As Safir Logo
المصدر:

»جبل الروح« رواية غاو كسينغيان حائز نوبل 2000 الشيطان ينغّم باللغة في أعلى مرتفعات التيبيت

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2002-01-08 رقم العدد:9095

الكتاب: جبل الروح (رواية) المؤلف: غاو كسينغيان (نوبل 2000) ترجمة: غسان السيد ووائل بركات الناشر: نينوى (دمشق)، 2001 أثارت الطبيعة في الصين دائماً احتراماً سحرياً وحتى دينيا، كما كان الجبل ذلك الفناء المقدس بالنسبة إلى التاويّين ملجأ مثالياً ورمزاً لكل من يريد ويرغب في الانسحاب من »عالم الغبار«، إذ يشكل (الجبل) حصناً للدفاع عن حقوق الكائن الفرد ضد سلطة الدولة ومجتمعها. كذلك، كانت »ملاحظات السفر« (التي يطلق عليها اسم »اليوجي« ومنذ عصر »السونغ« (من القرن العاشر وحتى القرن الثالث عشر) نوعاً أدبياً، ثقافياً، تراثياً مزدهراً. المدهش في هذا الأمر أن نعود ونكتشف هذه الموضوعات اليوم في قلب رواية الكاتب الصيني المعاصر غاو كسينغيان، الذي عرف عنه وقبل حيازته جائزة نوبل العام 2000 بأنه كان كاتباً معاصراً وحداثوياً وأحد رواد مسرح العبث في الصين، كما أن بحثه الموسوم حول تقنيات الرواية الحديثة (1983) قد أثار يومها جدلاً أدبياً كبيراً، وجعل من كاتبه أحد الأهداف المفضلة للحملة التي أثيرت ضد »التلوث الروحي«، والتي قامت بها العبقرية الشيوعية الصينية الحديثة. رحلة الحب والشغف في واقع الأمر تأتي رواية »جبل الروح« لتكون عبارة عن رواية طويلة حول تلك الرحلة التي لا نهاية لها والتي تقوم بها عبر الصين الجنوبية شخصية ما، هرباً من قلق الحياة في العاصمة وبحثاً عن جبل »سحري«، غامض (سيراً على الأقدام أو في حافلة أو على دراجة هوائية). هذه الشخصية، يشار إليها بالتناوب عبر ضميري »أنا« و»هو«، كأننا أمام شخصيتين مستقلتين، تروي الأولى بطواعية القصص، بينما تقوم الثانية بتحليلها. من هنا ينتهي الأمر بوجهتي النظر هاتين بأن تلتقيا، لتشكلا في النهاية مثلما هو مقترح الشخص نفسه. وبين هاتين الحالتين نجد أمامنا بعض الشخصيات النسائية التي أبدعها الكاتب عبر لقاءاته بها إذ وعلى قوله »لأن أنا مثل هو، لا يستطيع أن يتحمل الوحدة«. وهذا أمر آخر يؤلف قطباً إضافياً من أقطاب غنى النص. في هذه الرحلة يقودنا الكاتب إلى أعلى مرتفعات »التيبيت« عند حوض »سيشوان« كما إلى أعلى مرتفعات مناطق »الأنوي« حيث بلاد سلالات »الكيانغ« و»المياو« و»التونغ« و»التوجيا«، حيث غابات الزيزفون والقيقب أو أيضاً تلك النباتات المعمرة منذ ملايين السنوات، لتشكل تلك الطبيعة الهادئة التي تبعث على الراحة وحيث نسمع دمدمة ضوء القمر وهو ينزلق عبر أغصان الشجر مثل أعشاب مائية تتأرجح مع انسياب المياه. بيد أن الطبيعة هذه لا تشكل المشهد بأسره، إذ ثمة في الأنحاء تلك الأدغال المخيفة والباردة حيث الأفعى »جي« التي تدعى أيضاً »تنين الخمس خطوات« لأن سُمّها يحمل الموت بسرعة كبيرة قبل أن يتسنى لنا حتى ان نسير لخمس خطوات. إننا أمام رحلة تقودنا في رحلة كبيرة إلى أعماق الصين (التي لا نعرفها حقاً). رحلة بحث مليء بالحب والهيام والشغف والروحانيات إلى قلب الحضارة الصينية، بحثاً عن الحقيقة والحكمة والطهرانية والعودة إلى الطفولة أي إلى الجذور الحقيقية. إزاء ذلك، لا بد ان نسأل، هل نحن حقاً أمام رواية أم امام بحث (»سانوين« كما يقال في الصينية)؟ تتشابك أمامنا القصص والخبريات طوال فصول الكتاب كما أن العملية المتخيلة حاضرة دائماً. لكن وفرة المراجع التاريخية العلمية وجودة التحليلات الانتربولوجية والاتنوغرافية كما التأملات الطويلة حول أصول الإنسان والحضارة، غالباً ما تحيل الرواية إلى نوع من بحث. أكثر من ذلك، يحذرنا الكاتب نفسه حين يطلق هذا الرأي بقوله إن جمع قصص الرحلات بهذا الشكل كما قطف شذرات الأخبار والملاحظات واختراع الحكايات التي لا تشبه الحكايات وإعادة نقل الأغاني والأهازيج الشعبية لنضيف عليها بعض قصص الأشباح التي قيلت هنا وهناك والتي لا علاقة لها بالأساطير وجمع كل ذلك معاً فان الأمر لا يشكل في النهاية أي رواية. البحث والمتخيل وبالرغم من ذلك فإن الكاتب رغب في كتابة رواية حيث البحث جزء لا يتجزأ من المتخيل، إذ أنه يضيئها ويدافع عنها. يشرح الكاتب فكرته هذه في نهاية الكتاب حيث يقول إن الفرق بين الرواية والفلسفة يتأتى من حيث كون الرواية إنتاجا للحساسية، إذ إنها تلقي، في مزيج من الرغبات، مفاتيح الشارات التي بنيت اعتباطياً وحيث تظهر الحياة في اللحظة التي يذوب فيها النسق ويتحول إلى خلايا. عند ذلك نرى الحمل والولادة، وهو أمر أهم أكثر من ألعاب الروح، لكن وكما الحياة فإنه لا يستجيب إلى أي قصدية أو غاية. ويضيف بأن الرواية ليست فن الرسم بل هي فن اللغة. عمل غاو، من وجهة النظر هذه، عمل مهم ولا نستطيع تجاهله. إنه بحث عن مواد كتابة يفتش عنها ملياً في ثنايا ذاكرته، مثلما يبحث عبرها عن ثقب أسرار الطفولة حيث يشعر أن كل شيء قد لعب بشكل نهائي. من هنا يعير كثير الاهتمام إلى التساوق اللغوي وإلى موسيقى الكلمات حيث يعاقب بسعادة الايقاعات الجافة للمعطى الصيني، الذي يكون عادة معطى قصيراً، بالإضافة إلى عبارات شاذة غريبة طويلة حيث تغرق فيها الجملة، (وهذا لا يبدو واضحاً جداً في الترجمة العربية التي تفقد كثيراً من هذه الأسلوبية الخاصة بغاو ولكنها تنجح في الوقت عينه في المحافظة على بعض مناخات الكتاب عبر جهد المترجمين غسان السيد ووائل بركات. استطيع إدعاء ذلك إذ اطلعت على الترجمة الفرنسية للكتاب حيث يتبين الجهد الخارق الذي قام به المترجم الفرنسي. لكن ومن دون أدنى شك إن الترجمة الصادرة عن دار نينوى في دمشق أفضل من تلك التي صدرت عن روايات الهلال في مصر). لقد شرح غاو عمله هذا بالقول بأن اللغة مثل كرة عجين تمر الجمل من خلالها، وما إن نهملها حتى نبدو كأننا نتسرب إلى داخل مستنقع نجد بعدها صعوبة كبيرة في الخروج منها. لذلك لا يتردد أبداً من ان يوقع نفسه في هذا الشرك ليعود ويخلص نفسه بمهارة. وهذه المحاولات في التغييب الكامل لعلامات الترقيم حيث تقطع الجمل هي محاولات ناجحة بشكل كامل، (وهذا ما لا تفعله الترجمة العربية إذ تجد نفسها مضطرة إلى تقطيع الجملة بعلامات الترقيم لمزيد من الوضوح، إذ لا حل آخر أمامها). تناغم الشيطان ما كان يرغب فيه غاو، كتابة لغة، تستوحي »تناغم الشيطان« أي ان يخلص اللغة الصينية الحديثة من كل الاختناق الذي وقعت فيه من جراء قوة الإيديولوجيا، على الرغم من اعتماده على هذه الحكايات الفانتازية والتعابير الشعبية العائدة لحقبات التاريخ الصيني القديم حيث الحضارة التي عملت السلطة على نفيها من أجل »التقدم والحرية والاشتراكية«. أي ان مشروع غاو يتمثل في إعادة إحياء هذه الصين الأبدية، القاسية، الرائعة أحياناً، الممزقة ما بين التدمير والانبعاث الدائم. إننا أمام رواية من دون شك، أمام رواية مليئة بالمناخ الصيني المستعاد، حيث تتقاطع السيرة الذاتية والسرد التشردي أو الساخر، كذلك الاستبطان والانعكاس لنقد الواقع. إننا أمام رواية كبيرة (أو قصيدة وجدانية) حول هذه الحياة التي تشكل جزءا متكاملاً من دائرة الطبيعة. من هنا على الأدب الصيني لسنوات التسعينيات المصاب بالنخر والتسوس الإيديولوجيين ان يعتمد فعلاً على قوة وجرأة غاو كسينغيان الإبداعية. »جبل الروح« هي أكبر الروايات الآسيوية التي صدرت في نهاية القرن العشرين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة