As Safir Logo
المصدر:

»سلالة الجميل.. الأسرة العمادية« لأمين جورج الجميل غابة السلالات من الأصل القرشي إلى الموزاييك اللبناني

المؤلف: صقر يوسف التاريخ: 2002-02-02 رقم العدد:9117

ما صدر كتاب او نشرة او مشجّرة نسبية تحكي عن أسرة او قرية او منطقة لبنانية، مارونية كانت أم غير مارونية إلا ورأيتني أسعى الى اقتنائها والاطلاع عليها. فأنا والحق يُقال مهووس بهذا النوع من الكتب والمنشورات التي تُعنى بتاريخ القرى والعائلات في لبنان، وفي مكتبتي الخاصة العشرات منها، بعضها يزيد عمره على المئة سنة. وهذه الرغبة عندي نابعة من اقتناعي بأن هذا اللون من الكتابة التاريخية يُشكّل رافدا ولو صغيرا، يصبّ في النهر الكبير الذي هو تاريخ لبنان العام. وهل كان تاريخ لبنان الا مجموع تواريخ القرى والعائلات فيه؟.. وكتاب »سلالة الجميّل. الاسرة العمادية. تاريخيا، عقاريا، اجتماعيا« لمؤلفه أمين جورج الجميل، هو أحد هذه الروافد، لولا بعض الشوائب التي شابته، والتي سألمح اليها في معرض هذا الكلام. الكتاب يقع في 228 صفحة من القطع الوسط. تتصدر صفحة الغلاف منه صورة بالألوان للشيخ أبو عماد الجميل (1597 1647) كما تخيله الفنان اللبناني بيار شديد، والى جانبها صور لمشاهد من قرى وكنائس وأديار في سمار جبيل، وعين التفاحة وبكفيا وشويا الزغرين وجاج ويانوح، بالاضافة الى رسوم اخرى بالابيض والاسود تخللته شخصيات وأعلام أمثال: أنطون باشا الجميل، والبطريرك فيليبس الجميل وخليل الجميل، وقيصر الجميل وجميل الجميل وسواهم كثر. وهو يقسم الى قسمين. القسم الاول تاريخي والثاني ديموغرافي خصصه بكامله لقرية عين التفاحة على اعتبار انها »تمثل المجتمع الخالص للعماديين من آل الجميل، بمعنى »انها قرية لأسرة« وهم »أسرة في قرية« فعرض لتاريخها العقاري من تحديدها وملاكيها ومساحتها القديمة والمعاصرة«. اما القسم الاول فهو عرض شامل لتاريخ الأسرة الجميلة وجذورها العربية القديمة، التي تتصل بنسبها الى قبيلة قريش ثم يضيف: »والاحتمال الراجح ان آل الجميل نزحوا عن الجزيرة الفراتية ما بين نهاية عهد المأمون وبداية عهد المعتصم (833 ؟) بعد المفاعيل السلبية لصراع ابني هارون الرشيد الامين والمأمون، وبداية سيطرة الموالي الاتراك والفرس على زمام السلطة الفعلية على العراق بحيث تهمّش دورهم في وظائف الدولة والشأن العام. وانهم انتقلوا الى بلاد الشام عبر دير الزور وبلاد تدمر وقطنوا ضاحية دمشق. وان أغلبهم قدموا الى لبنان في النصف الاول من القرن العاشر ميلادي، بعد صراعات مريرة بين الدويلات الطولونية والاخشيدية والقرمطية والحمدانية. وقد مضى على وجودهم فيه ما يقارب ألف ومئة سنة، واستقروا في جاج (قرية في جرود بلاد جبيل كانت تابعة لولاية طرابلس). »وكما نرجح والكلام لا يزال للمؤلف ان فرعا منهم قد سكن القدس بحكم نوعية عمله والتحق بهم في جاج وذلك بعد اجتياح الفاطميين للرملة ضاحية القدس ودمشق عام 968 ميلادية اما أقدم ذكر لهم ففي المخطوط اليانوحي بعدما انتقلوا الى يانوح عقب حادثة العام 1439م«. الى ان يصل الى القول: »ان الجميل الاول يتحرر من ذرية هلال بن معيط بن عامر بن لؤي، بن غالب بن مالك بن النضر من بني كنانة من مضر من القيسيين العدنانيين عرب الشمال« و»كان رجلا اشتهر بالذاكرة وحفظ الحكم والشعر والامثال«. روايتان ولأن الجميل الاول كان قيسي الهوى والميل فلا بد لذريته من بعده، ان يكونوا كذلك، فشاركوا »بفعالية« في الصراع القيسى اليمني الذي حصل في لبنان. وقاتلوا على ما يروي المؤلف تحت راية الامراء الكبار، كالأمير منصور العسافي، والامير فخر الدين الثاني، والامير حيدر الشهابي، في معارك مفصلية في كسروان 1541، ونهر الكلب 1598، ومجدل عنجر 1623 وعين داره 1711 فدفعت بالدم ثمن المشيخة والاقطاع في بكفيا وضواحيها، كما أدت دورا معروفا في الكفاح للاستقلال عن الحكم التركي ثم الفرنسي«. ولم ينس ان يشير الى تحالفات آل الجميل مع آل الخازن وآل كميد وتأليف جبهة موحدة ضد الامراء اللمعيين المتمركزين في كفرسلوان ومن ثم مقتل الشيخ أبو عماد الجميل على يدهم دفاعا عن الارض والعرض. هذه الرواية عن أسرة الجميل في التاريخ والمسندة الى الاحتمال والترجيح وليس الى الوثيقة المحققة، كما جاء في الصفحتين 15 و16 من الكتاب، تقابلها من جهة ثانية رواية مختلفة اوردها المحامي انطوان الجميل تعقيبا على الملف الذي أعدّه انطون شعبان عن آل الجميل ونشره في الديار على مدى 14 حلقة من 8 شباط 1999 الى 24 منه. وقال فيه: »اما هجرة آل الجميل الى لبنان فانها تعود، وحسب رواية آل الجميل في أرك (مدينة تقع على بعد 40كلم شمال شرق تدمر) الى حوالى القرن الثاني عشر (وليس في النصف الاول من القرن العاشر) إذ يمّم أحدهم جنوبا واستقر في منطقة إقليم الخروب في بلدة »الجميلية« في الفترة التي كان المماليك يعملون على توطين عائلات مسلمة قرب الشواطئ اللبنانية لحمايتها من هجمات الصليبيين الذين بعد تركهم الشواطئ اللبنانية احتفظوا بجزر قبرص وأرواد، ورودس قرب الساحل السوري«. وقال: »ان جد آل الجميل الذي استقر في منطقة شمال شرق صيدا، كان يعمل بالتجارة، فقصد في احدى رحلاته التجارية جرود بلاد جبيل وتعرّف على أهلها ولا سيما كاهن الرعية في جاج الذي أصبح صديقا له ينزل في بيته كلما قادته رحلاته التجارية الى تلك المنطقة. وراقت له إحدى صبايا القرية، ولكنه كان متزوجا ولم يفصح عن ذلك. ثم تعددت سفراته الى جاج، وما لبث ان استقر فيها وهجر مقر إقامته شرق صيدا وطلق زوجته التي بقيت مع أولاده يستثمرون مزرعتهم التي أصبحت معروفة »بالجميلية« اي امرأة الجميل وتزوج واستقر في جاج«. إزاء هاتين الروايتين المختلفتين، لا بد ان ينهض سؤال: استدراكات أين هي الحقيقة؟ والى جانب من هي؟ ومن نصدّق؟ هل نصدق الرواية الاولى المسندة الى الاحتمال والترجيح والاعتقاد وليس الى الوثيقة، أم الرواية الثانية المسندة الى المقابلة الشخصية الشفهية والتواتر؟ أم نرفضهما معا، فكلتاهما كانت مسؤولة عن إثارة حالة الشك والارتياب والالتباس حول أصول هذه العائلة وتحركها وتوزّعها في الزمان والمكان وعبر الحقب المتعاقبة. تلك هي الشائبة الاولى التي شابت الكتاب. والشائبة الثانية قوله: »ان آل الشدياق في بكفيا يتحدرون من سلالة المطران أنطون الجميل وإخوانه، وقد تفوّق اللقب عندهم (اي الشدياق) على شهرة الأسرة بمرور الزمن. ويضيف: »والمعلوم ان افرادا عديدين من أسر مختلفة تكنّوا بهذا اللقب. اما في حالة بني الشدياق الجميّل فاننا نرجّح شرط الرتبة الدينية. ونعتقد ان الشدياق الاول في بكفيا هو الخوري الياس الجميّل، باني كنيسة مار الياس شويا عام 1612. والراجح ان غلبة اللقب على شهرة الأسرة حصلت بسبب أسبقيته لعشرات السنين على تثبيت لقب المشيخة«. ولدى سؤالي أحد أفراد أسرة الشدياق عن هذا الأمر نفى بالمطلق ان يكونوا من فروع المطران انطون الجميل أو أحد اخوانه. والشائبة الثالثة هي في تجاهل او إغفال متعمد لفرع آخر من فروع آل الجميل، وهو الفرع الذي يتحدر منه بيار الجميل (مؤسس حزب الكتائب اللبنانية) والرئيسان بشير وأمين الجميل. هل صحيح ان هؤلاء ليسوا من عائلة الجميل على ما تقول شائعة روّجها أحد الجميليين؟ وان الطبيب أمين الجميل (والد بيار الجميل) دفع خمس ليرات ذهبية للشيخ ادمون بليبل كاتب »تقويم بكفيا« لإلحاقهم بأسرة الجميل المعروفة؟!.. ولما سألت المؤلف على الهاتف استوضحه صحة هذه الشائعة ومعرفة السبب الذي يبرر عدم ذكرهم في هذا الكتاب. أجابني بالقول: ان عائلة الجميل كبيرة جدا وكتابي حصرته بالفروع التي تحدد مباشرة من صلب الشيخ أبو عماد الجميل. واما الشائعة فلا أساس لها. هذا الجواب ان هو أقنعني، فانه ولا ريب، لا يقنع آل الجميل الآخرين!. والشائبة الرابعة والاخيرة، ان الكتاب يخلو من فهرس للاعلام والامكنة، وهذا أمر بات من مستلزمات التأليف العلمي الحديث، وتحديدا عندما يتناول الموضوع الشأن التاريخي. هذه الشوائب الاربع التي ذكرت تبقى هنات صغيرة بالنظر الى الجهود الكبيرة التي بذلها المؤلف لاعداد هذا الكتاب، وهو مشكور عليها. ولا بد هنا من الاعتراف والاقرار علنا أن كل كتاب يصدر من هذا النوع، يبحث في أصول وتسلسل العائلات في لبنان وتوزعها، يبقى ناقصا، وغير واف في موضوعه، لندرة المراجع المعتمدة وقلتها، اذا لم أقل غير موجودة، وان وجدت، فلا يمكن الركون إليها، وغالبا ما تكون غير دقيقة، بسبب تعرضها للتزييف والتحوير من جهة وبسبب ما تثيره من حزازات وحساسيات بين العائلات في القرى والبلدات التي تتجاذبها صراعات سياسية وعنعنات حزبية ضيقة من جهة اخرى. ولا يخفى على العارف البصير على ما يؤكد الخوري اسطفان البشعلاني، وهو مؤرخ ثقة في هذا المجال ومرجع في الوقت نفسه »ما في تاريخ الأسر اللبنانية من الغموض والالتباس، وما دخل على أصولها وأنسابها من الخرافات والاوهام. فليس هناك مصادر موثوقا بها، ولا يمكن ان الاخبار المروية والتقاليد المنقولة وحدها من تواريخ عامة، او خاصة يُرجع اليها في هذا الشأن ولا آثار خطية تكشف القناع عن تاريخ كل أسرة. وما خلا ذلك فمعظمه روايات متضاربة«. (تاريخ بشعلي وصليما)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة