As Safir Logo
المصدر:

»الرهان« ليوليوس هاي عرض مسرحي لنائلة الأطرش في دمشق قراءة باهتة لنص كوميدي حار

المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2002-01-09 رقم العدد:9096

على الرغم من ان الكاتب المسرحي الهنغاري يوليوس هاي (19751900) كان محاربا شرسا في بلاده ضد ثقافة الحزب الواحد، واللون الواحد، إلا أنه عرف كيف يتوارى في مسرحيته »الحصان« وراء نص مسرحي مدهش. فالنص الذي يجسد حربه تلك باتجاه الانفتاح والحرية، وان لا يكون الناس عبيداً وببغاوات، ينفتح ايضا على احتمالات اللعب المسرحي، من دون ان يتورط بالايديولوجيا والمقولات الكبرى. وبتقديمها هذا النص على خشبة »تجمع سامه الفني«، تنفض المخرجة نائلة الأطرش الغبار عن نص متروك ومهمل، لم يلتفت إليه احد، رغم انه بين ايدينا منذ عام 1980، حين قدمته وزارة الثقافة السورية من ترجمة علي وأحمد كنعان. وهو امر يسجل للاطرش، خصوصا انه يجيء بعد حشد من النصوص الرديئة التي تسوغ نفسها تحت شعار المسرح المحلي. لقد ارهقونا بدعواتهم للتخلي عن النص العالمي، فراح كل من هب ودب يصوغ نصه الخاص في مواجهة نصوص شكسبير وموليير وتشيخوف البالية! لكن المخرجة الاطرش تكتفي بفضيلتها تلك، فقد صدمتنا بقراءة باهتة لنص كوميدي حار، نص يفعمك بالمتعة وهو بعد على الورق، فلماذا تراه يحبو مملا وباردا الى الخشبة؟! الحصان قنصلاً يعود يوليوس هاي في »الحصان« الى روما في القرن الاول الميلادي، ليستطلع ما كانت عليه الحياة في ظل حكم طاغية مثل كاليغولا الشخصية التي كانت ملهما للعديد من الاعمال الادبية والفنية، كان اشهرها مسرحية »كاليغولا« لالبير كامو حين يعين هذا الامبراطور حصانا كقنصل لروما، وما إن ينطق كاليغولا باسم الحصان انستاتوس حتى يهتف الجميع بحياته، يملأون المدينة بتماثيله، يصير صوتهم، فرحهم وبكاؤهم صهيلا، يتحركون مشيا ورقصا بايقاع الخيل، والصبايا يجعلن شعورهن كذيل الحصان، كما تصبح زينة الحصان زينتهن المفضلة. ذلك التزلف للحصان يغيظ كاليغولا نفسه، فتنصحه خليلته (زوجة رئيس الحرس) بتزويج انستاتوس من امرأة حيث يقع الخيار على اجمل فتيات المدينة، والوحيدة التي كانت ترفض ان تتزيا بزي الحصان. وحين يتسلل كاليغولا إليها ليلا متقمّصا شكل أنستاتوس يصادفه أهل المدينة، يحاولون اجباره على مضاجعة أتان، يرفض، فيضرب، ثم يهرب، واثناء مطاردة أهل روما له يقول: ليس هذا ذنبي، فكما انتم يُولّى عليكم. هذه هي الحكاية كما ترد في العرض. اما ما حذفته المخرجة فهو ان الناس اثناء مطاردة انستاتوس المزيّف (كاليغولا) يقتلون أنستاتوس الحقيقي، ولا نلبث ان نراه في بلاط الامبراطور مفروما كنقانق، ليتحول الإله الذي عبدته المدينة الى شيء يؤكل، بما يذكر بأصنام التمر التي كانت تؤكل بعد عبادتها في جاهلية العرب. ولكن المخرجة أرادت هنا ان تختم عرضها ب»كما انتم يولّى عليكم«، وكان يمكن للعبارة ان تمر بشكل عابر وتحتفظ بالمعنى ذاته، ولا ضرورة لان تستلها المخرجة من النص وتضعها ضمن اطار (برواز)، ليبدو الامر اشبه بموعظة، كأنما تقول هاكم مقولة العمل! أهمية المشهد المحذوف في انه يكمل حلقة بدأت في المشهد الاول، حيث نتعرف على اهمية الحصان بالنسبة لكاليغولا عبر رهان يخسر فيه هذا الاخير ما يملكه مقابل الحصان، وتنتهي المسرحية ايضا برهان يفوز فيه صاحب الحصان بحياته وبحبيبته (أرملة الحصان) ليمضيا معا الى الريف حالمين بمزرعة لتوليد الاحصنة (هل يعني ذلك ان القرون المقبلة ستحتاج مزيدا من الاحصنة ليعبدها الناس؟). لقد كان غريبا ايضا ان يقلب عنوان العمل من »الحصان« الى »الرهان«، مع وجود مكعب ضخم في وسط المسرح على هيئة نرد! في حين كان الرهان مجرد ذريعة وليس هو موضوع العرض. ثقافة الخوف لعل »الحصان« واحد من النصوص المسرحية القليلة التي تحمل معها شكل العرض، وهو حافل بكل إمكانيات اللعب المسرحي، فعلى صعيد أداء الممثلين هنالك مستويات عديدة، بدءاً من كاليغولا الذي لا يجد حتى من يستحق ان يتمرغ أمامه إلا هو، فيتحوّل هو نفسه الى عابد ومعبود. وهو الامبراطور الإله الذي تحرّكه امرأة بإشارة او صافرة. ولقد استطاع الممثل هنا (قصي خولي) ان يقارب هذه المستويات بما يشكل صورة كاريكاتيرية للإمبراطور. وثمة ايضا الناس الذين راحوا يلعبون دور أحصنة، بتواطؤ مصدره الرعب وثقافة الخوف التي تحرمهم من قول: إنك عار ايها الملك. وثمة في النهاية العرض الذي يحتمل ان يكون كرنفالا او حفلا تنكريا، ولهذا نستغرب ذلك العتم الذي لفّ عرضا يحتاج كثيرا الى الضوء والكشف، ولطالما كنت اتخيل ان حفلا تنكريا سيجري، هو مزيج من الضوء واللعب والاقنعة، ما يحتمل ايضا اشراك المتفرجين واختبار قابليتهم للتنكر. وفي غياب الكرنفال، كما غياب تشكيل حركي مدروس، ورغم عدد الممثلين الكبير (ثمانية عشر ممثلا)، بدت الخشبة مساحة معتمة وفارغة، خصوصا ان الإخراج اعتمد الاسلوب الشرطي، لناحية الديكور، حين ينفتح المكعب/ النرد الى لوحات متمفصلة ترسم شارعا، بيتا، قصرا او غابة. ثم لناحية الملابس، حيث ارتدى الممثلون ملابس سوداء معاصرة تتوضع فوقها ملابس الزمن الروماني كإشارات بسيطة وموحية. كوميديا محزنة اما الكوميديا في »الرهان« فقد كانت محزنة للغاية، الى حد تصورنا فيه ان الإخراج توسل نوعاً مسرحياً آخر، لكن دليل العرض كان يصرّ على انها كوميديا! ولعلها المواجهة الاولى للمخرجة نائلة الاطرش مع الكوميديا، بعد »الزير سالم«، و»ايزابيل... ثلاثة مراكب ومشعوذ« و»منمنمات تاريخية«. ولقد اعتمدت هنا على ممثلين قليلي الحيلة، فيما بعض الموهوبين منهم راح يستجدي ضحكاً خارج السياق، كاندريه سكاف الذي حمل امراض الكوميديا التلفزيونية، فتارة يخبط رأسه بعمود، وأخرى يتعثر بممثل او جدار، ومرة يطلق مفردة عامية عسى يخرجنا من تجهّم الفصحى، وباسل خياط الذي بالغ في التلعثم والسذاجة التي افترضها في شخصية الريفي سيلانوس صاحب الحصان. قد تشكل »الرهان«، صعوبة جديدة امام »تجمع سامه الفني« الذي يرعى تجارب مسرحية جادة، بعيداً عن مشكلات المسرح القومي ومعوقاته التي كانت دائما مادة للشكوى وذرائع للفشل. فما بال أهل المسرح؟ كلام كثير عن المسرح والانتماءات الأسمى... ثم لا مسرح؟! فقط لنتذكر ان تجارب مغامرة ك»سامه« لا تحتمل التجريب والبحث، كما لا تحتمل الفشل، وإلا نكون قد فوّتنا على أنفسنا فرصة ثمينة لخلق مسرح جديد. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة