As Safir Logo
المصدر:

»فضاءات« أحمد عقل في قصر الأونيسكو الحروفية مجدداً في مغامرة صاخبة

من الافتتاح (علي علوش
المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2002-01-21 رقم العدد:9106

ونحن في مراسم وداع الحروفية كمدرسة صافية من المدارس التشكيلية التي أفلت او في طريقها الى الافول، يستوقفنا الفنان احمد عقل بمعرضه الذي افتتح أمس الأول في قصر الاونيسكو ببيروت، وينبهنا الى ان ثمة إنجازات يمكن ان تحدث على مستوى الحروفية العربية، من خلال الاستعانة بوسيلة تشكيلية جديدة هي الكومبيوتر. محطة احمد عقل كانت محطات، فهو، اولا، حوّل افتتاح معرضه الى ما يشبه المهرجان الذي حضره عدد كبير من الفنانين والمثقفين والمهتمين، وعمل فيه على حشد وسائل إعلامية متنوعة بما في ذلك عدد لا بأس به من الفضائيات العربية. وهو، ثانيا، قدم في الافتتاح عرض فيديو، يوالف فيه بين بنائية الحرف العربي في لوحاته وبنائية موسيقى جمال ابو الحسن، في خطوة مبتكرة لافتتاح معرض تشكيلي. وهو، ثالثا، فاجأنا في معرض هو الاول في تجربته، ليقدم عدداً كبيراً من الاعمال التي استطاع، من خلالها، ان يميز تجربته، ويضعها على سكة الاحتراف. في ذلك كله، بدا احمد عقل لاعباً وفناناً في آن. يقدم لوحة متمكنة، ويعرف كيف يعلن ويروّج لها، بل يعرف كيف يقدمها للجمهور بصيغة جميلة، وبأسلوب راق ومبتكر. تجديد الحروفية فاجأنا احمد عقل، ليس فقط في لعبته التي دارت حول المعرض وأسلوب العرض والدعوة الواسعة، وإنما بمستوى لوحته الحروفية، حين أعاد الحروفية الغابرة الى طاولة البحث والتداول من جديد. وحين استطاع ان يمشي عكس السير التشكيلي، مقدما فضاءات حروفية جديدة. كأن هذه المهمة الصعبة تحتاج الى فنان شاب بعمر احمد عقل، والى جنون بحجم ما يملك من انعطافات مفاجئة ومغامرات تضع اللوحة على حواف المخاطرات، والى نباهة وذهن متفتح كالذي يملكه ويعمله في تدبير ذلك التنوع الواسع، الذي فتح فضاءاته الحروفية عليه. في الملصق الذي وزعه الفنان، وفي بطاقة الدعوة ايضا، وضع عقل صورته الشخصية، وقد حوّل جلده العاري الى مساحة تلعب فيها الحروف وترتع، ليظهر لنا علاقة غريبة بين الفنان والحرف العربي، او ليظهر ذلك التلاصق »العضوي« بين الطرفين، في محاولة لإظهار مدى ارتباط الفنان وتأثره بالمادة التي ينتجها في معرضه. خيارات مفتوحة وفي المعرض قدّم لنا تلوينات واسعة، توزعت على خمس واربعين لوحة، تفترق في صيغها وتآليفها وروحيتها وألوانها. هذا التلوين او التنويع الذي وضعنا الفنان أمامه، وإن كان في معنى من معانيه نوعا من استعراض قوة، فهو يقع ايضا في إطار الخيارات المفتوحة للوحة الحروفية على إمكانات واحتمالات لا نهائية. ينوع احمد عقل في أجوائه اللونية، مستخدما مستويات من التشفيف والتدرج والتداخل والقطع اللوني، ثم مستخدما مساحات لونية هندسية تتحول، في صيغها وتكراراتها وتساوقاتها وتناقضاتها، الى مشهديات بصرية نابضة بالحركة الناتجة عن سباحة الحروف في فضاءات وسماوات الشعر، تلك الفضاءات التي تتعاقب وتتناوب، يظهر منها سطح وتتوارى سطوح. الشعر، ضم نصوصاً لمحمود درويش بشكل أساسي، ثم لآخرين مثل الاخوين رحباني وطلال حيدر وشوقي بزيع وشعراء أجانب مثل جاك بريفير، فالشعر كان حاضراً بصفته فضاء للكلام والحروف والألوان، مثلما كانت نصوص اخرى قرآنية وانجيلية فضاء للعبة الفنية وخلق فضاءات روحانية صوفية. فضاءات معمارية ما هو لافت في بنائية لوحة المعرض، ما يحيلنا دائما على العمارة او الفن المعماري، اذ وجدنا بناء اللوحة يتجه أحيانا الى بنية خرسانية شديدة التركيب، والى تحويل الحروف الى مادة معمارية والسطور الى طبقات، والنتوءات الى ما يشبه الزخرف الفائض على العمارة. ولعل فيلم الفيديو الذي شاهدناه، والذي وضعنا امام شرائح مكبرة لأجزاء بعض اللوحات، كان أكثر إفصاحاً عن تلك الفضاءات المعمارية، التي تتحول في لحظة تركيبية من لحظاتها، الى ما يشبه مشهديات المدن، في محاولة لاستخدام الحرف كعنصر من عناصر بناء الشكل او تخطيطه او استلهامه. كل أنواع الحروف يعتمد عليها الفنان في بناء هندسياته المختلفة، التي تتحول الى مساحات بصرية زخرفية في كثير من الاحيان، تتجرد مرة، وتتحول الى أشكال تقارب الواقع مرة اخرى، حتى اننا في بعض اللوحات، نلاحظ اختصار الحرف حتى النهاية، من أجل إبراز مشهدية تعتمد على حياة مباشرة او على أحلام حياة ورؤى. الفن والتكنولوجيا ما هو واقع في المعرض بقوة، القدرة على استخدام الكومبيوتر، في تشكيل الحرف العربي وتحريكه من زوايا مختلفة، وفي تطويع الحرف ليكون أكثر قدرة على خدمة اللوحة التشكيلية. ربما نستطيع ان نقول ان ما فات احمد عقل في هذا المعرض ان يكون أكثر اختصارا في تركيب فضاءاته، وأكثر تجريبا في تخفيف اللوحة من بعض الثقل أحيانا، حتى يكون أكثر تحكما بتلك »الثرثرة« الشكلية التي ينتجها الكومبيوتر، او لنقل أكثر حسماً ونزقاً في الاتجاه نحو »عبقرية« التبسيط ايضا، من خلال »تصفية« الخيارات لا تركيبها وحشدها في اللوحة. المهم انها مغامرة عامرة قدمها احمد عقل، ومعرض مكتمل، بكل ما يحتاج إليه من صخب الجماليات، وصخب تزويج الفن والتكنولوجيا... وعودة بالحروفية الى إمكانات فاتتها. (*) يستمر المعرض يومياً في قصر الاونيسكو لغاية 26 كانون الثاني الجاري.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة