بدّد »حزب الله« التكهنات حول موقفه من الوضع الميداني في مزارع شبعا المحتلة، واختار توقيتا سياسيا مرافقا للمستجدات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ونفذ هجوما صاروخيا على موقع اسرائيلي في المزارع، في الوقت الذي أطلق مقاتلوه دفعة جديدة من قذائف المضادات فوق المستوطنات الاسرائيلية الشمالية. وجاءت ردة الفعل الميدانية من جانب اسرائيل مكثفة، لكنها انحصرت في بقعة العمليات. ولم يتضح ما إذا كانت اسرائيل تفكر برد واسع، لكن قادتها اتهموا إيران وسوريا بدفع الحزب الى هذه العملية بهدف جر اسرائيل الى مواجهة. وقال وزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر »إن اسرائيل لن تُجَر الى خوض معارك في هذه المنطقة، لكنها لن تسكت على مثل هذه الهجمات«، فيما سارعت واشنطن الى شجب العملية باعتبارها انتهاكا للقرار 425 ولاتفاق فك الارتباط في العام 1974 بين سوريا واسرائيل، ودعت الحكومتين اللبنانية والسورية الى ضمان عدم خرق خط الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني. واعتبرت مصادر رسمية لبنانية أن هذه العملية هي رد على الانتهاكات الاسرائيلية المتتالية للأراضي والأجواء اللبنانية، والتغاضي الدائم من المجتمع الدولي عن هذه الانتهاكات ووضع حد لها. ولفتت الى أن الهجوم استهدف مركزا للاحتلال في الأراضي اللبنانية، وهو حق مشروع للمقاومة. وكانت مجموعات من المقاومة الإسلامية هاجمت قبيل الخامسة عصر أمس نقطة يستخدمها جنود الاحتلال للمراقبة على مقربة من مواقع في مزارع شبعا المحتلة، وترافق ذلك مع قصف مركّز بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا باتجاه المواقع المشرفة في تلك المنطقة. وبعد نحو ربع ساعة خرج طيران العدو المروحي والحربي في طلعات عدة وأغار على المنطقة المفترضة أنها مناطق عمل المقاتلين. كما أطلقت قذائف مدفعية من داخل الأراضي المحتلة، وسقط بعضها على الطريق بين شبعا وكفرشوبا، ما أدى الى تضرر سيارة مدنية، ولكن لم يبلغ عن وقوع إصابات. وسبق ذلك تحليق لطيران العدو الاستطلاعي فوق المنطقة، فجرى إطلاق المضادات الأرضية باتجاهها، وتردد أن طائرة من دون طيار أصيبت. كما أطلق مقاتلو الحزب رشقات في سماء المستوطنات الشمالية، ما أدى الى حالة ذعر. وقد طُلب الى المستوطنين النزول الى الملاجئ، وأعلن عن تضرر سيارة اسرائيلية من جراء سقوط شظايا قذائف المضادات الأرضية، وهي المرة الثانية التي يلجأ فيها الحزب الى مثل هذه الطريقة كرد على الانتهاكات الاسرائيلية المستمرة للأجواء اللبنانية، وخرق طائرات العدو لجدار الصوت فوق القرى والبلدات الجنوبية. الموقف الأميركي } في واشنطن (هشام ملحم) شجبت الولايات المتحدة الهجوم الذي شنته عناصر تابعة لحزب الله ضد القوات الاسرائيلية في مزارع شبعا، واعتبرته انتهاكاً لقرار مجلس الامن 425، ودعت جميع الاطراف الى ممارسة ضبط النفس، وطلبت من الحكومتين اللبنانية والسورية ضمان عدم حدوث اي انتهاكات لخط الانسحاب الاسرائيلي الذي رسمته الامم المتحدة. وقال غريغ سوليفان الناطق باسم قسم الشرق الاوسط في الخارجية الاميركية ل»السفير« في تعليق رسمي على الهجوم »نشجب بقوة هذه الهجمات التي بادر اليها حزب الله، والتي تمثل انتهاكاً لقرار مجلس الامن الدولي 425، ولاتفاق فك الارتباط في عالم 1974«، وذلك في اشارة الى فك الارتباط بين سوريا واسرائيل في تلك السنة، لانه يشمل مزارع شبعا في الاراضي السورية الخاضعة لانتداب قوات الامم المتحدة (اندوف) المنتشرة في الاراضي التي احتلتها اسرائيل في 1967. واضاف الناطق الاميركي »مثل هذه الهجمات تزيد من مخاطر تصعيد العنف الاقليمي في الوقت الذي تعتبر فيه التوترات عالية اصلا. ومصلحة جميع الاطراف تقضي بالتحرك بسرعة لاستعادة الهدوء، ومنع التصعيد«. واضاف الناطق »ونحن ندعوجميع الاطراف الى ممارسة اقصى درجات ضبط النفس، وتحديدا الحكومتين اللبنانية والسورية، لضمان عدم تجدد الانتهاكات لخط الانسحاب الذي رسمته الامم المتحدة«. وسارع نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط السفير ديفيد ساترفيلد للاتصال بالسفير اللبناني في واشنطن فريد عبود، وبالسفير السوري رستم الزعبي، لنقل هذا الموقف الاميركي. كما قام سفير واشنطن في لبنان، فينسنت باتل بإجراء اتصالات مع كبار المسؤولين اللبنانيين للغرض نفسه، كما قام السفير الاميركي في دمشق تيودور قطوف بتحرك مماثل. الموقف الإسرائيلي وكانت اسرائيل قد أشارت الى ما أسمته محاولة »حزب الله« خلق نقطة احتكاك جديدة، غير مزارع شبعا، في مقابل أراضي العديسة، حيث يعتبر الحزب أن »كيبوتس مسكاف عام« أقيم على أراض لبنانية ينبغي لإسرائيل الانسحاب منها. وأشارت صحيفة »معاريف« الى قيام حزب الله بتنظيم مسيرات ومظاهرات بجوار مسكاف عام في الأيام الأخيرة. ومعروف أن الجيش اللبناني كان قد أثار موضوع هذه الأراضي في المداولات مع الأمم المتحدة التي سبقت تحديد ما سمي »الخط الأزرق«. وأشارت جهات أمنية اسرائيلية الى أن حزب الله يحاول فتح جبهة جديدة الى جانب الجبهة الفلسطينية لمساعدة إخوانه في مناطق السلطة الفلسطينية. وقالت هذه المصادر لموقع »يديعوت أحرونوت« إنه جرى توجيه رسائل الى السوريين عن طريق الأميركيين بوجوب »كبح جماح حزب الله« وانه »لا مجال البتة لبقاء منظمة إرهابية تحت رعاية دولة«. وقالت هذه الجهات »إن هذه قفزة، فثمة منظمة إرهابية سيطرت على الحدود الدولية. ولبنان هو الجهة المسؤولة، ولكن الموجودين هناك هم السوريون، ونحن نطالب سوريا بالسماح للبنانيين بنشر قواتهم على طول الحدود لمنع عمليات إطلاق النار باتجاه إسرائيل«. وأضافت المصادر الإسرائيلية: »إننا نجلس على خط الحدود الدولية وحزب الله هو الذي ينتهك الاتفاق. إذ تجلس على جانب الحدود منظمة إرهابية تموَّل وتوجَّه من جانب سوريا وسوف تبذل إسرائيل كل جهدها للدفاع عن مواطنيها«. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، بنيامين بن اليعازر قد وصف قصف حزب الله للمواقع الإسرائيلية بأنه »عملية خطيرة جداً، فهي ليست خطيرة فقط لأن حزب الله أطلق النار، وإنما لأن هناك من سمح لحزب الله بإطلاق النار. إذ لا يمكن لحزب الله القيام بإطلاق النار من دون أن يحصل على إذن من سوريا، وبالتأكيد من دون تحفيز ودعم من إيران. وبخصوص هجومهم ذاته، فإنه أمر بالغ الخطورة«. واتهم وزير الخارجية الإسرائيلية شمعون بيرز إيران بتأجيج التوتر في الشرق الأوسط وجر المنطقة إلى التدهور. وقال في باريس: »إن عمليات حزب الله اليوم (أمس) تمت بتشجيع من إيران، التي تدفع أيضاً منظمات الرفض الفلسطينية لتنفيذ عمليات في إسرائيل«. وكانت صحيفة »هآرتس« قد نشرت يوم أمس فحوى تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية عن سوريا ولبنان. وجاء في التقدير ان »سوريا والجهات المرتبطة بها، حكومة لبنان وحزب الله، وقعت جميعاً في ضائقة قاسية بعد عمليات الحادي عشر من أيلول. وطوال عشرات السنين استخدمت سوريا تأييد الإرهاب كوسيلة أساسية لها لإيذاء إسرائيل، عن طريق لبنان... ومنذ الحادي عشر من أيلول دعا السوريون، بدأب، للتمييز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال«. وحسب تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية فإن سوريا معنية باستمرار تهديد حزب الله لإسرائيل، وهي ستواصل النضال من أجل استمرار اعتبار حزب الله منظمة مقاومة لبنانية وليس منظمة إرهابية. ويلخص مصدر أمني إسرائيلي الوضع قائلاً إن »السوريين أثبتوا في الماضي مهارتهم في استخدام أسلوب السير على حافة الهاوية، وهذه المرة سيعثرون على لمعة سياسية ما، ولكن مشكلتهم هذه المرة هي أن الرئيس جورج بوش والإدارة الأميركية يطلبان منهم حسم الجهة التي يقفون فيها؛ مع الولايات المتحدة أم ضدها«. وأشار المعلق العسكري للتلفزيون الإسرائيلي إلى أن حزب الله يتعرض لضغوط فلسطينية وإيرانية للعمل ضد إسرائيل. وقال إن عملية الأمس يمكن أن تكون عابرة إلا إذا أراد حزب الله توسيعها. ولاحظ انه عندما لا تقع إصابات في الجانب الإسرائيلي فإن رد الفعل الإسرائيلي لا يكون عنيفاً. وشكك في احتمال قيام إسرائيل بتصعيد الموقف عن طريق ضرب مواقع سورية في لبنان. أمال المراسل العسكري للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي فقد أشار إلى وجود حيرة في المستويات السياسية العليا في إسرائيل تجاه ما يحدث. وقال إن الحيرة تتمثل في طريقة إيصال رسالة لسوريا ولحزب الله ولبنان تفيد بأن إسرائيل لا يسعها المرور مرور الكرام على حادث كهذا، وفي الوقت نفسه عدم الانجرار إلى مواجهة أخرى في الحدود الشمالية. وقال إن هذه الحيرة لم تنته في هذه المرحلة حتى الآن.