As Safir Logo
المصدر:

اتجاه أوروبي إلى تقييد حركة انتقال اللاعبين القاصرين تجارة الرقيق في عالم كرة القدم: إنه شيطان المال

جو كول مبالغ طائلة في الثالثة عشرة من العمر
المؤلف: هيدموس ايلي التاريخ: 2002-01-10 رقم العدد:9097

فيكي سيرج بودو لاعب كرة قدم كاميروني انضم، وهو لمّا يزل في السادسة عشرة من عمره، الى نادي مونبيليه الفرنسي، حيث تدرّب لمدة شهر لكنه لم يتلقى بدلا ماليا، انتقل بعدها. الى نادي غنت البلجيكي، الذي تخلى عنه بعد شهرين فقط، ليوقع عقدا مجحفا باللغة الهولندية، التي لا يفهمها بالطبع، مع ناد من الدرجة الثالثة. في أيار 1997، وقع اللاعب عقدا مع وكيل كروي، وعده بضمه الى ناد من الدرجة الاولى، مقابل حصوله على نسبة 5 بالمئة من مستحقاته كافة، لكنها زُوّرت لاحقا لتصبح 50 بالمئة! الوكيل نفسه منع، بقوة التهديد، انتقاله الى ناد من الدرجة الثانية، بحجة انه لم يحصل على النسبة المحددة في العقد... إذ ذاك، وجد اللاعب نفسه دون عمل، ومقيم في بلجيكا بشكل غير شرعي بعدما انتهت مدة سمة الدخول، ولا يقوى حتى على إطعام نفسه! لكن أودو ليس حالة معزولة. ففيليب اوسوندو، وهو لاعب نيجيري حاز لقبا دوليا مع منتخب بلاده للناشئين، في العام 1987، انتقل الى نادي اندرليكت البلجيكي في العام 1989، لكنه فشل في إثبات نفسه مع الفريق، وهو عامل تنظيف حاليا في مطار بروكسيل! لتجارة الرقيق وجوه كثيرة، أبشعها بالطبع ذكرى عشرات الملايين من الأفارقة الذين سيقوا الى العالم الجديد، الى الولايات المتحدة، حيث استعبدهم البيوريتانيون، وبيعوا في سوق النخاسة، لكنها تكتسي حاليا شكلا جديدا، شبيها بتجارة الدعارة أو بتجارة اللاجئين المزدهرة حاليا، حيث يؤتى باللاعبين الأفارقة، وآخرين من أميركا الجنوبية ومن أوروبا الشرقية وآسيا، وهم لا يزالون دون السن القانونية، الى الدول الأوروبية، ولا سيما بلجيكا، بعد قيام وكلاء كرويين جشعين، بإغرائهم بالثروة وبالشهرة، لكن الغالبية الساحقة منهم تُترك لمواجهة مصيرها المحتوم، في أزقة الشوارع الضيقة، أو في أحد الأعمال الوضيعة... ثمة ضجة كبرى تثيرها حاليا هذه المأساة، في القارة الأوروبية عموما، وفي بلجيكا خصوصا، حيث شكلت السلطات المحلية لجنة تحقيق في تجارة اللاعبين دون السن القانونية، من حاملي جوازات السفر المزورة، وذلك بعد صدور تقرير في البرازيل يتهم الأندية البلجيكية بإساءة معاملة لاعبيهم القاصرين، وبالمشاركة في »تجارة الرقيق« هذه. غير أن الأمين العام للاتحاد البلجيكي للعبة، آلان كورتوا، نفى بشدة، أمام اللجنة، علمه بالأمر: »لم أسمع يوما بأية تجارة منظمة للاعبين« لكنه رغم ذلك، نأى بالمسؤولية عن الاتحاد بالقول: »إذا كان ثمة وثائق مزورة، فنحن لا نستطيع فعل أي شيء حيال ذلك«. وأنحى كورتوا باللائمة على الوكلاء الكرويين، داعيا الاتحاد الدولي للعبة »الفيفا« الى تعديل الأنظمة التي ترعى نشاطهم: »ثمة 30 وكيلا في بلجيكا ونحن في حاجة الى توضيح الأمر. فثمة 30 ألف عملية انتقال لاعبين، في أوروبا سنويا، غير أن أسماء الوكلاء المشاركين في تحقيقها تظل مبهمة، إذ إن الأمر ليس في مصلحة الأندية«. نائب المدعي العام المكلف التحقيق في القضية، اريك فان در سايبت قال: »أنا مقتنع بأن كافة المستندات التي تورط أصحابها، قد تم تدميرها وان فتح تحقيق حاليا لن يؤدي الى شيء«. واللافت ان التحقيق كشف ان عددا من مسؤولي الاندية، وقع عقودا تجعل من لاعبين قاصرين ملكا شخصيا لهم! بل ان لاعبا توغوليا في السابعة عشرة من العمر، اختفت آثاره بشكل كامل، بعد توقيعه عقدا مع وكيل كروي سويسري... والغريب هنا ان الاتحاد البلجيكي اتخذ موقفا في غاية السلبية، محجما عن معاقبة الاندية المتورطة، بحجة انه لا يملك السلطة التنفيذية للقيام بذلك! يكشف نائب رئيس تحرير مجلة Afzican Soccer Magazine الصادرة في لندن، ايمانويل هوسو، ان انتقال اللاعبين القاصرين الافارقة الى اوروبا، اكتسى طابعا مخيفا، أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي، بعد النتائج الممتازة التي حققتها المنتخبات الافريقية (غانا، نيجيريا، الكاميرون) في مسابقات الناشئين. ويشير المدرب الالماني بوركهارد تزيزيه، وهو ذو خبرة عقدين في الكرتين الافريقية والآسيوية، الى »اللاعبين الافارقة القاصرين، المكدّسين في محطة القطارات المركزية في بروكسيل، باحثين عن أندية يلعبون في صفوفها«. وهو يتهم عددا من مسؤولي الاتحادات الكروية الافريقية بالجشع، »ولدي معرفة شخصية بالبعض منهم«. ممّن أوقع اللعبين في تجارب مآلها الفشل. البروفيسور بيار لانفرانشي، وهو خبير في الانتشار العالمي لكرة القدم ومستشار للاتحاد الدولي للعبة »الفيفا«، أشار الى »انعدام وجود الأسس لقيام كرة قدم احترافية في أفريقيا«، والى »عجز الاتحادات المحلية حتى عن وضع خطة لتطوير اللعبة على المدى المتوسط«. بعض الاندية الاوروبية كأياكس وفيينورد وباريس سان جرمان وموناكو استغل هذا الوضع لافتتاح اكاديميات كروية في القارة الاوروبية، لاعداد لاعبين يعودون عليهم لاحقا بالألقاب الرياضية وبمبالغ طائلة في حال انتقالهم الى أندية اخرى. رئيس الاتحاد الافريقي لكرة القدم، عيسى حياتو، ينأى بالمسؤولية عن الاتحادات، ويشير بإصبع الاتهام الى وكلاء اللاعبين. غير ان أحدهم ويُدعى دومينيكو ريتشي، وهو إيطالي متزوج من زائيرية، ويرأس مؤسسة قد تكون الاكبر في مجال انتقال اللاعبين الافارقة، يسخر من اتهامات حياتو متهما الاتحاد الافريقي بالاثراء غير المشروع، وبالتقصير في مسألة »القانون العنصري« الذي أصدرته »الفيفا« والذي يُحدّد كفالة مقدارها 125 ألف دولار لمنح الوكيل إجازة دولية لممارسة عمله، وهو ما لا يقوى عليه اولئك الافارقة، بحيث ان ثمة ممثل وحيد، مصري، للقارة في لائحة الوكلاء المجازين من »الفيفا«، وعددهم حوالى 534، في مقابل الآلاف من اللاعبين الافارقة الذين يلعبون في أوروبا! وكان قاضي التحقيق البلجيكي قد استجوب الوكيل الكروي لويس دو فريس، حول قضية لاعبين اثيوبيين تُركا لحالهما في بلجيكا حيث ترعاهما حاليا جمعية مناهضة للعنصرية، فدفع ببراءته، لكنه أكّد ان ثمة »تجارة حقيقية للاعبين، والكل يعلم بالوكلاء الذين يقومون بذلك«. في تشرين الثاني 1999، أعلنت الحكومة الإيطالية أن خمسة آلاف قاصر من أفريقيا وأميركا الجنوبية وأوروبا الشرقية، بعضهم لا يتجاوز الرابعة عشرة من العمر، يقيمون بطريقة غير شرعية في البلاد، بعد دخولهم بسمات سفر سياحية. وبإمكان هؤلاء، إذا نجحوا في إثبات أنفسهم في الملاعب، حيازة جنسية أوروبية في خلال خمس سنوات. تشكل الأندية البلجيكية عادة محطة انطلاق للاعبين الناشئين، والأفارقة منهم خصوصاً، قبل انتقالهم الى إيطاليا واسبانيا أو انكلترا مثلا، وذلك لتواضع مستوى أنديتها، والأهم بسبب عدم فرض قيود تحدّد عدد اللاعبين غير الأوروبيين المقيّدين في لوائحها الرسمية، بحيث أن بإمكان أي منها، أن يلعب بتشكيلة كاملة من اللاعبين غير الأوروبيين. وكان البرلمان البلجيكي قد سنّ، في العام 1998، قانونا يُشدد على ضرورة ان يحصل اللاعب غير الاوروبي على راتب يوازي ضعف الحد الادنى للاجور، وان يتكفل الوكلاء والاندية على حد سواء بالاهتمام باللاعبين، بينها تأمين الضمان الصحي لهم، والاقامة، وحتى تكاليف العودة المحتملة الى بلادهم، وذلك لمدة ثلاث سنوات بعد توقيع العقد على الأقل. غير ان عددا من جمعيات حقوق الانسان أعربت عن تحفظها عن القانون، فأكدت بيتي كلارك من »اتحاد الرياضة والحرية« ان »هذه التعديلات تفترض ان الاندية تسلك القنوات القانونية، وهو ما لا يحصل عادة«. ويدعو الناطق باسم نادي أندرليكت البلجيكي، جان بيار كيندرمانز، المجموعة الأوروبية الى التحرك سريعا »فبريطانيا وهولندا لديهما أنظمة فعالة، فيما بلجيكا عاجزة عن مواجهة الأمر، إذ إن تدني الحد الأدنى لأجر لاعبي كرة القدم في الدرجة الأولى يسهل استقدام اللاعبين الأجانب«. ويبدو أن اتساع حجم المأساة، والضغط الذي باتت تمارسه وسائل الإعلام والرأي العام في أوروبا لمواجهة الأمر بحزم وبمسؤولية، دفعا السلطات المعنية الى التحرك جديا لمحاولة تطويق هذه الظاهرة المعيبة. فقد ذكرت »هيئة الإذاعة البريطانية« BBC، أن الحكومة الفرنسية تعد مشروع قانون يمنع أندية كرة القدم من دفع أية مستحقات الى اللاعبين دون الثمانية عشر عاما، وذلك بهدف كبح جماح تجارة اللاعبين القاصرين في القارة العجوز. رئيس الاتحاد الدولي، سيب بلاتر، تشدد على القانون الجديد الذي يمنع انتقال الاعبين دون السادسة عشرة من العمر، واكد على »ضرورة إبقاء اللاعبين حيث هم حتى سن متقدمة، مما يشكل الخطوة الاولى لاجتذاب الاستثمارات الى كرة القدم الافريقية«. من جهته، شدد بيليه في حديث الى صحيفة »زود دويتشه تزايتونغ« الالمانية على دور أولياء أمور اللاعبين في تسهيل مهمة الوكلاء... غير ان الامر يكتسي بعدا سياسيا محليا مع احتمال تورّط عدد من المسؤولين، في تجارة الرقيق هذه. ففي بلجيكا، اتهم السيناتور جان ماري ديديكير بعض الوزراء بالتورط في الفضيحة: »بحوزتي وثائق تثبت تورطهم في تجارة اللاعبين... السياسيون متورطون في كرة القدم، فبعضهم يترأس أندية، والبعض الآخر عضو في مجلس الإدارة، لذا فإن أحداً لا يقوم بأي شيء لكبح الأمر«، ويضيف: »بحوزتي وثائق تثبت تلاعبهم بجوازات السفر، وبالاتجار باللاعبين القاصرين، وبإحجام شرطة الهجرة عن القيام بمهامها في وقف ما يحدث«. قد يكون ديديكير يلمح الى مسألة اللاعب البرازيلي الأصل، البلجيكي الجنسية، لويس أوليفيرا، لاعب بولونيا الإيطالي حاليا، والذي ذكر تقرير برازيلي أنه قدم الى بلجيكا بجواز سفر مزور وانه أكبر بأربع سنوات من عمره المدون في جواز السفر. في موازاة تجارة الرقيق المربحة هذه في بلجيكا، ثمة في انكلترا على سبيل المثال لا الحصر، تجارة موازية ومكملة، أبطالها لاعبون قاصرون بريطانيون تغريهم الأندية، عبر الوكلاء الكرويين، بعشرات الآلاف من الجنيهات، للانضمام الى صفوفها. ويكشف لاعب وست هام يونايتد الدولي، جو كول (19 عاما) أن عددا من الأندية عرض عليه الانضمام الى صفوفها مقابل مبالغ كبيرة، وهو لما يزل في الثالثة عشرة من العمر. مدرب الفريق، هاري ريدكناب، يقول صراحة إنه »حين كان جو في الرابعة عشرة من العمر، إذا قدم والده وقال إنه يريد ثلاثين ألف جنيها (حوالى خمسين ألف دولار) ليوقع ابنه على كشوف النادي، كنت أعطيته المبلغ«. كول نفسه يعكس ما يشير إليه المدرب بالقول: »لو تقدم مني والداي وقالا لي: »نحن في أمس الحاجة الى المال، وقّع مع هذا النادي«، لفعلت بالطبع«. »إن أرض المعركة المقبلة، في كرة القدم تتمحور حول ضم الأطفال (الى الأندية)«، يقول الوكيل جون سميث، الذي لن يجد بالطبع صعوبة في إقناع والد أحد اللاعبين الذي لم يتردد في القول: »المسألة كلها مرتبطة بالمال. والأطفال ليسوا سوى سلع تجارية«! الاتحاد الانكليزي للعبة تنبّه الى الأمر، فوضع نظاما جديدا يحدد مسافة تسعين دقيقة قيادة بالسيارة، مجالا وحيدا لضم اللاعبين القاصرين الى الأندية. قد يتفهم المرء سعي العائلات المتواضعة الى تحسين وضعها الاجتماعي، وحلم فقراء أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية بالثروة وبالشهرة في أوروبا، على غرار ما حققه نجوم كوياه، وميلا، وكانو، وكوفور وايتو إلخ... غير أن ما يعصى على الإدراك، هو الدور القذر الذي يمارسه وكلاء اللاعبين، بالتواطؤ مع زملاء لهم في القارات الأخرى، تحت حماية بعض المسؤولين السياسيين، في سلوك يفتقد الى الحد الأدنى من المسؤولية ومن الحس الإنساني. ويشدد أخيرا البروفيسور بلانبان على ان »استقدام لاعبين قاصرين مُعدمين من افريقيا الى أوروبا، وتركهم يسقطون في أيدي أناس لا يَبغون سوى جمع المال على حسابهم، ومن ثم إهمالهم بعد أشهر قليلة، هو فضيحة عصرية مروّعة«. إنه شيطان المال!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة