بات يُمكن عقد مقارنة، ولو سريعة، بين مغامرات هاري بوتّر (دانيال رادكليف) في مدرسة السحرة ومواجهة أمير الشر والسحر الأسود، وتحدّيات فرودّون ساكيت (أليجا وود) في رحلة »تدمير« خاتم الشر والظلام. الفيلمان مقتبسان عن روايتين. الروايتان مؤلّفتان من أجزاء عدة. الكاتبان إنكليزيان. صاحبة شخصية هاري بوتر لم تعرف حضورا أدبيا وفنيا قبل العام 7991، مع صدور الجزء الأول من روايتها. مبتكر عالم »هوبيت« وتفصيلاته المختلفة، كاتب رفيع المستوى، وصاحب تجربة أدبية مرموقة. الأولى تدعى جوان كاثلين رولينغ (73 عاما). الثاني جون رونالد رويل تولكيان (2981 3791). الرواية الأولى بدت أكثر اقترابا من عالم صغار يبحثون عن التسلية والتشويق، بمفاهيم عصرية مختلفة. لا يأبهون للمخاطر. يدخلون الصالات ويتمتّعون بمتابعة المغامرات المتنوّعة التي يجد هاري بوتر نفسه في »جحيمها«. أعتقد أن الرواية الثانية، أعقد وأجمل: تولكيان خلق عالما متكاملا، بما فيه من تفصيلات وحالات وشخصيات وعوالم وديكورات ونزاعات وحالات نفسية وتركيب جغرافي واجتماعي. تولكيان أوجد مجتمعا قائما بذاته. وضع له ذاكرة وتاريخا. رسم عاداته وتقاليده. أوغل في تبيان موقعه الإنساني في الخريطة البشرية. كما لو أنه سعى، من خلال »هوبيت«، إلى إعادة قراءة العالم الإنساني الذي نعرف. أميل أكثر إلى »سيّد الخواتم«. السحر فيه يتعدّى المتداول، ليقدّم صورة مشعّة بجمالها الفني وسعة المتخيّل. لا يعني ذلك أن السحر والتشويق البصري ينتفي وجودهما من »هاري بوتر وحجر الفلسفة«. كريس كولومبس عرف كيف يعيد صوغ »الجسد والروح« للعالم الذي وصفته رولينغ في روايتها المتعدّدة الأجزاء (خمسة أجزاء في السوق، وهناك نية للوصل بها إلى سبعة). غير أن »سيّد الخواتم« غني بالفانتازيا الغريبة. بالديكورات المخيفة، التي لا تعدو كونها أقلّ من انعكاس حاد للذات الإنسانية، بآلامها وتحوّلاتها وتناقضات مشاعرها وأنانيتها وجشعها، بطموحها الذي لا نهاية له. مع بيتر جاكسون، إمعان أقوى في تحويل المتخيّل الروائي إلى واقع بصري. في جعل الواقع البصري نفسه، متخيّلا من نوع آخر. فالذات هنا مشحونة بتداعيات التاريخ والبطولة والرغبة بالسلطة التي لا سلطة فوقها. مشحونة بقوة الشر في سعيه إلى استعادة شكله وحضوره في العالم. الشر هنا واضح ببشاعته. قادر على إثارة الرعب في نفوس أعدائه، كما في نفوس المُشاهدين. مُتمكّن من إحداث توازن درامي رائع، في مواجهة الباحثين عن نقطة ضعفه، للقضاء عليه. في »سيّد الخواتم«، اتّخذ الصراع شكلا بصريا أجمل: الديكورات الضخمة، من مناجم مهجورة، إلى وديان سحيقة بين جبال عالية. من ظلام دامس يعجز النور عن اختراقه، إلى نور وبياض وألوان زاهية، سرعان ما تقع فريسة الطمع والعتمة. لا شيء يستقلّ بحدّ ذاته في »سيّد الخواتم«: فالتفصيلات المادية تفسير لتناقضات الذات الإنسانية. ورحلة تدمير الخاتم في جبل الهلاك، سيرة أناس (هل أقول شعبا؟) أرادوا الخلاص والتطهّر من فسادهم ونزاعاتهم مع ذواتهم أولا. قسوة الطبيعة مرآة للخراب الروحي. وبهاء الصحو صفاء يعكّره جحيم الأرض والناس. ببلوغه الثانية عشرة من عمره، وجد تولكيان نفسه يتيما. بعد أعوام قليلة، حصل على منحة لدراسة الآداب، وفي العام 5191، تطوّع في الجيش الإنكليزي لمحاربة الألمان، في خلال الحرب العالمية الأولى. على الجبهة، بدأ بكتابة روايته (»الجنّية«، أي عن الجنّ) الأولى، "LE SILMARILLION". بعد انتهاء الحرب، عُيّن أستاذا في جامعة أوكسفورد، لتدريس اللغة والأدب. أمضى وقته بين إلقاء المحاضرات، ووضع دراسات ومحاولات نقدية تناولت »الشعر الفانتازي«. في العام 7391، نشر رواية »بيلبو الهوبيت«، من بطولة شخصية متخيّلة (رجل صغير الحجم، فقير وهزيل)، يكتشف العالم مصحوبا باثني عشر قزما وساحر واحد. اعتُبرت روايته الثالثة، »سيّد الخواتم«، التي صدرت أجزاؤها الثلاثة بين العامين 4591 و5591 (صدرت ترجمتها الفرنسية، للمرة الأولى، في العام 2791، عن »منشورات كريستيان بورجوا«)، تتمة أعقد ل»بيلبو«. ذكرت مجلة »استوديو« الفرنسية (كانون الأول 1002)، أنه في العام 8791، قرأ أكثر من مائة مليون شخص في العالم »سيّد الخواتم«، المترجمة يومها إلى خمس وعشرين لغة. أضافت المجلة: »ابتكر تولكيان أسطورة مؤسِّسة. كثيرون، من بينهم جورج لوكاس أثناء عمله على »حروب النجمة«، استوحوا (أفكارا وأشكالا وتفصيلات) من الرواية. (حتى لحظة صدورها)، ظلّت رواية المغامرات مرتكزة، في الغالب، على نموذج »البحث المساريّ«. مع »سيّد الخواتم«، وُضع (نموذج) »ضد البطل« في واجهة المشهد (الروائي) في سعيه إلى تحقيق ما يمكن وصفه ب»ضد البحث«: الشر غير متجسّد في شخص واحد، بل قابع في (داخل) كل واحد منا. العالم الذي تخيّله تولكيان هو، في الوقت نفسه، قديم ونبوي تنبؤي (...)«. خلصت المجلة، في إطار ملفّ خاص بالفيلم أعدّته صوفي بونامون، إلى أن »أحدا لم يضع تحليلا ل»سيّد الخواتم« عن الحرب العالمية الثانية. واليوم، منحت الأحداث الحالية لآخرين فكرة إجراء مقارنة الرحلة التي يقوم بها »فريق تجمّع الحلقة«، المؤلّف من ممثلي الأعراق المختلفة (هوبيت، الجنّ، الإنسان ...) بالحرب ضد الإرهاب«. لم يتجرّأ أحد من السينمائيين على تحويل الثلاثية، أو أحد أجزائها على الأقل، إلى فيلم، منذ صدور الرواية في منتصف خمسينيات القرن المنصرم. وحده المنتج سول زاينتز أقدم، في العام 6791، على انتقاء أسماء رواية تولكيان وشخصياتها، لتحقيق شريط رسوم متحرّكة، أنجزه رالف باكشي. لذا، توجّه إليه بيتر جاكسون، حين قرر، في العام 4991، اقتباس العمل الروائي، سينمائيا. بسبب ارتباطه بشركة »ميراماكس«، سعى زاينتز إلى عقد لقاء بين الأخوين واينشتاين (مديرا الشركة) وجاكسون، باء بالفشل، إذ إن الأخوين »وافقا« على إنتاج فيلم واحد فقط، بميزانية تبلغ 57 مليون دولار، في حين أن جاكسون أراد تحقيق الثلاثية. من دون التخلّي كليا عن المشروع، أمهلت الشركة جاكسون ثلاثة أسابيع فقط للعثور على مموّلين آخرين. اتصل المخرج (مواليد نيوزيلندا، 13 تشرين الأول 1691) بشركتي »فاين لاين« (إنتاج) و»نيو لاين« (توزيع)، اللتين اقتنعتا بالمشروع، ووافقتا على إنتاج الثلاثية (وتوزيعها، طبعا)، بميزانية تساوي 031 مليون دولار، قبل أن يصل الرقم النهائي إلى 072 مليون. أمضى بيتر جاكسون 472 يوما لتصوير الثلاثية (»اتحاد الحلقة«، »البرجان« و»عودة الملك«)، دفعة واحدة، في نيوزيلندا، متعاونا مع 411 ممثلا، وأكثر من عشرين ألف كومبارس. الأدوار الأساسية توزّعت على أليجا وود (فروندون)، أيان ماكيلن (غاندلف)، أيان هولم (بيلبون)، كريستوفر لي (سارومان)، فيغو مورتنسون (آراغورن)، شون بين (بورومير)، جون ريس دايفيز (غيملي)، أورلاندو بلوم (ليغولاس)، ليف تايلور (آروين)، كايت بلانشيت (غالادريال)، وآخرين. وجد فرودون نفسه، ذات يوم، مسؤولا عن تحقيق أخطر مهمة، وأهمها على الإطلاق. تخلّى عمّه بيلبون، في يوم احتفاله بمرور 111 عاما على ولادته، عن »خاتم« أدامه في العمر، ومنحه شبابا لا ينضب. حكاية الخاتم تثير الرعب في النفوس، لمن يستمع إليها، فكيف بالذين اختبروا تفصيلاتها؟ فالخاتم المذكور سيّد الخواتم، تلك التي صُنعت خصيصا لملوك وجنيّات وسحرة. من يضعه في إصبعه، يحكم العالم. ظلّ الخاتم في يد سورون، ملك الظلمات. قاد جيشه في انتصارات ساحقة، وعمّ الظلام الدنيا، والشر النفوس، والفساد المجتمعات. حورب سورون كثيرا. تغلّب عليه أحدهم، وحصل على الخاتم، قبل أن ينزلق في متاهة العدم والعتمة والشر. ثم ضاع الخاتم مجدّدا. بعد ستين عاما، اكتشف غاندلف وجوده لدى بيلبو. الخاتم ينادي سيّده. السيد يسعى إليه. لا جسد لملك الظلمات، بل روحا هائمة لا ترتاح في تيهانها وشغفها باستعادة مجد زال. أعاد الساحر سارومان، الذي انقلب لمصلحة سورون، بناء جيش السيد الأسود. وبدأت مغامرة البحث عن الخاتم. أي مطاردة »تجمّع الحلقة«، الذي تألّف من ممثلي أعراق مختلفة، لا تريد لسارومان إحكام قبضته مجدّدا على العالم. الرحلة تهدف إلى تدمير الخاتم في المكان نفسه حيث صُنع. في جبل الهلاك. والرحلة هذه دونها عقبات ومطاردات من جيش الأشباح وتنين النار ومخاوف الذات وهلع الروح. الرحلة مليئة بالمغامرات المشوّقة، أضاف عليها المخرج قوة اللغة الفنية في إعادة تشكيل العالم كله الذي صنعته الرواية بأجزائها الثلاثة. وإذا بدأ عرض الجزء الأول في كانون الأول الماضي، فإن الاتفاق الموقّع مع شركة الإنتاج، قضى بإطلاق عروض الجزءين الآخرين في كانون الأول 2002 وكانون الأول 3002. ثراء فاحش وجميل في صوغ المشهد البصري. في بناء الديكورات. في تحويل النص إلى حكاية بصرية، ساهم أداء الممثلين في جعلها مرادفا حسيا لكلمات الرواية، التي لا تقلّ جمالا وإبهارا عما توصّل إلى تحقيقه مخرج شاب سبق أن قدّم أعمالا عادية، مثل »مخلوقات علوية« و»كوميديا الشبح«.