»لا لأوروبا البنوك، لا لأوروبا البندسبنك (البنك المركزي الالماني)، لا لأوروبا هانس تيتمير (حاكم البنك المركزي الالماني)، لا مخرج الا في خلق دولة رعاية أوروبية في اسرع وقت ممكن من خلال تحرك كل القوى التقدمية«. هذا الموقف الذي اطلقه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو في مؤتمر »العولمة نحو تحد ثقافي لأوروبا« الذي عقد في جامعة فريبورغ الالمانية سنة 1996 يجسد أحد أبرز طروحاته النضالية التي تقضي بتجميع الحركات الاجتماعية الأوروبية خارج إطار حدودها الوطنية الضيقة، إذ ان طبيعة الصراع ضد النيوليبرالية تفرض تجديد أسلحة المواجهة، بما يعني تجديد النقابات وتجميع كل القوى الاجتماعية المناهضة لهيمنة منطق السوق من أجل العمل المباشر نحو أهداف محددة كما لحق في العمل والسكن والصحة. لقد كرس بيار بورديو قسما كبيرا من وقته ابتداء من العام 1995 حتى وفاته في 23 من هذا الشهر لمحاربة النيوليبرالية التي تقضي برأيه على مكتسبات حضارة مربوطة بالقطاع العام والحقوق الجماعية. هنا في بورديو هذا المعترك على أكثر من جبهة إذ انه اسس مع ما يقارب ثلاثين باحثا في العام 1995، بعد مساندته لاضرابات عمّال سكك الحديد، منشورات »أسباب للتحرّك« (Raison dصAgir) التي تنطلق من نقطة أساسية وهي وضع نتائج الأبحاث في العلوم الاجتماعية في متناول الجميع، كي يتمكّن الأفراد والحركات الاجتماعية من استعمالها »كعدة شغل« في مواجهتهم »للفكر الأحادي«. ان ما يميز بورديو عن سائر المثقفين في الماضي او الحاضر نوعية التزامه السياسي الذي لقب »بالالتزام العلمي«، ان في المجال الأكاديمي البحت أم في مداخلاته في الشأن العام من خلال دعمه المباشر للعاطلين عن العمل والمهاجرين العرب في فرنسا والحركة الفلاحية التي يرأسها جوزي بوفيه على سبيل المثال لا الحصر. ان هذا »الالتزام العلمي« الذي تمثل في روحية »أسباب للتحرك« يقضي باستعمال العلوم الاجتماعية من أجل فهم المجتمع من خلال فضح أماكن السيطرة فيه وتسليط الضوء على الآليات الخفيّة التي يستعملها المسيطرون من أجل الاسمترار في هيمنتهم. ان هذا الموقف النقدي الذي اتخذه بورديو جعل من علم الاجتماع أداة للتحرر من خلال كشف الأسباب الاجتماعية للمعاناة الفردية. مما أدى الى ترداده بأن علم الاجتماع مزعج بالإضافة الى كونه رياضة قتالية، وهو عنوان الفيلم الوثائقي الذي اخرجه بيار كارل عن بورديو. إن هذا النموذج عن الالتزام يختلف كثيرا عن صورة »المثقف الكلي« الذي بدأ مع زولا ولمع مع جان بول سارتر في القرن العشرين. فالمثقف الكلي هو من يدلي برأيه او بنصائحه في كل مواضيع الساعة. وأحد أهم هواجس بورديو كانت تتمثل بعبارته »ان هدفي هو المساهمة في صد من يريد التفوّه بترهات عن المجتمع«. ومن ذلك المنطلق وجه بورديو معظم جهوده »السياسية« الى درس وفضح آليات السيطرة في العالم الثقافي، ومنها النفوذ المتعاظم للصحافيين والمثقفين الذين يستعملون وسائل الاعلام كوسيلة للحصول على نفوذ ما كانوا ليحصلوا اليوم عليه لولا »طلّتهم الاعلامية«. ينبع هذا الموقف عند بورديو من اقتناع بعدم صلاحية نموذج »المثقف الكلي« الذي يظهر بمظهر النبي الاجتماعي ليتحدث بثقة كاملة عن كل ما طرأ او يطرأ في العالم. بالإضافة الى ذلك، يتطرق بورديو الى النفوذ المتفائل للدولة واقتحام المصالح الاقتصادية للحقول الثقافية والعلمية وتأثيرها على نمط انتاج واستهلاك المنتوجات الثقافية، مما يولّد معايير انتاجية مبنية على السرعة والسهولة، كما يفرز نموذجا آخر من المثقفين هو »المثقف الخبير« الذي يعمل في خدمة المسيطرين، كخبراء الإرهاب الشرق أوسطي الذين يدلون بالحقيقة كاملة على شاشات التلفزيون في مهلة لا تتخطى دقيقتين. في وجه هذه التحديات دعا بورديو الى شكل جديد من التدخل في الشأن العام يتمحور حول استقلالية المثقفين من المصالح الاقتصادية والتدخلات السياسية التي تسمح بإنتاج فكر نقدي ومستقل. ساهم بورديو في سنة 1989 بإنشاء (Liber) وهو عبارة عن ملحق ثقافي رئس تحريره يوزع مع أبرز الصحف الأوروبية من أجل اقامة الفرصة، من خلال منبر مستقل، متبلور فكر مضاد على صعيد القارة الأوروبية بأشملها. أما على الصعيد الأكاديمي فقد انشأ ورئس تحرير مجلة (Acte de la Recherche en Scienes Sociales) القائمة على اسس علمية/ سياسية مشابهة لتدخلاته في الشأن العام، وهي »الالتزام العلمي« والاستقلال عن أي اورثوذوكسية سياسية، مما يسمح لعلماء الاجتماع بالتأثير السياسي من خلال ضمان استقلاليتهم كمجموعة، مترجما بذلك مقولته بأن »الأبحاث في العلوم الاجتماعية هي أقوال سياسية ملتزمة«. ارتبطت مواضيع أبحاث بورديو في كثير من الأحيان بالأحداث السياسية الجارية، بدءا بأول أبحاثه التي أجراها عن الجزائر (Sociologie de LصAlgerie 8591) وتناول فيها فظائع الحرب الكولونيالية والنتائج الاجتماعية والثقافية التي تلت حرب التحرير الجزائرية، مرورا بالورثة (1964) بالاشتراك مع جان كلود باسرون الذي أشار فيه الى الدور الأساسي الذي يؤديه »الإرث الثقافي« او »الرأسمال الثقافي« في إعادة انتاج التفاوت الاجتماعي في التعليم العالي بالرغم من سنوات التوسع التي شهدها القطاع التعليمي الفرنسي في تلك المرحلة. وقد وسّع بورديو أبحاثه في حقل التعليم في مقالات عدة منها La noblesse dص Etat (9891) وHomo Academicus (8891) وReproduction (7791) مما جعل بعض المفكرين والنقاد يكتبون ان بورديو الذي فضح العنف الرمزي الذي تمارسه المؤسسات التعليمية في الماضي يناقض نفسه في التسعينات عندما اصبح أشرس المدافعين عن القطاع العام والتعليم تحديدا. إلا ان بورديو عندما أجرى أبحاثه حول القطاع التعليمي وبرهن عن إعادة انتاج التفاوت الاجتماعي فيه من خلال دحض مقولة »الذكاء والكفاءة« ليحل مكانها الرأسمال الثقافي، إنما فعل ذلك رغبة منه بتحسين التعليم لا برغبة نيهيلية تدعو الى تحطم المؤسسات. فلا تناقض إذاً بين الدفاع عن تلك المؤسسات عندما تهدد بالانقراض وإبداء نظرة نقدية تجاهها. وقد تابع بورديو المنهج نفسه في »بؤس العالم« (Lamisڈre du monde) الذي يتناول فيه من خلال مقابلات عدة مع أفراد فرنسيين أشكال المعاناة الاجتماعية والتهميش في فرنسا المعاصرة. لقد أراد بورديو في »بؤس العالم« ان يظهر صورة مختلفة جدا عن تلك التي ينتجها مستشارو الحكومات التكنوقراط المسلحون بأدواتهم الاحصائية. ليست هذه السطور لطرح كل المواضيع التي تناولها ابن ساعي البريد الذي ولد في منطقة فلاحية من جنوب غرب فرنسا في 1 آب 1930 واعتبر من أهم مفكري القرن العشرين، إنما يسعنا القول ان عمل بيار بورديو وضع منهجا جديدا وحقق ثورة رمزية في العلوم الاجتماعية إذ انه استطاع تخطي ما أسماه »بالثنائيات الخاطئة« التي حكمت العلوم الاجتماعية كالحرية في مواجهة القدرية والرمزي في مواجهة المادي والطلاق ما بين العملي والنظري. ولربما تكمن أهمية بورديو في جعله علم الاجتماع أداة تحليل وتحرير من خلال محاولاته لاضفاء الموضوعية على كل أركان الحياة الاجتماعي من صراعات المثقفين الى الأذواق الفنية. وليس صدفة ان يكون عنوان آخر درس لبورديو في الكوليج دوفرانس هو »بورديو عن/ على بورديو« (Bourdieu sur Bourdieu)، وهو كتابة عن تطبيق منهجه النقدي في علم الاجتماع على مساره الخاص.