As Safir Logo
المصدر:

الضمان الاجتماعي مجدداً

المؤلف: صادر مكرم التاريخ: 2002-01-17 رقم العدد:9103

أثار موضوع تعيين مدير عام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لدى الرأي العام اهتماما غير مسبوق بهذا المرفق. ويمكن تثمير هذا الاهتمام إيجابيا بتحويله إلى ضغط فعلي تمارسه بالدرجة الأولى الفئتان المعنيتان أكثر من غيرهما بتفعيل الضمان الاجتماعي، أي الأجراء المضمونون والمستفيدون من تقديماته والممثلون بعشرة أعضاء في مجلس الإدارة، والمؤسسات المنتسبة إلى الصندوق، والتي تدفع اشتراكاته والممثلة بدورها بعشرة أعضاء من أصحاب العمل في المجلس ذاته. فالضمان الاجتماعي يشكل إحدى الركائز الأساسية القليلة التي تقوم عليها بنية الوطن الاقتصادية الاجتماعية. يتم من خلاله توفير الرعاية الاجتماعية خاصة في مجالي الصحة والتقاعد لأوسع الفئات ويعتبر المطرح الأفضل لتجسيد مبدأ التكافل الاجتماعي الهام للمواطنية الصحيحة. بعيداً عن المفهوم والفكرة، يعاني الضمان الاجتماعي في واقع الحال، كما العديد من المؤسسات العامة وللأسباب السياسية ذاتها، من وضع إداري مترد جدا ينتج عنه أداء ضعيف للخدمات المطلوبة منه كمؤسسة. بينما تفوق كلفته الإدارية خمس مرات تلك المتعارف عليها دوليا في هذا المجال، (16$ من الخدمات مقابل 3$). ويكاد أن يكون »كارثياً« كما وصفه بحق كتاب مفتوح نشره أحد الزملاء أعضاء مجلس الإدارة. ويرتبط بهذا الوضع الإداري المتردي، بل وبسببه، وضع مالي ينطوي على مخاطر جمة للأجراء وأسرهم وللمؤسسات المنتسبة وللمؤسسات الاستشفائية. ولم يعد سرا أن ما يسمى »الفوائض والوفورات« ليست في الحقيقة سوى التزامات ومتأخرات للضمان تجاه الغير. فصندوق تعويضات نهاية الخدمة، على سبيل المثال، لا يسجل وفورات بل يعاني في الواقع من عجوزات قد تناهز أو تزيد عن الاحتياطي المكوّن فعلاً. وما يفاقم الوضع المالي للضمان أن كامل احتياطي الضمان وأمواله موظف في أداة مالية واحدة. وهذه التوظيفات، خلافا لما هو قائم في معظم البلدان، لا تتمتع بأية حماية. وللعلم، كانت اللجنة المالية للضمان قد أوصت بتنويع التوظيفات لناحية الأدوات والعملات والمجالات. ولم يتم ذلك رغم إقرار مجلس إدارة الضمان لهذه التوصية. وقد ركزت الهيئات الاقتصادية في اجتماعها الأخير ليس فقط على تعيين مدير أصيل للضمان يتمتع بالكفاية والخبرة والخلقية المشهودة، بل وعلى التزامه التنفيذ الدقيق لبرنامج العمل الذي كان مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قد أقره بتاريخ 30 آذار 2000. ويهدف برنامج العمل هذا إلى جعل الضمان مركزا اجتماعيا وماليا يتمتع بمصداقية عالية، بحيث يؤمن للمضمونين نوعية عالية من الخدمات ويرفع إنتاجية موظفيه، وتتطور قدراته التقنية لوضع الدراسات العلمية والمبادرة إلى المشاريع المستقبلية والتوظيفات المجدية للاحتياطيات المالية، وبحيث تُحدَّث نُظمه وقوانينه باتجاه تفعيل دور مجلس الإدارة ورئيسه في تقرير سياسة الصندوق ومراقبة تنفيذها. ودون الدخول في تفاصيل برنامج العمل، فقد تضمن تشديدا على إنجاز قطع حسابات الضمان للسنوات السابقة وتسهيل عمل مدققي الحسابات وعلى تقديم معاينة دقيقة وواضحة لوضعية المكننة في الضمان ولوسائل إدخالها إلى عمل الصندوق وتعميمها. كما شدد البرنامج على إعادة النظر في مجمل الهيكلية الإدارية للضمان الاجتماعي بتشجيع الصرف المبكر لقسم من العاملين واستبدالهم بذوي خبرة وثقافة، وإعادة النظر بدوام العمل لناحية امتداده حتى بعد الظهر. وإصدار دليل المضمون وتعيين من يلاحق جديا شكاوى المواطنين، وإجراء مدفوعات ومقبوضات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من خلال المصارف وشبكتها المنتشرة على كل الأراضي اللبنانية، والتعاقد مع فريق من أربعة خبراء ذوي مستويات عالية يلحقون بمجلس الإدارة ليواكبوا عمله في مجالات المحاسبة والاقتصاد والإحصاء والمكننة. وبذلك، يتمكن الصندوق من استيعاب مشروع البطاقة الاستشفائية وتأمين خدمات تأمينية صحية ومهنية تجنبه انعدام التوازن المالي. ويتمكن من إنجاز مشروع البطاقات والحسابات الإفرادية للمضمونين، خاصة في ما يعود إلى تعويضات نهاية الخدمة، بحيث يصبح قادراً على تأدية الخدمات للمضمونين بسرعة وعلى استيعاب عملية توسيع نطاق تغطية الضمان الاجتماعي لشرائح جديدة من المجتمع اللبناني. ودعا البرنامج أخيرا إلى أن تضع لجنة من مجلس إدارة الصندوق قانونا جديدا لضمان الشيخوخة بديلاً لنظام تعويضات نهاية الخدمة »الكارثي« المعمول به حاليا. ونعتقد أن المشروع الذي كان »تجمّع رجال الأعمال قد تقدم به ووافقت عليه في حينه الهيئات الاقتصادية ما زال يشكل أفضل صيغة لنظام ضمان شيخوخة ملائم للوضع الاجتماعي في لبنان. وحسنة هذا المشروع أنه يجمع بين التوزيع والرسملة. ويقوم على ثلاثة أركان يمكن إيجازها على النحو الآتي: يتغذى الركن الأول من اشتراكات تدفعها المؤسسات عن الأجير بنسبة معينة من الأجر وتُحفظ له في حساب شخصي لدى مؤسسة الضمان الاجتماعي. وعند بلوغه سن التقاعد، يُقسم المبلغ المتراكم باسمه على عدد الأشهر المتوقع له أن يعيشها. ويمكن في صيغة معدلة منه اعتماد معاش تقاعدي أدنى متساو لجميع المتقاعدين بغض النظر عن المبالغ الشخصية المتراكمة، على أن تُحتسب نسبة الاشتراكات على أساس مضاعف للحد الأدنى للأجور المعمول به في البلد. ويخضع للزيادات السنوية التي تقررها السلطات على الحد الأدنى. ويساعد اعتماد الحد الأدنى للأجور كمرجعية هنا على دعم فئات الأجراء من قبل فئات أخرى (الجانب التوزيعي). كما يُبقي الباب مفتوحا لدخول أصحاب المؤسسات الفردية في النظام. ويكون هذا الركن إلزامياً لكل العاملين. ويتغذى الركن الثاني، وهو أيضا إلزامي الطابع، من اشتراكات المؤسسات (أو أصحاب العمل) أيضا بنسبة من الأجر بحيث لا يتخطى مجموع الاشتراكات في حالة لبنان، في الركنين، معدل 5،8$ المعمول به حاليا. وتُسجل مباشرة في الحساب الشخصي للأجير المعني لدى أحد صناديق التقاعد التي يختارها بنفسه. وتعمل هذه الصناديق (المهنية أو القطاعية أو الوطنية)، كونها مؤسسات مالية، تحت رقابة صارمة من السلطات النقدية وضمن شروط يحددها القانون حول بنيتها التنظيمية والإدارية ومجالات توظيفاتها ونظم احتياطياتها وحتى الحدود الدنيا لمردودها السنوي. ولا يستطيع الأجير الانسحاب من الصندوق أو الاستفادة منه إلا بعد بلوغ سن التقاعد. عندها، يُعطى الحرية بقبض مجموع ما تراكم من أموال في حسابه دفعة واحدة أو على أساس شهري. ويشكل هذا المعاش الإضافي معاشاً مكملاً للمعاش الأدنى الذي يقبضه من الركن الأول. أما الركن الثالث، فهو اختياري وليس إلزاميا. يساهم فيه الأجير باقتطاع نسبة معينة من أجره ضمن سقف محدد. وتستثمره شركات مالية متخصصة خاضعة بدورها لرقابة السلطات النقدية. وفقط عند بلوغ سن التقاعد، يقبض الأجير المبالغ المتراكمة من ادخاره والعائدات، إما دفعة واحدة أو دفعات شهرية مدى حياته، لتشكل بذلك رافدا ثالثا من روافد معاش التقاعد. وتسري شائعة في البلد أن الدولة تريد وضع يدها على أموال الضمان الاجتماعي التي تقارب ملياري دولار لتمويل عجزها. وقد فات من يطلق هذه الشائعة أن أموال الضمان موظفة منذ سنوات لدى الدولة في سندات الخزينة. الحقيقة ان الضمان واقع اليوم بين »مطرقة« أولئك الذين، باسم تفعيل الضمان، يريدون بطروحات غير مدروسة، تحويل هذه المؤسسة عن الأسس التي قامت عليها أساسا، وبين »سندان« أولئك الذين باسم حقوق العمال والعدالة الاجتماعية، يريدون الإبقاء على أوضاع الضمان الإدارية والمالية المتردية. ولقد آن الأوان لكي يأخذ الأجراء وأرباب العمل هذا الملف بيدهم. لعلهم يخرجونه من الحيز العالق فيه. فهم »أهل الصبي« وأصحاب المصلحة الحقيقية في تغيير هذا الواقع، والانتقال بمؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى مؤسسة حديثة تؤدي الخدمات والوظائف المطلوبة منها على الأقل بالحد الأدنى المقبول من الكفاءة والكلفة. إن الهيئات الاقتصادية إذ تطالب بتعيين مدير عام للصندوق، كفوء وخلوق، وإذ توافق على تفعيل عمل مؤسسة الضمان الاجتماعي استنادا إلى برنامج العمل الذي سبق وأقره مجلس إدارة الصندوق الاجتماعي ولم ينفذ، وإذ تطرح نظام ضمان شيخوخة يجمع بين التوزيع والرسملة، تعبّر بكل ذلك عن حرصها الشديد على الضمان الاجتماعي وعلى دوره. ونأمل أن يسارع الطرف الآخر المعني بالضمان، أي الاتحاد العمالي العام، إلى تلقف الرسالة هذه ووضع يده في يد الهيئات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المؤسسة الحيوية والهامة، والتي ستكون مدعوة إلى أداء دور حيوي متزايد إذا استمر المسار الحالي للأزمة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة