اعتبر النائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية ان القانون اللبناني لا يعترف بالوكالة الحصرية بل يمنعها، لكن تم تجاوزه من قبل الإدارة التي اوجدت الوكيل الحصري، فنشأ ما أسماه »التحالف السياسي الإداري التجاري«. عناوين كثيرة استعادها سكرية عبر حديثه عن تجربته الطويلة مع ملف الدواء انطلاقا من محاولة الدكتور اميل بيطار في العام 1971 لتجميد رخصة الوكيل الذي يتلاعب بسعر الدواء، فباءت بالفشل، وصولا الى »حكاية« المكتب الوطني للدواء، والواقع الإداري في القطاع الصحي والذي »لا يعوّل عليه لتثمير ايجابيات قرار إلغاء الوكالات الحصرية«. وإذ استغرب سكرية التجاهل الدائم للصناعة الوطنية للدواء، فإن ما اعتبره أخطر من ذلك هو تجاهل ضرورة »الرقابة العلمية الوطنية الذاتية«. يؤيد الطبيب والنائب السابق التوجه الجديد للحكومة لكنه يرى انه بحاجة الى استكمال على مستويات عدة.. »وأخيرا، تبقى النوايا هي الأساس«، يقول سكرية. وهنا استعراض لرؤيته حول ملف تبناه منذ سنوات في إطار مقابلة مع »السفير« على النحو الآتي: { فتحت ملف الدواء على مصراعيه خلال سنواتك النيابية، وما زلت، وبكل جوانبه الموثقة علميا واقتصاديا واجتماعيا وإداريا، من خلال تجربتك هذه، كيف تنظر الى توجه الحكومة لإلغاء الوكالات الحصرية للدواء؟ بعد تجربة الدكتور اميل بيطار عام 1971، كنت الصوت الثاني وما زلت المنادي بفكفكة سلطة الاحتكار في مجال الدواء، فمن الطبيعي ان اكون مؤيدا لتوجه الحكومة، ولكن مع ترك مساحة من الحذر والقلق...! { حذر وقلق مماذا؟ حذر من تحرك التوجه الحكومي في دائرة الشعار وما يرافقه من مزايدات احيانا، واعتماد سلطة القرار بمعزل عن متطلبات انجاحه فيما بعد، وهنا سبب القلق أيضا، إذ ان التوجه الحكومي يأتي مجتزأ. وللتوضيع أكثر، لا بد من جولة خاطفة على عناوين تاريخ مسيرة الدواء في لبنان والتحديات التي رافقتها، ليصبح القارئ أكثر قدرة على استشراف احتمالات ما بعد القرار. ينظم حركة الدواء في لبنان قانون مزاولة مهنة الصيدلة الصادر عام 1950 والمعدل في 1 آب 1994، وهو قانون جيد تنقصه بعض التعديلات، وكنت قد تقدمت بمشروع قانون جديد اقرته لجنة الصحة في مجلس النواب عام 2000، لكن في النهاية ما أكثر القوانين في لبنان وما أقل التطبيق. هذا القانون الذي لا يعترف بالوكالة الحصرية اصلا بل يمنعها، تم تجاوزه من قبل الإدارة التي اوجدت الوكيل الحصري، ونسجت معه علاقة مصالح مشتركة، تعززت وتنامت بالغطاء السياسي دائما، فتكون ما يسمى بمافيا الدواء وقوامها تحالف (سياسي إداري تجاري)، استطاع ان يجهض كل محاولات الاصلاح الدوائي، وان يعرقل دور مجلس النواب في هذا الشأن حسبما ذكر الرئيس نبيه بري مرارا خلال العامين المنصرمين. ومرت مسيرة الدواء، والتي رصعت شعاراتها بيانات جميع حكومات الاستقلال، بتحديات عديدة أبرزها: سياسياً، تجربة الدكتور اميل بيطار عام 1971، والتي اجهز عليها بسرعة... فبعد ان اصدر البيطار قرارا بتخفيض أسعار الأدوية، سحب محتكرو الدواء اصنافا اساسية من السوق فقامت الضجة، فاستنجد البيطار بمجلس النواب طالبا تسليحه بتشريع يجيز له تجميد رخصة الوكيل الذي يتلاعب بسعر الدواء وصحة الناس، وحددت جلسة نيابية بهذا الخصوص، وعندما حضر الوزير البيطار طار نصاب الجلسة...! تجربتي الشخصية في مجلس النواب، والتي لم تلقَ من المجلس الكريم إلا الصمت المطبق... ومن بعض السياسيين، إلا التصدي حماية للاحتكار وفوضى سوق الدواء، ولا أريد التحدث أكثر فالباقي يعرفه الناس... جميعا. إدارياً، المكتب الوطني للدواء، الذي اطلق شعاره مع الدكتور بيطار عام 1971، ووضعت قوانينه مع الوزير عدنان مروه عام 1983، وشكلت هيكليته الإدارية عام 1994 و1995، وتوقف عن الانطلاق رغم أهميته في تخفيض فاتورة الدواء...! القرار 90/1 الصادر عام 1989والهادف الى كسر الاحتكار بفتحه باب الاستيراد لأي مجاز يستورد دواء كلفته اقل ب25$ من شبيهه. حرف القرار وتم الالتفاف عليه بتسجيل أكثر من 1700 دواء تفي هذا الشرط لقطع الطريق على الآخرين، ولم تنزل الى السوق. وقد كان تحديد نسبة ال25$ خطأ ساهم في الالتفاف على القرار. اللائحة الأساسية للدواء التي تفي باحتياجات لبنان، ووضعت بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية ونقابتي الطب والصيدلة، وتشمل 1/3 الأدوية الموجودة في السوق فقط، على ان يتم اعتمادها من قبل الوزارة والمؤسسات الضامنة، وهذا لم ينفذ حتى اليوم...! وبقي السوق غارقا بمئات الاصناف المجهولة المصدر والممنوعة عالميا والمزورة، وآلاف الاصناف المحدودة الفاعلية من 6233 صنفا (4 اضعاف العدد في سوريا و5 اضعاف الأردن وضعفين ونصف مصر و3 اضعاف السعودية)... يسيطر على 90$ منها عشرة وكلاء، من اصل 57 وكيلا مسجل وما بين 4030 صف وكيل متمرن. هذا، عدا تخريب محاولات اعتماد المعلوماتية الدوائية عام 1989 1996... وعدا عشرات القرارات والمراسيم التي نسفت قوانين خدمة للتاجر وامتداداته السياسية والإدارية، وأهمها مرسوم رقم 11710 الذي فصل الاعشاب المصنعة عن قانون الدواء فأغرقت بحوالى 1000 صنف من الاعشاب المصنعة والتي يتضمن الكثير منها مخاطر معروفة على الصحة. وعدا التستر على الأسعار الحقيقية للدواءوالتغاضي عن ربح ال10$ التي حددها القانون مما أوجد في لبنان اصنافا من الادوية هي الأغلى في العالم. هذه الذهنية التي واكبت مسيرة الدواء هي ذاتها التي ستحرس تنفيذ التوجه الحكومي الجديد، وبالتالي فإن تنفيذ إلغاء الوكالات الحصرية وترك جميع مفاصل حركة الدواء في قبضة من عبث بالدواء طوال العقود الماضية نوعية وتسعيرا، وتعاطى معه كمجرد سلعة تجارية يجعل القلق مشروعا، والتوجه مجتزأ، ويذكر بقول الشاعر: زعم الفرزدق ان سيقتل مربعا فابشر بطول سلامة يا مربعا { يفهم من كلامك ان الواقع الإداري في القطاع الصحي لا يعوّل عليه بتثمير ايجابيات قرار الإلغاء؟ صحيح، لأن الإدارة التي انجزت كل ما ذكرنا من سلبيات، أمامها أحد خيارين: اما الدفاع عن المصالح المشتركة مع الوكلاء المتضررين واما نسج علاقة بديلة مع الوافدين الجدد...! وهذا ما سيحد من آثار التنافس في الأسعار ويضع كوابح جديدة في طريقها، والتي تمتلك مساحة واسعة من القدرة على المناورة طالما بقي سعر الدواء الفعلي سرا بين التاجر والمصنع والدلائل أكثر من ان تعد او تحصى، فمن دواء يسجل بأسعار متفاوتة تفوق ال70$ أحيانا كما حصل في مناقصة الجيش عام 2000، وصندوق الضمان، الى BONUS الذي يقدم للصيدليات (100 علبة لكل 100 علبة دواء) الى ادوية تكلف دولارين وتباع ب40 دولارا، ناهيك عن الأدوية الSTOCK والتي تستورد تحت عنوان العمل الخيري أحيانا والبحث العلمي أحيانا أخرى، وقد يجبر الشركات الضعيفة على الانسحاب من السوق وهو ما بدأ يحصل فعلا منذ عامين حيث انخفض عدد الشركات من 510 الى 422، مما أدى الى مزيد من الاحتكار حيث ارتفعت فاتورة الدواء من 477 مليون دولار عام 2000 الى 491 عام 2001، مسجلة 2825$ من الفاتورة الصحية، (أعلى نسبة في العالم)، وحيث فاتورة الدواء لكل مواطن لبناني بلغت 100 دولار للسنة الواحدة، مقارنة مع: 90 دولارا (قطر) 80 دولارا (السعودية) 76 دولارا (البحرين) واني لاستغرب هنا غياب الحديث عن المكتب الوطني للدواء، والذي من شأنه فيما لو اطلق بريئا من السياسة ان يخفض فاتورة الدواء بما لا يقل عن 40$. كما استغرب التجاهل الدائم للصناعة الوطنية للدواء... والتي لا تتعدى نسبتها الحالية في سوق الدواء 65$. واخطر ما يثير الاستغراب هو تجاهل ضرورة الرقابة العلمية الوطنية الذاتية... { لنأخذهم واحدة واحدة، لماذا برأيك يغيب الحديث عن المكتب الوطني للدواء رغم الايجابيات التي ذكرت، والتي ربما تضرب الوكالات الحصرية تلقائيا؟ لأن البكاء ليس على الحسين بل على الهريسة... إذ ان انجاح المكتب الوطني للدواء إذا ما اطلق، يتطلب أيضا تصحيح الكثير في الإدارة والرقابة الإدارية والعلمية كما قرار الإلغاء، حرصا على سمعة أدويته وأسعاره، وهذا للأسف، لم يترافق طرحه مع المناداة لاطلاق مكتب الدواء، وبقي المكتب يتحرك في دائرة التجاذب السياسي، وقد يطلق قريبا، ولكن كتاجر جديد...! { ما هو واقع الصناعة الوطنية للدواء، وهل يمتلك لبنان القدرة على انتاج دواء منافس؟ يوجد في لبنان 6 مصانع وطنية و2 لصناعة المحاليل، تنتج 460 صنفا دوائيا، ليس لديها القدرة الكافية على المنافسة لسببين: عدم تشجيع الدولة نتيجة للأسباب التي ذكرناها في تاريخ مسيرة الدواء، أي خدمة للمستورد، ونظرة الاستخفاف الى الصناعة الوطنية ككل. غياب الرقابتين الإدارية والعلمية وخاصة غياب البحث العلمي مما ابقى الصناعة الوطنية مرفوضة في الدول العربية (باستثناء العراق لحاجته لأي دواء في ظروف الحصار)، وغير قادرة على المنافسة في السوق اللبناني الذي تتحرك فيه اشرس اشكال الدعاية والاغراءات في التسويق. { ماذا عن الرقابة العلمية، فقد تخوفت نقابة المستوردين من ان يأتي تخفيض الأسعار على حساب جودة الدواء؟ ان ما يدعو للشفقة ان تتحدث نقابة المستوردين عن جودة الدواء، وهي المستفيدة من تعطيل المختبر المركزي، ولم تسلّف المواطن عملا ايجابيا في هذا الاتجاه، فلو كان تخوفها صادرا عن حرص لكانت ساهمت في تفعيل أعمال المختبر او اعتماد مختبر مستقل للرقابة الدوائية. { لكن زميلك نقيب الأطباء السابق النائب غطاس خوري ذكر ان اشراف اللجنة الفنية على تسجيل الدواء يضمن جودته بعد التأكد من شهادة بلد المنشأ ومستوى المصنع، كما تحدث عن شهادة الISO 1009؟ الزميل الصديق النائب غطاس خوري يعرف كما سائر المواطنين ان اللجنة الفنية المشكلة من (مدير عام وزارة الصحة ورئيس مصلحة الصيدلة ورئيس دائرة الاستيراد وممثل نقابة الصيدلة ونقابة مستوردي الأدوية والجامعات الأكاديمية)، لا تستطيع مواجهة الضغوطات السياسية أحيانا والخيرية أحيانا أخرى ولا توقيع الوزير، وهذا ما رسم لها خطين (خط عسكري وآخر مدني) وجعلها توافق للضرورة وأحكامها أحيانا، وإلا، كيف تفسر لي موافقة ممثلي الجامعات على تسجيل أدوية تنزل للسوق اللبناني ولا تقبلها في صيدليات مستشفياتها الجامعية؟ وكيف تقبل اللجنة الفنية بنزول الدواء الى السوق دون المرور بالمختبر المركزي كما ذكر الزميل الخوري؟ أما شهادة ISO 1009 والتي تمنح للمصانع الوطنية الملتزمة بالبحث العلمي ومواصفات الدواء الجيد، فهي لا تلغي ولا تغني عن الرقابة العلمية الوطنية الذاتية، وهذا ما نراه في الدول العربية وسائر دول العالم حيث الرقابة المخبرية العلمية تبقى صمام الأمان الأساس. { ذكرت أدوية البحث العلمي، هل هناك مشكل؟ نعم هناك مشكل قائم ومشكل قادم، فعودة الى التاريخ الذي ذكرنا في البداية وما راكمه من تجاوزات، وصل عدد اصناف دواء البحث العلمي والتي لا تخضع لشروط التسجيل الى910 عام 1996 (والمطلوب فعلا لا يتعدى العشرات)، مما اضطر مدير عام وزارة الصحة الى اطلاق صرخة تطالب بضبط أدوية البحث العلمي، أما ما هو قادم فإن هناك توجه لدى وزارة الصحة لتصنيف جديد للمستشفيات، يعطي كل مستشفى مصنف 5 نجوم حق التصنيف الجامعي الأكاديمي (U)، مما يرفع عدد اصناف دواء البحث العلمي في غياب رقابة جدية وتطبيق أمين للقانون. { أمام هذا الواقع، ما هو الحل؟ كما ذكرت بداية، اني اؤيد توجه الحكومة الجديد، ولكن وبدافع الحرص على صحة المواطن وصحة جيبه اتمنى على حكومة جمعت الأقوياء ويساندها مجلس النواب ولأول مرة في هذا الموضوع ان تعمل على تنفيذ التالي: نفضة اصلاح إداري في القطاع الصحي. إنشاء مجلس أعلى للصحة في لبنان. توسيع التمثيل في اللجنة الفنية باتجاه أكثر استقلالية. تطوير وتحديث وتفعيل أعمال المختبر المركزي للرقابة على الدواء وبالتعاون مع مؤسسة دولية كمنظمة الصحة العالمية. تفعيل وتشديد الرقابة على المرافئ والصيدليات والمستوصفات ومستودعات الأدوية. اطلاق المكتب الوطني للدواء بريئا من التجاذبات السياسية، او تنفيذ اعتماد اللائحة الأساسية للدواء من قبل المؤسسات الضامنة. تشجيع ودعم الصناعة الوطنية للدواء. تطبيق القانون لجهة تحديد ربح المستورد ب10$. إلغاء المرسوم 11710 والمتعلق بالفيتامينات والاعشاب. إلغاء ضرورة نسبة ال25$ في القرار 90/1. الزام المستشفيات بضرورة وجود صيدلي في صيدلياتها (غير مطبق بنسبة كبيرة). ضبط وتنظيم أدوية الهبات الخيرية. وأخيرا، تبقى النوايا هي الأساس، وليس لدي شك في حسن نوايا الحكومة، فآمل ان تكون هذه فرصة جدية للبدء في اسدال الستار على قصة ألف ليلة وليلة الدوائية.