As Safir Logo
المصدر:

»مقام الجلوس في بيت عارف آغا« لرفعة الجادرجي البيت شكل السلطة وصورة المجتمع

المؤلف: الحجيري محمد التاريخ: 2002-01-22 رقم العدد:9107

الكتاب: مقام الجلوس في بيت عارف آغا الكاتب: رفعة الجادرجي الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت الرباط. في كتابه الجديد الموسوم ب »مقام الجلوس في بيت عارف آغا« (الصادر حديثا) يعرض المعمار والمنظر العراقي رفعة الجادرجي للعلاقة التي يمارسها الفرد الانسان عند تحديد هويته وتركيبها. ويبين الجادرجي كيف ان العمارة لا تؤلف شكليات تسخر لاستعمالات نفعية وجمالية فحسب، وانما هي فعالة في تكوين هوية الفرد، وهنا يكمن مصدر اهميتها، ومن هذا المنطلق اختار الجادرجي لدراسته التحليلية الانتروبولوجية دار »عارف آغا« قبل ان يهدم كليا، وهو لعائلة بغدادية ميسورة الحال في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، ليبين من خلاله مفهوم العلاقة بين الهوية الذاتية (او التشخيص) ومقام الجلوس ومسار توجه العائلة تدريجيا نحو الفردية. فالجلوس صار مقرونا بتحديد هوية وموقع الفرد، والاثاث المنزلي يسخر ليعبر عن ذلك، وهذا من متطلبات الوعي، لان البدن والوعي يتداخلان في تجسيد الوجود. لا يضير القول انه في العراق اول من استعمل شكليا الاثاثات الاوروبية المستوردة هي الجالية العثمانية الميسورة وكبار موظفي الدولة.. ومع دخول الجيش والادارة البريطانيين ادخلت طقوم اخرى من الاثاث اكثر تنوعا. مع طقوس تقليدية في دلالات استعمالها. التغير الذي كان احد مقومات التفاعل مع الحداثة وقبولها لدى العوائل الميسورة التقليدية في بغداد، الامر الذي ادى بدوره الى تغيرات في تركيب هوية افرادها. ولم يحدث هذا التغير لدى هذه العوائل وانما حصل تدريجيا، ونسبة الى تراتبية مقام افرادها، وبقدر ما خولتها هذه اقتران ذاتها مع التغير الحاصل في الاثاث. وتتمثل العلاقة بين الفرد الجالس وسلوكية الجلوس من خلال رجل السلطة او الاب (او الملك) حيث يمنح المجتمع لكرسيه المرتبة والقيمة والمقام، ولا يحصل هو على ذلك بمجرد قعوده على هذا الكرسي وانما في البداية يكيف وعيه بما يتناسب مع مقامه. وكان من اهم من احدثته المعاصرة هو »تشخيص« الفرد، واحد معالم موقف التشخيص من الوجود هو تأمين خلوة الفرد، في اهتماماته في الوظائف البدنية الطبيعية ومنحها خصوصية لا تتمتع بها في المجتمع التقليدي.. فمثلا اصبح من الحرج اشتراك فردين غريبين في سرير واحد، وتطور هذا الاتجاه ليصبح غرفة نوم لكل فرد. كما اصبحت وظيفة غسل البدن والتغوط مسألة في غاية الخصوصية، ثم اخراجها من وظائف المجتمع العام، ثم استبدالها بمواقع خلفية بحيث تؤمن خصوصية التفرد فيها. مقامات نفسية في دراسته عن »مقام الجلوس« ينطلق الجادرجي من بيت عارف آغا، كون اصحابه من بين العوائل التي تفاعلت مع الحداثة القادمة من الغرب، وقد تباينت مواقف افراد العائلة البغدادية نحو الجلوس والتفاعل مع الاثاث الجديد وطريقة التعامل معه، فالأب يحاول ان يبقي سلطته في الديمومة، فيما البعض من افراد العائلة استجابوا للحداثة وبقي البعض الاخر ملتزما بالطقوس التقليدية والسلوكيات المقترنة بها. الطقوس والتقاليد اساسية في تقسيمات بيت عارف اغا، يتناولها الجادرجي بوظائفها المختلفة المفضية في النهاية الى غاية لا غاية لها سوى تحقيق رغبات الاب (السلطة) الذي يحاول دائما تأمين شرعية لسلطته، ووجوده، او يلجأ الى العزلة للتأكيد على هالة التعالي التي يتوخاها، وحاول الجادرجي من خلال معرفته العميقة لبيت عارف آغا، رسم حركات ناسه وسلوكياتهم اليومية وعلاقاتهم ببعضهم البعض، اكان ذلك من خلال الغرف او الاجنحة المخصصة للرجال، او تلك المخصصة للنساء او ما يطلق عليه الكاتب »المجاوز« وهو من الامكنة التي تقوم بوظيفة الوصل والفصل بين الاجنحة، وتتجلى علاقة اهل البيت فيما بينهم وتتجلى المقامات »النفسية« وما يستتبعها من سلوكيات تعبر عن نفسها، بشكل اساسي، من خلال طريقة الجلوس واختيار الاثاث والمكان المخصص لها، ذاك ان طريقة الجلوس هي في »النهاية« التعبير الواضح عن هوية كل شخص وموقعه داخل البيت المؤلف من الاب واولاده الخمسة من زواجه الاول، وولدين من زواجه الثاني من امرأة تركية الاصل يطلق عليها اسم »خاتون« والى هؤلاء هناك الحاشية المنزلية الخادمة »فطمبو« التي تلازم بشكل دائم فاطمة ابنة الاغا، والحارس الذي تنحصر مهمته في مراقبة الزوار وحركة الاتصال بين الداخل والخارج وحمايتها، وقد ارتبط الكيان الفكري والمادي لهذا الحارس بهذه المنطقة، فهو منها ينطلق لاداء وظائفه المتعددة ويقوم عادة بتهيئة الشاي من دون القعود على مقعد، بل مقرفصا في الفراغ وهذا يعبر عن مقامه في البيت. واخيرا هناك »الخبازة« التي تتمتع من بين نسوة الحرم، بحرية تامة في الانتقال من »الديوه خانه« بدون انذار او اعلان وهذه حرية لا يمكن ان تتصورها او تحلم بها النساء الاخريات، والخبازة وظيفتها خارجة عن الحرم النسائي، فهي ليست واحدة منهن، وسبب تحررها هو عملها. لكل فرد في بيت عارف انما مكانه وحيزه الذي يلجأ اليه ويتحرك ضمن المسموح به. واذا ما اراد الفرد تجاوز حيزه فان هذا يتم من خلال »المجاوز« الذي يشبه عتبة الدار يهيء الحالة النفسية للانتقال من حيز الى اخر، وبالتالي فالمجاوز هو المكان الذي يتاح استخدامه من قبل الجنسين، ومن قبل اهل البيت على اختلاف مراتبهم، مع اختلاف السلوكيات بين البيت الاول والثاني. الفرديات في البيت الاول التقاليد والموروثات البغدادية القديمة هي السائدة، ونموذجها الواضح فاطمة ابنة الآغا التي هي، اضافة الى تمسكها بالزي التقليدي بالوانه الفاتحة المعروفة، تعتمد سلوكية مستورثة تقليدية، لا تسمح لها في التنويع والتغيير في معايير هويتها، فهي لا تغير طراز او لون ملابسها، وكأن الزمن قد توقف بالنسبة لها، يقول الجادرجي. اما في البيت الثاني فتختلف البيئة المعيشية، اختلافا تاما كما لو كان هناك فارق بين جيل او اكثر من سلوكيات المعيشة والطعام وطريقة الجلوس والاثاث ووجبات الطعام. »فالخاتون« التركية الاصل جلبت معها من بلدها التقاليد والطقوس التي لم تكن، على ما يبدو، معروفة في بغداد خلال العقود الاولى من القرن العشرين. وعلى هذا يظهر التباين بين الحرم وبيت الخاتون، بين البيت الذي استمر في علاقاته التقليدية او البيت الذي اخذ يتحسس التطور في مفهوم التشخيص. المغاسل والمراحيض في بيت الخاتون مخفية عن الانظار تتسم بخصوصية من يقدم على استعمالها. اما في البيت القديم (الحرم) فمغاسل اليد والوجه مفتوحة. ولا يقتصر الامر على المراحيض، فالطقوس والتقاليد قد تجلت بنوع خاص في اداب الطعام الذي لم يعد يستهلك بحسب الطرق القديمة، بل اضحى يستهلك في الجلوس على الطاولة حيث يكون لكل فرد صحنه وملعقته وشوكته. وما ينطبق على اداب الطعام ينطبق بالصورة عينها على اداب النوم، اذا جاز القول. والحق القول من اهم ما احدثته المعاصرة هو تشخيص الفرد، واحد معالم موقف التشخيص من الوجود هو تأمين الفرد خلوته، في اهتمامه في الوظائف البدنية الطبيعية ومنحها خصوصية لم تتمتع بها المجتمعات التقليدية، والتشخيص اذن منح الفرد لذاته حرية اعادة تركيب هويته، كما يمنح المجتمع هذه الحرية للفرد ايضا. يستنتج الجادرجي ان هناك فرقا جوهريا بين تطور ونمو التشخص في اوروبا كما عليه في العالم العربي، حيث لم يزل جوهر العلاقات بين الافراد تقليديا سلطويا، ولم يزل مفهوم التشخيص كعلاقات اجتماعية مفهوما مستوردا، لا يتمتع بآليات دفع ذاتي، ويبقى القول ان المهم في دراسة الجادرجي هو توغلها في دراسة صغائر الامور الحياتية »المرذولة« في الحياة الثقافية، بعيدا عن نوازع »القضايا الكبرى« والشعارات.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة