وقع وزير الصحة سليمان فرنجية أمس قرارا بتعديل المادتين الثانية والرابعة من المرسوم 539/1، والذي كان يعرف بمرسوم »الاستيراد الموازي«، بحيث يلغى كل ما كان ينص على السماح بدخول الأدوية المستوردة من غير دول المنشأ (وإن كانت أسماؤها التجارية مسجلة رسميا في وزارة الصحة)، ويلغى معها الشرط الذي يفيد بأن سعرها يجب أن يكون أقل من سعر السوق بنسبة 25 في المئة. والنتيجة؟ مساهمة محتملة في تخفيض سعر الدواء باستخدام منطق المنافسة بين التجار الذين أصبح بإمكانهم استيراد الأدوية من دول المنشأ، أي الدول المركز للشركات الأم، وأيضا الاستيراد من دول غير دول المنشأ، وهي دول تتواجد فيها إما مصانع تابعة للشركات الأم أو مصانع حائزة على تراخيص لتصنيع الأدوية. وفي كلتا الحالتين فإن إنتاجها يتميز بأنه أرخص لأسباب عدة منها رخص اليد العاملة. أصبح بإمكان التجار أن يتنافسوا من دون أن يضطر بعضهم الى التقيد بشرط »أرخص بنسبة 25 في المئة«، إذ يمكن أن يكون الدواء الذي سيستوردونه أرخص بنسبة 20 في المئة أو بنسبة 15 في المئة مثلا. أجواء الوزارة تفيد »أجواء« الوزارة أنها لا تستبق ما سيتم في جلسة مجلس الوزراء غدا بالنسبة الى مشروع الحكومة لرفع الحماية عن الوكالات الحصرية و»تحرير« الاستيراد، لا سيما استيراد الأدوية. فالتعديل المذكور يتعلق بقرار وزاري، وهو من صلاحية الوزير المختص في أي وقت. وتنفي وزارة الصحة أنه كان، في يوم من الأيام، وفي قوانين تسجيل واستيراد الدواء، ما يشجع على الاحتكار. واعتبرت أن الاحتكار هو وليد العلاقات التجارية الثنائية ما بين وكلاء الأسماء التجارية في لبنان وبين الشركات الأم، العلاقة التي »تقوم على مصالح مشتركة.. فمن هنا بعثة علمية الى الخارج، ومن هنا دورات تدريب لصيادلة الشركات الوكيلة..«، العلاقة التي كرست مستوردي الدواء المسجلين في وزارة الصحة »آلهة« الدواء لبنانيا. لكن هناك بعض الأصوات التي تصر على »الندب« في ما تعتبره »جنازة« النوعية، التي لم تتضح بعد علاقة »فنائها« بتخفيض سعر الدواء. كما أن معظم المتخوفين على »مصير« النوعية يتطرقون الى عملية تحرير استيراد الدواء من ضوابط السعر قبل أن يتطرقوا الى دور أجهزة الرقابة. ويبدو الحيز الذي تحتله المطالبة بتفعيل هذه الأجهزة هامشيا بالنسبة الى حجم المطالبة بعدم رفع القيود عن الدواء: »القوانين والأنظمة موجودة«، يقول نقيب مستوردي الأدوية في لبنان آرمان فارس. »ربما يلزمها بعض التعديل، لكن الدواء هو مادة تترتب عليها مسؤولية كبيرة، فهو يدخل الجسم ويتفاعل داخله، وبالتالي فإننا لا نقبل برفع القيود عن الدواء لمجرد أنها ترفع سعره«. يصر فارس على أنه لا وكالات حصرية للدواء في لبنان، وانه يجب العمل من داخل الأنظمة الحالية لأن الأسعار مضبطة بقيود، ومن يريد تغيير القيود يجب أن يناقش هذا التغيير مع الأطراف كافة«. حجة النوعية إذا سيفتح باب استيراد الدواء. وهناك أصوات ما زالت تعلو تخوفا على الجودة والنوعية التي تعتبر أنها ستكون الثمن لانخفاض محتمل في أسعار الدواء، وخصوصا ان الدواء المستورد يسيطر على حوالى 92 في المئة من سوق الدواء، في حين تنحصر حصة الدواء الوطني في نسبة ثمانية في المئة فقط. من هذه الأصوات صوت نقيب الصيادلة غسان الأمين الذي يقول إن الالتزام بالاستيراد من بلد المنشأ يجب أن يستمر »لأن سويسرا مثلا يمكنها أن تبيع نيجيريا، ونيجيريا تبيعنا بسعر أرخص، فكيف نضمن أن الأرخص قد تم حفظه بالطريقة الملائمة؟«. الالتزام ببلد المنشأ.. نقطة خلاف بين الذين يرون فيها ضمانة النوعية وبين الذين يرون فيها مساهمة لتكريس احتكار الدواء. يشرح رئيس لجنة الصحة النيابية عاطف مجدلاني وجهة نظره التي تنسجم مع الرأي الثاني: »يجب أن نغير مفهوم بلد المنشأ الى مفهوم البلد المنتج. فإذا كانت إحدى الشركات السويسرية الموثوقة تقوم بتصنيع الدواء في سوريا فما المانع أن نستورد من سوريا إذا كان ذلك سيوفر علينا 40 الى 50 في المئة من سعر الدواء خصوصا إذا كان من فئة »الجينيريك« (أي الدواء بصيغته العلمية من دون اسمه التجاري)؟ في السابق كان الاستيراد الموازي يبيح ذلك ويوفر دواء أرخص، لكننا كنا نتعامل مع وسطاء، أي مع شركات غير منتجة، الأمر الذي كان يقطع سلسلة المسؤولية بالنسبة الى نوعية الدواء، فلا نعرف من نحاسب. أما إذا تعاملنا مع البلد المنتج، فإننا نعلم علاقته بالشركة الأم ويمكن لنا أن نترصد النوعية من خلاله«. ولما كانت النوعية ليست بالضرورة على علاقة بالسعر، فمن الممكن جدا مراقبتها إذا ما تم تفعيل أجهزة المراقبة والضوابط المتمثلة في عملية تسجيل الدواء. ثم إن الدول التي تعتبر أنها غير دول المنشأ تصنع الأدوية ذات الأسماء التجارية بترخيص من الشركة الأم، مما يعني أن هذه الشركة تمولها بالمواد الأولية اللازمة وتراقب الى حد ما عملية التصنيع وشروط الحفظ لأن اسمها هو الذي يبدو على العلبة. غير أن نقيب الصيادلة غسان الأمين يصر على العمل من خلال الوكلاء المتوفرين حاليا: »رأيي أن وزارة الصحة لطالما خاضت مناقصات من نفس المصدر الذي يشتري منه الوكيل، بل وعبر الوكيل، وحصلت على أسعار أقل بنسبة 40 الى 50 في المئة في ما يخص الأدوية التي توزعها مثل أدوية السرطان والأمراض المزمنة، فلماذا لا تعمم التجربة؟ يمكننا أن ننافس الوكيل بهذه الطريقة«. نقيب الأطباء من جهته، يعتبر نقيب الأطباء محمود شقير أنه بغض النظر عن طبيعة الإجراءات وتفاصيلها، »المهم هو تخفيض سعر الدواء، والمنافسة ستكون على السعر ولن تكون من أجل تخفيض الجودة أو النوعية«. بالنسبة الى شقير فالاستيراد الموازي لم يكن يفي بالغرض، خصوصا في غياب دور المختبر المركزي الذي »يجب أن نصغي الى تعليمات منظمة الصحة العالمية بشأن تفعيله وتحديثه، وخصوصا ان البنك الدولي وبعض الجهات السويدية والإيطالية أبدت استعدادها في أواخر التسعينات لتدريب العناصر العاملة في المختبر وتزويده بالأجهزة اللازمة لتحويله الى جهاز رقابة حقيقي، لكن الموضوع لم يلق المتابعة التي يستحق«. إن تحرير استيراد الدواء ليس كافيا لتخفيض الأسعار، بالنسبة الى شقير، بل يجب تشجيع تبني الصيغة العلمية (جينيريك) لا الاسم التجاري، إذ إن أدوية الجينيريك لها نفس المواصفات من دون »ثمن« الإسم التجاري. مصير طريقة التسجيل ستبقى الطريقة المعتمدة حاليا لتسجيل الدواء في وزارة الصحة على ما هي عليه. وهي الطريقة التي تتطلب إبراز ملف علمي كامل يفترض أن ينال موافقة اللجنة الفنية قبل أن يتم الاستيراد (علما أنه لا دور تقريبا، وخلافا لما هو مفترض، للمختبر المركزي المحروم من الأجهزة ومن الكادر المؤهل للحكم على فاعلية أو سلامة الدواء). لن تبقى إجراءات عملية التسجيل كما هي فحسب، بل إنها ستصبح المعيار الموحد لدخول الدواء الى البلاد. أما بالنسبة الى اللجنة الفنية، فمن المتوقع أن تبقى هي أيضا على حالها.. عالقة خارج الزمن. وخصوصا انها توصلت، والآن فقط، الى دراسة ملفات الأدوية المقدمة إليها بتاريخ نيسان 2000!! واذا كانت مشكلة تلك اللجنة تتمثل في أنها كانت قد تعطلت عن العمل لمدة سنتين في عهد الوزير مروان حمادة، فإن حاجز موافقتها على دخول الدواء المستورد الى لبنان لم يكن دائما يقف في وجه بعض المستوردين الذين كانوا يحصلون على الموافقة لإدخال أدويتهم بموجب إمضاء من وزير الصحة، وبعد مرور ثلاثة أشهر على عدم إعطاء صاحب الملف جوابا شافيا. ومن المرجح أن اللجنة الفنية لن تتمكن من إدراك ما فاتها، ناهيك عن استيعاب كمية الملفات الجديدة التي ستتراكم فوق طاولتها بعد تعديل المرسوم الرقم 539/1، اللهم إلا إذا انتهت قريبا المراحل القانونية التي تتابعها وزارة الصحة لإقرار مرسوم من شأنه أن »يكثف« الوتيرة التي تجتمع وفقها تلك اللجنة الفنية المكلفة بفحص الجودة والمواصفات، بالإضافة الى التسعير. وذلك أملا منها في أن تلتئم اللجنة ست مرات في الشهر، بدل ثلاث مرات، كما هو معمول به حاليا. وحتى ذلك الحين يبقى إمضاء الوزير وسيلة قد يلجأ إليها بعض المستوردين، وفي حالات خاصة منها الحاجة الملحة لدى القطاع الصحي الى دواء معين، من أجل إدخال أدويتهم بعد مرور ثلاثة أشهر على عدم بت اللجنة الفنية في ملفاتهم. التعديلات أما سلسلة التعديلات التي تنشغل بها حاليا »كواليس« وزارة الصحة، بالإضافة الى »الورشة« التشريعية المفتوحة في لجنة الصحة النيابية، فتستهدف سعر الدواء. لكن الاستهداف يختلف بين الجهتين العاملتين كالنحل في هذه الأيام. فتعمل وزارة الصحة على تعديل قانون جديد يعود تاريخه الى العام 1994 وينص على وجوب تقيد الصيادلة بالسعر «الرسمي« للدواء، أي السعر الذي يحدد عبر آلية تسعير باتت تعد ناموسا من النواميس الكثيرة التي تحكم هذا القطاع. وفي حين ترسم تلك الآلية، المنبثقة عن إرادة قديمة لنقابة الصيادلة، حدود هامش الربح للصيدلي بحوالى 23 في المئة من سعر الكلفة للدواء (والذي يساوي السعر الصافي للدواء في بلد المنشأ، زائد 5،7 في المئة هي مصاريف الشحن، زائد 5،11 في المئة هي مصاريف الرسوم الجمركية ومصاريف أخرى).. وفي حين يصر نقيب الصيادلة غسان الأمين على أن لا يكون هامش الربح للصيدلي محل تفاوت بين الصيدليات، ولو كان ذلك على سبيل التنافس في ما بينها »لأن الصيدلي سيظهر وكأنه هو الحرامي وسيؤدي ذلك الى مساومة المواطن مع الصيدلي على السعر، والأخير هو بغنى عن ذلك«، فإن وزارة الصحة تعد العدة لقانون يسمح للصيدلي بمرونة التعاطي مع هامش الربح المخصص له، بحيث تكون نسبة ال 23 في المئة هي السقف، وبحيث يمكنه تخفيض هذا الهامش كما يرى مناسبا، وذلك لتحفيز التنافسية بين الصيدليات، فيساهم »ولو قليلا« في تخفيض سعر الدواء بحسب رؤية وزارة الصحة. ولعل في ما تقوم به وزارة الصحة في هذا المجال ما يدعو الى نفض غبار الذاكرة عن قانون يعود تاريخه الى العام 1968 وكان يجيز للصيدلي بيع الدواء بسعر أدنى من السعر الرسمي، إن هو شاء ذلك، ومن دون أن تتم ملاحقته من قبل النقابة، لكن مفاعيل هذا القانون ألغاها ضمنيا قانون العام 1994 الذي نصب السعر الرسمي »سيدا« على الجميع. أما التعديل الذي تستهدف به لجنة الصحة النيابية القضية ذاتها، أي سعر الدواء، فإجراءاته تبدو أكثر جذرية إذ ستتناول آلية تسعير الدواء ككل. فيقول رئيس اللجنة النائب عاطف مجدلاني أنه منكب على وضع مشروع آلية جديدة سيتم عرضها على مجلس الوزراء. وفي حين تحدد الآلية المعمول بها حاليا نسب أرباح على سعر الكلفة وتتوزع على الشكل التالي: 10 في المئة للمستورد، و10 في المئة للموزع، و23 في المئة للصيدلي، يقترح مجدلاني إيجاد سلم متحرك لهذه الأرباح وان لا يكون الربح على سعر الكلفة وانما على السعر الصافي المحدد من بلد المنشأ. ويشرح مفهومه للسلم المتحرك بأن الربح يجب أن يقل كلما غلا سعر الدواء، ويرى أن السعر الصافي يجب أن يوضع من قبل وزارة الصحة، وبعد الإطلاع على الأسعار التي تستورد بها ثلاثين دولة دواء معينا لتعتمد بعد ذلك السعر الأرخص بينها كسعر صاف »بدل أن نتكل على ما يحدده المستورد في ملف الدواء الذي يقدمه الى وزارة الصحة، وبالاتفاق مع الشركة الأم في الخارج. فلماذا نقبل بسعر أغلى مما يعطى لغيرنا؟ ولماذا يحتسب ربح الصيدلي مثلا على سعر الكلفة الذي يتضمن مصاريف الشحن والجمارك؟« تعديل آخر، وإن لم يكن تعديلا قانونيا ستبزغ خيوطه الأولى من وزارة الصحة قريبا.. إنها لائحة الأدوية المسجلة نفسها؟ فبعدما استعصت هذه اللائحة على أي تعديل أو تحديث طوال سنوات، الأمر الذي أدى الى أن تطول وتتمدد لدرجة أنها أصبحت تشتمل على حوالى سبعة آلاف دواء، في حين أن الأدوية المتداولة فعلا في السوق يتراوح عددها ما بين 3700 الى أربعة آلاف دواء، تتحضر وزارة الصحة الى ردم الهوة ما بين واقع السوق ولائحة الأدوية المسجلة التي فاقت الخيال. إذ يتم حاليا إعداد الرسائل التي ستوجهها الوزارة الى المستوردين طالبة فيها منهم تحديد الأدوية التي سيستمرون في استيرادها، وما إذا كانوا ما زالوا مهتمين باستيراد الأدوية المسجلة بأسمائهم وانقطعوا عن استيرادها منذ زمن. وكل دواء لا يثبت أن استيراده هو أمر واقع، اليوم والآن، سيشطب من لائحة الأدوية المسجلة في وزارة الصحة. إذا، يبدو أن ملف الدواء سيبقى مفتوحا. وربما يطول الأمر، ويستوجب المداخلات، والردود، والردود على الردود. لكن الأمر الواقع هو ما قام به الوزير من تعديل للمرسوم الوزاري أمس، وهو ما لا يمكن إلا اعتباره المقدمة لما سيكون في مجلس الوزراء غدا.