال الوفير أن يغسله من العيوب. كذلك اختلف المعيار الأخلاقي الذي تقاس عليه المهن الدنيئة من المنظور المحافظ مثل المهن الفنية كالتمثيل والغناء والرقص والرسم والتي كانت مرفوضة ومنحطة بامتياز، هي اليوم محبذة لدى الشرائح المنفتحة ومتحفظ عليها من قبل الشرائح المتزمتة، الى جانب مهن جديدة طرأت على المجتمع مثل مضيفة الطيران والتمريض، والأعمال الفندقية، والسكرتارية، ورغم الاستنكار المتفاوت الذي يطالها، لا يصدر عليها حكم أخلاقي، تحت لافتة مهن شريفة أو غير شريفة، بل تحت مفهوم آخر يعبر عنه بمهن محترمة أو غير محترمة، ولا تستوجب التقدير، إلا بما تجنيه من مال، وبالمقابل تجني مثيله من الاحترام. اليوم، المقياس هو المال، هكذا بجلاء، إنه القيمة المثلى التي يتصاعد اعتبارها. المجتمع الشامي أسوة بغيره من المجتمعات أصابته تحولات عميقة انعكست على مفاهيمه للحياة والعمل والبشر، وربما من خلال العمل (المهن) يتبدّى لنا ذلك التسارع أو الانقلابات الحاصلة بين أوائل القرن الماضي وأواخره. تعريف بالمهن الشريفة: من المفروغ منه أن ملاك الأطيان والأراضي، سواء كانت الملكية هبة من الله أو من ولي النعمة فهي من المهن الشريفة، وأغلب العائلات التي توارثت الملكيات الكبيرة مثل: بيت العظم والحسيبي واليوسف والجزائري وغيرهم، لا تضن على نفسها بالأنساب والألقاب الشريفة والمهن الشريفة، لكنها تربأ بنفسها عن الصناعات اليدوية. بيد أنه في حدود ما اصطلح عليه بالصناعات، فإن الصناعات المعتبرة من المهن الشريفة هي: الجوخي، الخياط، الديمجي، الرتا، الساعاتي، السروجي، الشالاتي، الطرابيشي، العبجي، الصواف. أما مهنة »الألاجاتي« بتفخيم اللام، فتُعد من أرقى المهن، وصاحبها يدعى بالمعلم الذي يستورد الحرير والغزل »القطن« لتحاك من قبل الصناع. وتكتسب هذه المهن لقب الشريفة من القدرة المالية التي يتمتع بها أصحابها، وهذه الوجاهة تجعلهم يفرضون احترامهم وهيبتهم وكلمتهم في المجتمع الدمشقي المتمثل في إطار الحرفة والسوق والحارة والأسرة. أما المهن غير الشريفة، فمنها الاسكافي، البواب، الجدّا (بائع الجدايا)، الجلاد، الجمال، الحائك، الحفار (حفار القبور)، الخدام (الذي يعمل في الخدمة)، الحميماتي، السمكري، الدباغ، الدلال. وعادة ما كان الفقراء يمتهنون هذه الصناعات الى جانب مهن أخرى أدنى مرتبة منها مثل: مهنة التبع (خادم الحمام)، والبلانة، أو البلان المتعيش من تفريك الأجساد لتنظيفها في الحمامات، وعلى متوالها الدلاك والمصوبن، وهي من المهن الموصومة بأنها لغير أهلها دنيئة وغير شريفة. وقد وصف الشاعر البلان: وبلان له ظفر يباهي به حد الشفار المرهفات وأعمى مقلتي بصنان إبط يفوح به على كل الجهات وتدلنا بعض المهن التي قد نجدها اليوم بائسة جداً وقذرة، بسبب قماءتها على مدى الفقر والفاقة التي يتميز بها بعض ما كان يدعى بصناعة، لكن تزول غرابتها عندما نرى المهنة نفسها تتجدد في أيامنا هذه، حينما نرى الأولاد والكبار من جامعي النفايات يغطسون في حاويات الزبالة. ولعل صنعة »الخرقي« العتيقة الذي يتعيش على جمع الخرق من المزابل، وأفنية البيوت والحارات، فيغسلها وما صلح منها يخيطه على شكل أكياس تباع للعطارين لتستخدم في الصرّ، وما لا يصلح منها يباع للصرماياتية، ليجعلوا منه حشواً للصرامي (الأحذية)، تدلنا على أن المهنة لم تنقرض بل أصابها التوسع والانتشار والازدهار. وقد اشتهر بهذه الصنعة فقراء اليهود في دمشق، مثل ما اشتهروا أيضاً بمهنة »القنياطي« ويعتقد انها لفظ محرّف عن كلمة »قليطاتي« من »قليط« نهر الوخم والقاذورات الذي تصبّ فيه مياه الصرف الصحي. يقوم »القنياطي« بتنظيف المجاري في المنازل، وعرف في مراحل تاريخية سابقة ب »السرباتي«، وقد اندثر المصطلحان من لغة العامة في دمشق. عدا نهر قليط الذي ما تزال سمعته تسبقه إلى الأذهان كمثال للوساخة والنجاسة التي يضرب بها المثل. بين الخسة والدناءة: ضياع مهن وزوالها. وهناك من المهن ما يتراوح تصنيفها بين الخسة والدناءة مثل البرابيشي، الجليلاتي، البغاجاتي (صانع الحلويات)، الأتوني (صانع وبائع مواد العمارة من كلس ولبن)، البقال، السمان، الطيان، العربجي، الصبان، الضمان، المسدى (الحائك). فإذا توقفنا عند الصرماياتي، فسوف نعرف من التسمية انه صانع الصرامي، مفردها صرماية وهي حذاء من نعل أحمر من دون كعب، كان يلبسها كثير من أهل الشام، وأهل القرى بتمامها. ومنه أنواع، نوع لطيف الشكل يسمى »الحلبي« يلبسه البعض من أهالي دمشق. ونوع يعرف ب »نصف كشفة« يلبسه أهل القرى، ونوع أصفر يلبسه أهل العلم. وظلت هذه الصنعة رائجة حتى الربع الأول من القرن العشرين. كذلك مهنة الزرابيلي، الذي يصنع صنفاً معيناً من الأحذية للفلاحين، يدعى زربول، ويتصف بغلاظة النعل، ويقاوم عوامل الطبيعة الزراعية القاسية، وأحياناً يبقى الفلاح يلبس الزربول أكثر من ثلاث سنوات، والمثل الشامي يخص القدم الكبيرة بالزربول وليس بالصرماية. ولهذه الصناعة سوق خاص يدعى »الزرابيلة« لا يزال قائماً في دمشق حتى اليوم، بالرغم من ضياع هذه الصناعة ونسيان أصل تسميتها. كما ضاع أصل كلمة »الشعال« مع زوال وسائل الإنارة القديمة، فالشعال من يتولى مهمة العناية بالفوانيس، تنظيفها وتزييتها صباحاً ليشعلها عند حلول الليل، وكان استخدام الشعال ضرورياً في الجوامع الكبيرة كالجامع الأموي وجامع سنان باشا وغيرهما، لكن خدمة الجوامع لم تشفع لهما وصف صناعتهم بالمهنة الدنيئة لغير أهلها. ومن المهن التي انقرضت وتعتبر من المهن الدنيئة والرائجة »اللطامة« وهي حرفة النساء المتهتكات، وقد اضمحلت هذه المهنة الغريبة مع بداية القرن العشرين وتم التخلي عن استئجار النسوة اللواتي يستخدمن للبكاء والنواح على الميت، فيحللن شعورهن ويلبسن الأسود ويلطخن وجوههن بمسحوق الفحم، وغالباً ما يتقاضين أجرهن مسبقاً ليكون الفعل على قدر الدفع، فيعددن خصال المتوفي الحميدة ويولولن ويلطمن على صدورهن، يساعدهن على ذلك أهل الميت حتى خروج جثمانه من الدار. يندرج في هذا التصنيف أيضاً مهنة الصوفاناتي، بائع الصوفان، وهو مادة مستوردة تستخدم للإشعال، يمتهن بيعها عادة أولاد اليهود، حيث يتجولون بالصوفان الموضوع في صندوق خاص من الخشب والبلور يعلق بالرقبة يدعى »الجام«. وكان الفلاحون يفضلون الصوفان على الكبريت لرخصه وعدم انطفائه في البرية إذا كانت هناك رياح. وهذه المهنة اندثرت مع اندثار مادتها. أما مهنة »الطواب« ويدعوه أهل الشام بضراب »اللبن« وهو من يخمّر التراب مع التبن ويصنع منه لبن، جمع لبنة، وتستخدم للبناء بدل الحجارة، ويعمل الطواب في النهار ما بين الألف والألفي لبنة حسب نشاطه، ويضرب المثل به، فيقال »مثل ضراب اللبن يعد ألوف وينام على الحصير«، وقد تحوّلت هذه الصناعة من ضرب اللبن (التراب والتبن) إلى تصنيع البلوك من الحجر والأسمنت والرمل. ومن مهن العمارة الزائلة أيضاً الشعار وهو ناسج الخص من الشريط، المعروفة ب »شعرية« المستخدمة لحماية النوافذ الزجاجية من عوامل الطبيعة، ويقابلها اليوم الشبك المعدني. في حين ان مهنة الرمال، الذي يضرب بالرمل لمعرفة الطالع، ما تزال موجودة على نحو ضئيل ومحدود جداً عما عرفت به سابقاً مع اكتسابها تنويعات جديدة كالتنجيم والضرب بالمندل، أو حديثاً معرفة الطالع والأبراج بالكومبيوتر. أما طبيعة عمل الرمّالين وأساليبهم، حسب قاموس الصناعات، فعلى أنواع: منهم من كان يجلس في الطريق إلى مقبرة باب الصغير ويجمع حوله المارة ممن يقصدون معرفة الطالع، أو أضاعوا حاجة؛ وفريق آخر يقصده زبائنه إلى بيته ممن لهم حوائج. وهي حرفة كالدجل، تعتمد على اقتناص المال ممن خفّ عقله، ومن الشعر الذي يصف هذه الحرفة: قالوا: طريق، قلت يا رب للقا وقالوا: اجتماع، قلت: يا رب للشمل فأصبحت فيكم مثل مجنون عامر فلا تنكروا أني أخطّ على الرمل كما يمكن تصنيف مهنة »المجركش« وتعني المزركش، بين المهن الزائلة منذ أكثر من 150 عاما وكانت قبل ذلك مشهورة ورائجة في دمشق، وهي تزيين المفروشات بعروق من الفضة والذهب الخالص. وهي تتقاطع مع مهنة الطراز التي زالت هي أيضاً، مع أنها تعتبر من المهن التي شهدت تحولاً كبيراً في نمط التصنيع، فالطرزي هو من ينقش الأقمشة الحريرية، حيث يطبعها أولاً بقوالب مرسومة حسب الرغبة ثم يطرزها بالحرير الملون، وكانت هذه المهنة رائجة جداً في دمشق وعرف منها: اللفات، الشكم، سجادات الصلاة، اللحف، البقج، وكثير من الأثواب، واضمحلت هذه الحرفة مع ورود أقمشة أجنبية مطرزة من البلاد الأجنبية، وظهور ماكينات تطريز خاصة بهذه الحرفة، ولا تزال هناك أماكن في دمشق القديمة تختص بالتطريز كسوق حمام القيشاني الذي يقصده الزبائن من كافة أنحاء سورية. وتقف إلى جانب مهنة الطرزي، القاووقجي وهو صانع القووايق التي اختفت منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع بدء تغير لباس العامة وبدء التوجه نحو اللباس الأفرنجي مع الطربوش الذي ازدهر في دمشق في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. والقاووق قلنسوة كان يعتم بها العلماء والوزراء والأعيان ويلف عليها الشاش الأبيض، ولا يتقن التعمّم الا محترفو هذه المهنة. وقد عرفت دمشق بعدها العديد من الصناعات المتعلقة بلباس الرأس كالطرابيشي، والقلبقجي، وهي مهن موجودة اليوم كجزء من الفلكلور الدمشقي ليس إلا. أما صنعة القطعجي، وهي من الحرف الفنية النادرة وتبدو حسب التعريف الوارد في القاموس مهنة محدودة جداً ضمن زمان معين وتوارت خلف تطور سريع شهده مجال هذه الصنعة، والقطعة: لوح فيه حديث نبوي ذو حكمة، أو شعر، يجيد كتابته خطاط مع النقش الجميل، إما على ورق أو بلور، يضعون له بروازاً من الخشب المذهب، المعروف ب »المقدة« الرفيعة. وكان يرغب باقتناء القطع غالباً أصحاب حرف الحلاقة، والتنتجية (بائعو الدخان)، والشربتجية (بائعو العصير) والضوندرمه جيه (بائعو البوظة) ومن شاكلهم، ليعلقونها في محالهم. ومهنة القطعجي التي يزاولها أناس قلائل اخذت بالتلاشي مع ظهور قطع الورق المطبوعة بماء الذهب القادمة من الأستانة إلى أسواق دمشق. ومن المهن التي مكثت طويلاً قبل أن يجتاحها طوفان التكنولوجيا التلفزية »عجائبك عجائب« وهو صاحب صندوق العجائب المعروف حيث يطوف الازقة والقرى لعرض صور ملونة داخل صندوق يقبل عليه الاطفال لرؤية الصور المتحركة بواسطة لولبين على طرفي الصندوق، ويعمل بهذه المهنة من ليس له مهنة لان مردودها المالي قليل جداً. ثمة ايضاً، مهن كثيرة تلاشت ليس بفعل التحول الذي طرأ عليها كصناعة بل لتحوّل كبير اصاب بعض القيم والاعراف نتيجة تطور الوسائل المستخدمة فمثلا الرمح والسيف كوسائل حربية لهما قيمة رمزية نابعة من استخدام في الدفاع عن النفس حيث يعتبر الرمح واحداً من رموز القتال والقوة، والى حين بدء استخدام البندقية في منطقة الشام كان البدو يغرسونه على باب الخيمة دليل عز وجاه، ومهنة »الرميحاتي« صانع وبائع الرماح، من الصناعات الرائجة في الشام. وفي بدايات القرن العشرين كان يقام للرميحاتية سوق خاصة في محلة المزيريب اول محطات طريق الحج الشامي، بالقرب من مدينة درعا جنوبي دمشق، فيجتمع هناك الرميحاتية مع التجار الدماشقة موسمياً مرتين في العام، ويقصدهم البدو لشراء السيوف والرماح والبن والملابس وانواع من الاطعمة الشامية. مهن مكروهة، ومهن حقيرة: تقسيم المهن حسب المعيار الاخلاقي لم يقتصر على وصف بعضها بالدناءة والخسة، بل فرّق ايضاً بينها وبين المهن المرذولة والمذمومة شرعاً كتلك التي تتعارض مع مبادئ الاديان وبالاخص الاسلامي منها، حتى لو كان دخلها وفيراً او تتطلب رأسمالا كبيراً كمهنة »الخزان« الذي يدخر القوت من الحبوب كالقمح وغيره كالسمن والفحم، ليبيعه بربح مضاعف. وهو مذموم شرعاً، لانه يسبب التضييق والشدة على الخلق. والخزان مذموم عند اهل الشام ويشار إليه بالأصابع سيما في أوقات الغلاء أو القحط، فإن الفقراء وأولادهم يسبون الخزانة ويشتمونهم بألفاظ قبيحة جهاراً ويدعون عليهم سراً وعلانية. وهناك مهنة »الخمار« الذي يبيع الخمر ويقال له خمرجي، وحسب القاموس، ان اكثر من يتعاطى بيع المسكرات هم النصارى، وتعتبر من اخبث الحرف. وايضاً مهنة »القواد«، فممتهن هذا العمل ملعون، فهو الديوث والمصطلح على اسمه بدمشق تصريحاً ب»العرصة«، والمحترفون القوادة، نوعان: عرصة الاكابر، الذين يرتكبون الفواحش ويكون القواد لديهم مكرماً مبجلا عندهم ذا امر ونهي، نافذ القول، يتيه على الناس، فيُراعى خشية ممن ينتمي اليهم، ويقوّد لهم. وعرصة العامة الاخباث، فيأتون لهم بما يرغبون. تلك المهن المكروهة تختلف من حيث التصنيف عن غيرها من المهن التي تعتبر حقيرة ومستنكرة مثل: »الكلاب« وهو من يتبع الجنائز ويأتي دور الموتى لتقبل الصدقات التي يوزعها اهل الميت، اذ كان من عادة اهل دمشق في اليوم الثالث للوفاة ان يعملوا صدقة للفقراء والمساكين فيطبخون لهم ويطعمونهم داخل الدار، فيأتي الكلاليب، واكثرهم لنذالتهم لا يرضيهم القليل ولا الكثير، وينبئ عن ذلك لقبهم ب»الكلابة« التي تتكلب بالشيء (تمسكه بعنف)، وكذلك يتكلبون بالانسان، ولا يمكنه ان ينفك عنهم حتى يرضيهم. وحين يكون من يوزع المال عليهم غير مهاب ولا جسور، يشتمونه ويضربونه، وهي مهنة لا يتعاطاها الا كل مسلوب ذوق وحياء، وكان بعض الاغنياء يتسخدمون حرساً خاصاً على ابواب دورهم عندما تقام في منازلهم مناسبة لمنع الكلاليب من الدخول. وأخرى غريبة وغير مستحبة: من الطريف ان قاموس الصناعات الشامية لم يترك مهنة او صنعة او عمل الا وتعرّض له، حتى الشحاذة وانماطها ودرجاتها، فصنف معهم »المزعبر« (ممارس ألعاب الخفة) ولم يغفل عن مهنة »القوال« وهو المتعيش من حفظ المدائح والاشعار، يدور القوالون في الاسواق على الباعة، وفي الازقة، يترنمون بإنشاد الاشعار، ويمدحون كل شخص بما يناسب حاله وصفاته ارتجالا، فيعطيهم أصحاب الدكاكين بما تسمح به أنفسهم. وكانت هذه المهنة من المهن النادرة، ومعظم محترفوها من الغرباء المستوطنين في دمشق، وبالأخص من المصريين. ولا تنأى مهنة »الثعباني« عن الشحاذة كثيرا سوى بغرائبيتها، فالثعباني الذي يجمع الأفاعي ثم يقلع أنيابها ويطوف بها في الأزقة والقرى، يلاعبها ويأخذ من المتفرجين ما يدفعونه من مال. وقيل بأنه كانت تسكن في دمشق أسرة تمتهن هذه المهنة، لا يجرؤ أحد على دخول منزلها الذي يحوي على الأقل مائة ثعبان وحية يطعمونها البيض وغيره، وتشاركهم في طعامهم وتأنس بهم كثيرا، وعادة ما كان يقصد هؤلاء للإمساك بالأفاعي إذا وجدت في البيوت القديمة، وللثعباني طريقته الخاصة في إخراج الأفعى من جحرها ومنها تكراره لكلمة »يا ود.. ود« مئات المرات حتى يخرج الثعبان فيقبض عليه بمهارة ودقة، وهناك من الذين يشتغلون بهذه المهنة عندما يفلسون يلجأون الى تسريح الأفاعي نحو بيوت الجيران حتى يضطرون لاستدعاء الثعباني بأجر معلوم. وتشبه هذه المهنة مهنة »العقاربي«، وهو الذي يجمع العقارب، ويظهر مواهب خاصة جدا بملاعبتها، فيعمد بداية الى كسر إبرة العقرب التي تلسع، ومن ثم يضعها في جيبه أو على رأسه، وقد عرف الدمشقيون من العقاربية من كانوا يحملونها معهم الى الجامع، فتسرح من جيوبهم وإذا رآها المصلون فروا هاربين، أما هو فيسعى إليها كسعيه الى شيء عزيز!. مهن الطبابة: لا تختلف مهنة »العلقي« عن المهنتين الأخيرتين من حيث الغرابة، لكنها تصنف ضمن المهن النافعة في زمانها، ولا تدخل في باب الشحاذة، فالعلقي هو بائع العلق، والعلق أشبه بالدود، يعيش في الأنهار والبرك، يستخدمه الحلاقون لإخراج الدم الفاسد من الجسد. ويصب في هذا السياق مهنة الكحال الذي يقوم بتكحيل العيون المريضة. وقبل انتشار الطب احترف كثير من الدجالين »الكحالة«، وأساؤوا العمل بها فكان يترتب على العين المريضة أن تتحمل جراثيم المرض، بالاضافة الى ما يحمله حجر الكحل الأسود إليها. ولعل أهم المهن الطبية التي نالت مرتبة اجتماعية هامة وإن لم تكن مرموقة »الماشطة« أو »الداية« وهي القابلة المتقدمة التي يطلق عليها لقب الماشطة في ليلة الزفاف، حيث تحظى الماشطة في هذه الليلة بمركز مهم وعمل خاص، وسابقا كانت الداية لا تفارق العروس ليلة الزفاف فتعنى بتسريح شعرها وتزيينها وتلبيسها، وتمكث على بابها حتى الصباح، إذ قد يستعين بها العريس في حال كانت عروسه خائفة، أو صغيرة جدا، لتساعده على اغتصاب عروسه، وفي حال وجود إشكال نفسي أو عجز عند العريس كانت الماشطة تتكفّل بالمهمة وحيدة، فتفضّ بكارة العروس بواسطة يدها أو مفتاح ملفوف بالقماش، للحصول على دليل عفتها لعرضه على الأهل، وكثيرا ما كان ينجم عن تلك الممارسات حوادث مؤلمة. أما الماشطة فكانت تنال أجرها شمعة عسلية ومجمع حلوى مشكلة بالإضافة الى أجرها من المال، حسب حالة أهل العرس الاقتصادية. وقد زالت هذه المهنة منذ بداية القرن الماضي، ويكاد ينحصر دور الداية اليوم على التوليد في المجتمعات المغلقة أو في حال عدم وجود أطباء. تصنيف طائفي وعرقي: لعل التغييرات التي طرأت على المهن والحرف الشامية تعكس الى مدى بعيد التطورات الكثيرة التي أصابت التقاليد والمفاهيم الاجتماعية، فتلك العادات صارت من التاريخ المستطرف والمستغرب، مع أننا لو نظرنا عميقا في عاداتنا وتقاليدنا وحتى في كلماتنا اليوم، نلاحظ أن الخيوط التي تربطنا بما ننكره من الماضي ما زالت موجودة وتفعل فعلها فينا على نحو خفي ومثير للخجل لا يمكن نكرانه، مهما بدا الانفتاح الذي تشهده مجتمعاتنا جذريا وعاصفا، فمثلا موضوع التقسيم الطائفي والعرقي رغم تجاهله لا زال قائما حتى اليوم، بل وقد يكون مستفحلا على نحو أسوأ من الماضي، لولا محاولات كبته والتستر عليه، وهو الأمر الذي ربما لم يكن على هذا النحو في الماضي، فقاموس الصناعات الشامية، اعترف صراحة بهذا التميز، ولم يخف هذه النزعة الاجتماعية عندما صنف المهن حسب المذاهب الدينية، فهناك مهن برع فيها المسيحيون، وأخرى اختص بها اليهود، فمثلا كان المسيحيون الشوام يسيطرون على مهن الخياطة، والصاغاتية، وبيع وصناعة الجوخ المنقوش، ورعاية أقنية المياه (القنواتية)، ونحت الحجارة، والحلاقة. أما المهن التي احترفها اليهود في دمشق فهي بيع الجوخ بألوانه البسيطة الأسود والأحمر والأزرق، والصيرفة (تبديل العملات)، وكانت حكرا على أغنياء اليهود في دمشق بالإضافة الى (الربا). أما الحلاقة، والتحوير (تبييض الجدران بالكلس الأبيض) التي يعمل بها الفقراء من اليهود والمسلمين، وكذلك مهنة البويجي والخرقي والسمكري، والقنياطي والكباريتي (بائع الكبريت) والنقش على النحاس من أكثر المهن التي برع بها اليهود وفي دمشق. وحسب التصنيف العرقي كانت مهنة الغرابيلي (صانع الغربال) من اختصاص النَّوَر المعروفين بالقرباط الى جانب احترافهم لمهن أخرى مثل الجعيدي (مرقص القردة والدببة) والزمار (عازف القصب) والطبال، أما الرعي فاختص بها في الشام الأكراد من غير المتمدنين، بالإضافة الى مكبات (صانع النملية خزانة الطعام) التي يتقنها فلاحو الأكراد، ومهنة السائس وكانت للمصريين المتوطنين في الشام، والكبابجي وقد انفرد بها العجم من غير العرب ممن يتقنون شواء اللحم وما يعرف بالكباب العجي، أما المجلخ (اصلاح السكاكين والأمواس والمقصات) فكانت من نصيب فقراء الأفغان الذين يسكنون دمشق. ومن الإلماحات الهامة التي وردت في القاموس، الإشارات الى طبيعة الحياة الاجتماعية الشامية والمهن النسوية، مع انه في تلك الحقبة من الزمن لم تكن المرأة الشامية قد خرجت الى سوق العمل على نحو واسع وكان العمل مقتصرا على الفقيرات منهن. أبرز القاموس مشاركتهن في أهم القطاعات الاقتصادية الى جانب الرجل كالغزل والنسيج، والزراعة كالمعشبة (تنظيف الأرض من الأعشاب الضارة) والشوارة (جمع الثمار الموسمية)، بالإضافة الى مهن أخرى مثل العشا، والفرا (خياطة وتجارة ملابس الفرو) كما تم التطرق الى مهن تختص بمزاولتها النساء مثل »الأسطة« (رئيسة العاملات في الحمام)، وكبابة الحرير، وغزالة الصوف والغسالة، والداية، والمرضعة، والمقبعة (التي تداوي مرض القرع)، والممسدة (مدلكة بطون الأطفال)، والنقاشة، التي تنقش الأجساد بالحناء. وقاموس الصناعات الذي يشير اسمه الى بحث لغوي اقتصادي، سيكون للباحث أيضا مرجعا اجتماعيا هاما جدا وبالأخص في التعرف على أصول الأسماء والكنى المعروفة اليوم في دمشق والتي لم تكن سوى صفة لعمل زاوله الأجداد ولم يبقَ منه سوى الاسم كلغة فقط من آل العجان والرواس، والحصري، والسمان، والبزري، والمنجد، والقصار، القضماني، والجرداقي، وحتى الخضري، والترجمان، والقباني، والغلاييني، والقصاب، والقصاص، والشلاح، والدهان، والخولي... الخ في خضم هذه اللغة تنبسط الخارطة الاجتماعية لوحة شديدة الغنى والتنوع والتباين لا تفتقر الى الامتاع والطرافة التي تعيد البريق الى ماض ينام تحت الجلد ونخاله بعيدا جدا. دمشق