تعيش إسرائيل حالة ابتهاج شديد بضبط السفينة »كارين أ«. وقد حولت حكومة شارون تعميم هذه البهجة في وسائل الاعلام للايحاء بأن زمن الانتكاسات قد ولّى، وان أرييل شارون أعطى الجيش الإسرائيلي من جديد »الفرصة لتحقيق النصر«. ويحاول الكثيرون مقارنة ما يجري اليوم في إسرائيل بعملية عنتيبة. وقد استغلت قيادة الجيش الإسرائيلي هذه المشاعر للايحاء بأن انجاز ضبط السفينة لا يعادله سوى نجاة إسرائيل من تهديد استراتيجي حقيقي كبير. والواقع ان هذه المشاعر حجبت تقديرات البعض المخالفة لذلك، ووضعت الجميع تقريبا في سلة أرييل شارون. وهكذا ضاعت الأصوات التي رأت في تهريب السلاح للفلسطينيين أمرا طبيعيا لمقاومة الطائرات والدبابات الإسرائيلية. وكذلك ضاعت الأصوات التي حاولت ان تظهر ان القضية بأسرها، في ميزان القوى الإسرائيلي الفلسطيني، ليست بالأمر الهام، وانه سرعان ما سوف يعود الجميع الى معطيات الصراع الأساسية التي تُعتبر فيها السفينة »كارين أ«، بصرف النظر عن كل معطياتها، مجرد حلقة صغيرة، وصغيرة جدا، في سلة الصراع. وفي كل حال، لا بد من الإشارة الى ان أرييل شارون جنّد كبار خبرائه الاعلاميين للاستفادة الى أبعد حد من عملية ضبط السفينة، ليس على الصعيد السياسي العام وحسب، وإنما على الصعيد الحزبي الداخلي أيضا. كذلك عمد الجيش الإسرائيلي الى تظهير وإبراز دور »الشييطت 13« لاخراجها من صدمة عملية أنصارية في الجنوب اللبناني. ولهذا كان التركيز الواسع على حقيقة ان »حيلة« وخبرة »الشييطت« هما اللتان حققتا السيطرة على السفينة من دون اطلاق رصاصة واحدة، ومن دون اصابة أحد بجراح. بداية القصة شرع الجيش الإسرائيلي بملاحقة السفينة قبل بضعة شهور عندما علمت استخبارات سلاح البحرية، حسب صحيفة »هآرتس«، بقيام السلطة الفلسطينية بشراء السفينة. وأضافت »هارتس« ان صفقة شراء السفينة بلغت حوالى 400 ألف دولار، وانها تمت سرا، بتمويل جزئي من جانب السلطة الفلسطينية. وذكرت صحيفة »معاريف« ان الصفقة لشراء السفينة تمت عبر عدد من الشركات الوهمية. غير ان إسرائيل، وبسرعة، علمت ان للجهات الفلسطينية التي وقفت وراء محاولة تهريب سفينة »سنتوريني« قبل سبعة شهور، ضلعا في ذلك. وتفيد المعلومات الإسرائيلية ان السفينة تم شراؤها من لبنان على يد عادل المغربي، وأنها أبحرت من هناك الى السودان، حيث استُخدمت في شحن بضائع عادية، ثم جرى استبدال طاقمها. وبعد ذلك أبحرت السفينة الى ميناء الحديدة في اليمن. وأشارت مصادر التحقيق الإسرائيلية الى ان شراء السفينة تم بتعليمات من فؤاد الشوبكي؛ الرجل الذي وصفته المصادر الإسرائيلية بأنه المسؤول عن المشتريات العسكرية الفلسطينية. وقالت انه من أقرب الناس الى رئيس السلطة الفلسطينية، ياسر عرفات، وان مكتبه في رام الله، وانه يتلقى الأوامر فقط من عرفات. وتدّعي السلطات الإسرائيلية ان عادل المغربي، ومنذ تشرين الأول عام 2000، أي منذ نشوب الانتفاضة، يدير شبكة لشراء الأسلحة للسلطة الفلسطينية، وانه من أجل هذا الغرض أقام علاقات مع كل من ايران وحزب الله. وقد عمل المغربي بالتعاون مع قائد الشرطة البحرية الفلسطينية، العميد جمعة غالي على القيام بعمليات تهريب كبيرة لمصلحة السلطة الفلسطينية. واشتملت هذه العمليات على فحص امكانية شراء سفن، وإنشاء طواقم بحرية، والتنسيق لاقامة شبكة تغليف وشحن الأسلحة وجلبها للسلطة. ومن أجل هذا الغرض تم تعيين العقيد عمر عكاوي، وهو ضابط بحرية، قبطانا لهذه السفينة. ولتأكيد صلة عكاوي بالسلطة الفلسطينية أعلنت مصلحة الموانئ الإسرائيلية انه سبق لعكاوي ان قاد سفينة فلسطينية لإصلاحها في احد المرافئ الإسرائيلية. خط سير السفينة كما سلف، بعد شراء السفينة وعملها في السودان، أبحرت في تشرين الثاني الماضي الى اليمن بعد استبدال طاقمها. وضم الطاقم تسعة أردنيين ومصريين ومعهم أربعة من ضباط الشرطة البحرية الفلسطينية. وحسب التحقيقات الإسرائيلية، تلقّى الطاقم الجديد من عادل المغربي تعليمات مفصلة تقضي بالتوجه إلى منطقة بحرية قريبة من جزيرة »كيش« الإيرانية. وهناك كانت في انتظارهم سفن شحن صغيرة. وتم في هذا اللقاء البحري نقل 83 صندوقاً خشبياً تحوي أسلحة. وتزعم التحقيقات الإسرائيلية ان من قاموا بعملية الشحن »كانوا يتحدثون اللغة الفارسية«، وأنهم، حسب صحيفة »معاريف«، كانوا من رجال الحرس الثوري الايراني. وتحدثت الصحف الإسرائيلية عن انه أثناء عملية الشحن تحطمت إحدى الحاويات فظهرت الأسلحة، الأمر الذي دفع أفراد الطاقم إلى الذعر والمطالبة بالنزول من السفينة. وقد هددهم الضباط الفلسطينيون، حسب صحيفة »معاريف« وقالوا لهم: »فقط تنزلون من هنا بطلقة في الرأس«. واشارت »معاريف« أيضاً إلى انه كان بين الرجال الذين وصلوا مع السفن الصغيرة أحد نشطاء حزب الله الذي قام بتوجيه أحد أفراد الطاقم إلى كيفية استخدام الحاويات العائمة. وتحدثت التحقيقات الإسرائيلية عن ان قبطان السفينة وأفراد الطاقم اعترفوا بأن عملية التهريب جرى التخطيط لإتمامها عن طريق إلقاء العتاد الموجود على السفينة على مقربة من شواطئ العريش. وبعد ذلك تقوم ثلاث سفن صغيرة بجمع هذه المواد وجرها خلف قوارب الصيد إلى غزة. وأفادت المعلومات الإسرائيلية ان الأسلحة والعتاد وُضعت في حاويات صُممت خصيصاً بحيث تتمكن من العوم تحت سطح الماء. وقالت إن هذه الحاويات لا تصنع إلا في إيران، وأوضحت صحيفة »هآرتس« ان لهذه الحاويات آلية سيطرة تتيح إمكانية التحكم بارتفاع طفو الحاوية داخل الماء. وبعد وضع الأسلحة على السفينة قرب جزيرة »كيش« أبحرت السفينة عائدة إلى ميناء الحديدة. وقد اضطرت لذلك بسبب اعطال فنية أصابتها. وكان من المقرر ان تعبر السفينة قناة السويس وكأنها في رحلة تجارية إلى بلغاريا. وفي كل حال أفادت صحيفة »يديعوت أحرونوت« انه من غير المستبعد ان تكون السفينة قد حُملت أيضاً بأسلحة أخرى من ميناء الحديدة. وذكرت صحيفة »يديعوت أحرونوت« في موقعها على شبكة الانترنت ان هناك تقديرات تفيد بأن جزءا من الشحنة كان مخصصاً لحزب الله في لبنان، وان السفينة كانت ستقوم بتوزيع المواد على عدة أقسام: قسم مقابل العريش في سيناء، وقسم مقابل شاطئ غزة، وباقي الشحنة إما مقابل السواحل اللبنانية أو لتفريغها في أحد الموانئ. وعزت سبب ذلك إلى الصعوبات التي تواجه نقل الأسلحة بشكل جوي إلى حزب الله. الدور الأميركي منذ يوم الجمعة كان من الواضح ان عملية ضبط السفينة »كارين أ« تمت بعد عملية استخبارية واسعة شاركت فيها الولايات المتحدة. ومعروف ان الأساطيل الأميركية، خاصة في ظل الحرب القائمة في أفغانستان وبسبب التأهب الأميركي لمواصلة ما يسمى »مكافحة الارهاب«، تبدي يقظة عالية تجاه كل ما يجري في الخليج وبحر العرب. وقد اشارت مصادر إسرائيلية إلى التعاون الاستخباري بين إسرائيل والأساطيل الأميركية في تلك المنطقة. وتملك الولايات المتحدة في هذه المنطقة على الأقل قاعدتين بحريتين، إضافة إلى كثافة الوجود البحري. ومعروف ان دولاً عربية وأخرى في القرن الأفريقي تقدم تسهيلات للأساطيل الأميركية. كما ان لإسرائيل قاعدة بحرية واستخبارية في جزيرة »دلاكة« الأريترية. وقد أشار موقع إسرائيلي على شبكة الإنترنت إلى ان الأقمار الصناعية الأميركية كانت أول من اكتشف سفينة السلاح، وان الأقمار الصناعية وسفن وطائرات التجسس الأميركية لاحقت السفينة منذ البداية. وأشار هذا الموقع أيضاً إلى مشاركة غواصة إسرائيلية في العملية. من جهتها، ذكرت صحيفة »معاريف« ان العملية الإسرائيلية جرت بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة. ونسبت الصحيفة هذه المعلومة إلى مصدر سياسي إسرائيلي رفيع المستوى. وأشارت معاريف إلى ان إسرائيل والولايات المتحدة أقامتا تعاوناً استخبارياً وثيقاً في الأسابيع الأخيرة في كل ما يتصل بالسفينة. وقامت أوساط إسرائيلية بإطلاع رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية، جورج تينيت، وشخصيات مسؤولة أخرى في وزارة الدفاع الأميركية، على كل التفاصيل المتعلقة بالسفينة والطاقم الموجود عليها. وقد حصل الإسرائيليون مقابل ذلك، بحسب »معاريف«، على مواد سرية كانت بحوزتهم. وفجر الخميس، وعند اكتمال السيطرة على السفينة، اتصل رئيس الحكومة الإسرائيلية بوزير الخارجية الأميركية، كولن باول وأطلعه على تفاصيل العملية. غير ان الدور الأميركي الأبرز هو الذي ستقوم به في الضغط على إيران والدول العربية الخليجية واليمن والسودان لإلغاء أي إمكانية تهريب أسلحة في المستقبل. العملية الإسرائيلية بلور الجيش الإسرائيلي أسطورته العسكرية الجديدة في السيطرة على سفينة »كارين أ«. واستمراراً للتقليد الإسرائيلي الذي يحدد العملية بزمن تنفيذها، فإن إتمام عملية »سفينة نوح« جرى خلال ثماني دقائق. وقد شاركت في هذه العملية »شييطت 13« وهي وحدة كوماندو النخبة في سلاح البحرية الإسرائيلية إضافة الى وحدات بحرية وجوية أخرى. وكالعادة أيضا كان لا بد من تحديد أن العملية وقعت على بعد ما يزيد عن خمسمائة كيلومتر عن شاطئ إيلات. وتجمع الصحف الإسرائيلية كافة على أن عملية »سفينة نوح« رافقت من الوجهة العملية مهمة السفينة »كارين أ« منذ البداية. ورأت صحيفة »هآرتس« أن العملية العسكرية الإسرائيلية تبلورت فعليا قبل بضعة أسابيع بعد أن حظيت بمصادقة كل من رئيس الحكومة أرييل شارون ووزير دفاعه بنيامين بن أليعازر. ومنذ ذلك الحين بدأت الاستعدادات في أسلحة الجو والبحرية والاستخبارات. واشتملت هذه الاستعدادات القيام بمناورات للسيطرة على سفينة في عرض البحر ليلاً. وهذا ما دفع كلاً من قائد سلاح البحرية وسلاح الجو الى الادعاء في المؤتمر الصحافي الأول بأن التنفيذ الفعلي كان أسهل من المناورات التي نفذوها لهذا الغرض. وأوضحت »هآرتس« ان المناورات شملت السيطرة على السفينة في ظل مقاومة مسلحة، كما شملت رحلات جوية طويلة وتزويداً بالوقود في الجو. وكانت التقديرات الأولية تشير الى أن المشكلة الأساسية تتمثل في حقيقة أن المسافة البعيدة الى الهدف ومنه، تستدعي »غلافا« واسعا من سلاح الجو لأغراض التزود بالوقود في الجو. وقد أخذت إسرائيل بنظر الاعتبار أن لا تتم عملية السيطرة على السفينة مقابل الشواطئ المصرية، خشية أن يقود ذلك إلى مواجهة مع الأسطول المصري أو إلى أزمة سياسية مع مصر. ولذلك تم التخطيط للعملية لتتم في منطقة تقع بين السودان والسعودية. وأشارت »هآرتس« إلى أنه قبل بضعة أيام، ومع اقتراب السفينة (كارين أ) من الخليج العربي خرجت من قواعدها في إيلات عدة زوارق عسكرية من طراز »دبورا« وعليها طواقم من وحدة الكوماندو البحري. وفي ليلة يوم الأربعاء، قبل ساعات معدودة من موعد السيطرة على السفينة، انطلقت من قاعدة »عوفدا« الجوية في النقب قوات عملياتية أخرى. وأوكلت مهمة قيادة عملية السيطرة على السفينة لقائد وحدة الكوماندو البحري وهو برتبة عقيد. وقد حملت مروحيات من طراز »بلاك هوك« أفراد الكوماندو، وقامت مروحيات شحن وكذا مروحيات »أباتشي« بمرافقة مروحيات »بلاك هوك« لحمايتها. وقد رافقت هذه المروحيات جميعا طائرات حربية وكذلك طائرات تصوير وتجسس وتزويد بالوقود في الجو. وكانت آخر طائرة تقلع من مطار »عوفدا« من طراز »بوينغ 707« وقد استخدمت كطائرة قيادة محمولة جوا، وحملت الضباط المسؤولين عن القيادة الفعلية للعملية وكذلك كلاً من رئيس أركان الجيش شاؤول موفاز وقائد سلاح الجو دان حلوتس، وقائد سلاح البحرية يديديا يعري. وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير دفاعه على اتصال دائم مع طائرة القيادة. السيطرة على السفينة كما سلف، جرت الاستعدادات العملية للسيطرة على »كارين أ« قبل حوالى شهر. وفيما كانت السفينة في مياه الخليج العربي كانت وحدة الكوماندو البحري الإسرائيلية تتدرب على السيطرة على السفينة. وحسب صحيفة »معاريف« فإن التمرينات والتدريبات كانت مكثفة ومتواصلة واشتملت على عدد غير محدود من التكتيكات و»النماذج«. وبغية المحافظة على سرية العملية خصص سلاح الجو طيارين محددين جرى إخراجهم من أسرابهم إلى حين انتهاء المهمة. وقد حوفظ على السرية أيضا في سلاح البحرية، حيث اطلع على الأمر عدد قليل من قادة السلاح. وقبل ثلاثة أسابيع اجتمع عدد من كبار الضباط في بيت رئيس الحكومة الإسرائيلية وحصلوا على المصادقة المطلوبة. وقالت »معاريف« ان الاجتماع عقد في بيت شارون وليس في مكتبه من أجل عدم إثارة الشبهات. وجرى اجتماع آخر لدى وزير الدفاع حيث تمت المصادقة العملياتية على موقع السيطرة وطريق العمل. وبعد أن أوكلت مهمة القيادة لقائد »شييطت 13« العقيد رام، اختير اثنان من كبار قادة السرايا لديه لمعاونته وهما: المقدم درور من سرية القتال والمقدم شلومي من سرية التوجيه. واختار الثلاثة طواقم المقاتلين الذين سيعملون تحت إمرتهم. وشملت هذه الطواقم عددا كبيرا من الضباط الذين غدوا يتدربون يوميا بانتظار ساعة الصفر. وفي الليلة بين الأربعاء والخميس قبيل الفجر اقتربت المروحيات من السفينة. وكانت »كارين أ« تبحر ببطء في قلب البحر. وأجرت طائرات التصوير عدة طلعات للتأكد من أن الأمر يتعلق بالسفينة المحددة، حتى لا تقع أخطاء تقود إلى السيطرة على سفينة أخرى. وفقط بعد أن ظهر اسم السفينة في الصور الجوية بوضوح أُعطي الأمر ببدء العملية. اقتحام السفينة قبيل الفجر حامت مروحيات »بلاك هوك« فوق السفينة وهبط جنود الكوماندو البحري بالحبال على ظهر السفينة، وبموازاة ذلك التصقت بالسفينة عدة قوارب مطاطية محملة بجنود الكوماندو البحري الذين كانوا قد هبطوا قبل ذلك من زوارق »دبورا« لتغطية العملية وللعمل كقوة إسناد في حال الضرورة. وحسب صحيفة »هآرتس« كان ثلاثة من أفراد طاقم السفينة يقظى وقت السيطرة عليها، فاقتحم أفراد الكوماندو قمرة القيادة ووجهوا أسلحتهم الى رؤوس أفراد الطاقم، اليقظى والنائمين. وقد تم ذلك بالضبط في الساعة الرابعة فجرا. وعندما تم التأكد من ضبط جميع الموجودين على السفينة تسلق أفراد الكوماندو الذين كانوا في القوارب المطاطية، السفينة وكان مع أفراد الكوماندو عدد من محققي الشاباك. وتم جمع أفراد طاقم السفينة في غرفة واحدة وشرع رجال الشاباك في التحقيق معهم، فيما بدأ الجنود الإسرائيليون في تفتيش الحاويات. وتم العثور إضافة الى الأسلحة على قوارب مطاطية وعتاد غواصين. ومع انتهاء عملية السيطرة صعد ملاحون إسرائيليون إلى السفينة لقيادتها باتجاه ميناه إيلات. وقامت زوارق »دبورا« وطائرات إسرائيلية بمرافقة السفينة إلى القاعدة العسكرية البحرية الإسرائيلية في إيلات، حيث وصلت في حوالى الساعة الثامنة من مساء الجمعة الماضي. الدور الإيراني وحزب الله منذ اللحظة الأولى لضبط السفينة انطلقت آلة الدعاية الاسرائيلية لربط السفينة بحزب الله وايران. وفي ذلك أكبر خدمة للسياسة الاسرائيلية الراهنة. إذ إن الإدارة الأميركية تعتبر حزب الله منظمة إرهابية، ولذلك فإن الربط بين السلطة الفلسطينية وحزب الله وايران هو الربط النموذجي بين »القوة الارهابية« والقوى الداعمة للارهاب. ولذلك لم تبخل اسرائيل في المطالبة باعتبار إيران دولة إرهابية. وأشارت الى أن لديها »قرائن قاطعة« على التورط الإيراني في شحنة الأسلحة على السفينة »كارين أ«. وبناء على ذلك قررت اسرائيل، حسب صحيفة معاريف، الشروع بحملة مكثفة لإقناع دول العالم بالعمل ضد إيران. بل ان وزير الخارجية الاسرائيلية، شمعون بيريز أعلن نيته مطالبة العالم ضم إيران الى قائمة الدول الداعمة للارهاب. وكان رئيس أركان الجيش الاسرائيلي، شاؤول موفاز قد بدأ الجوقة الاسرائيلية بإعلانه أن »معظم السلاح الذي ضبط على السفينة هو سلاح إيراني«. وقال إن »هذا يشير الى صلة وثيقة بين السلطة الفلسطينية وجهات إرهابية مرتبطة بها معنية بتدمير اسرائيل«. وكما سلف، أشارت المصادر العسكرية الاسرائيلية الى أن الذين نقلوا الأسلحة الى السفينة في الخليج العربي هم »من الناطقين بالفارسية«. كما أعلنت اسرائيل أنها وجدت على قسم من الحاويات كتابات باللغة الإيرانية، وكذلك الحال مع قسم من الأسلحة. وستعرض اسرائيل، حسب زئيف شيف في »هآرتس« الدور الإيراني في تهريب الأسلحة الى السلطة الفلسطينية. وكتب انه رغم محاولات الإخفاء، فإن هناك دلائل كاملة على التورط الإيراني وعلى تورط ممثلي حزب الله في عملية التهريب هذه. وأشار الى أن الايرانيين يستخدمون لهذا الغرض عدة محطات في العديد من الدول الخليجية. ورأى أمير أورن في »هآرتس« أيضا أن إيران عبر تزويدها السلطة الفلسطينية بالسلاح تحاول أن تكرر في الضفة والقطاع صورة حزب الله في لبنان بشكل يمثل خطرا استراتيجيا على اسرائيل. وأشار الى أن هذا هو الاستنتاج الذي توصلت إليه هيئة أركان الجيش الاسرائيلي في أعقاب التحقيق مع طاقم السفينة »كارين أ«. وأوضح أورن أن العلاقات بين السلطة الفلسطينية وايران تجري بشكل مباشر وغير مباشر. وان قسما من هذه العلاقات يتم في إيران نفسها، في حين يقوم حزب الله بالقسم الآخر. أما مدير القسم الفارسي في الإذاعة الاسرائيلية، منشيه أمير فكتب في »معاريف« ان إنكار إيران لدورها في تهريب السلاح للسلطة الفلسطينية لم يفاجئ أحدا. »إذ انها على الدوام أنكرت الدعم المسلح للمنظمات الارهابية ولكنها تؤكد دعمها الفكري«. وأشار الى أنه منذ بدء الانتفاضة الثانية تجري دعوة ممثلي السلطة الى مؤتمرات الرفض في طهران. وان طهران عمقت من تدخلها فيما يجري داخل المناطق الفلسطينية عن طريق تقديم الدعم المالي والنشاط الفكري وعن طريق تزويد حركة الجهاد الإسلامي بالسلاح وتدريب رجاله في ايران. واعتبرت مصادر سياسية اسرائيلية أن كشف النقاب عن »الصلة الإيرانية« في القضية يشكل عملا »لا مثيل له من حيث الأهمية« في المسعى الاسرائيلي »للكشف عن الوجه الحقيقي لإيران، وأظهاره أمام العالم«. ونقلت صحيفة »معاريف« عن ضابط كبير في الجيش الاسرائيلي قوله إن إيران عبر تهريب السلاح تسعى الى »تحويل كل دولة اسرائيل الى حدود شمالية« وإدخال معظم المواقع السكنية الاسرائيلية في دائرة خطر الوسائل القتالية بعيدة المدى. ومعروف أن الحكومة الايرانية نفت بشكل قاطع أي صلة لها بالسفينة وقالت إنه لا توجد بينها وبين السلطة الفلسطينية أي علاقات عسكرية. ومن ناحية أخرى شكك مراسل الشؤون العربية في »هآرتس«، تسفي بارئيل ببعض جوانب الرواية الاسرائيلية تجاه إيران. إذ كتب أنه »إذا كان مصدر السلاح على السفينة «كارين أ« إيران، فلماذا لم يكن بوسع السفينة أن ترسو في ميناء إيراني وتبحر من هناك نحو هدفها، سواء أكان في قطاع غزة أو قاعدة لحزب الله في إيران«. وأشار الى أنه يمكن التقدير أنه إذا كانت السفينة موجهة للسلطة الفلسطينية »فليست جهات رسمية إيرانية هي التي وقفت خلف عملية التهريب، وانما نشطاء، ربما حتى من داخل الجيش أو الاستخبارات الإيرانية، ومن دون علم السلطات في طهران أو مصادقتها«. وتحدث العديد من المعلقين الاسرائيليين عن المصاعب التي تواجه وصول السلاح الى حزب الله في الآونة الأخيرة. وانطلق هؤلاء المعلقين من ذلك للقول باحتمال الشراكة في التهريب بين حزب الله والسلطة الفلسطينية. ولذلك أشارت »يديعوت« و»معاريف« الى احتمال أن يكون وراء عملية التهريب »جهاز عماد مغنية في حزب الله«. واستند هؤلاء الى معلومات سربتها اسرائيل أفادت بأن أحد أفراد طاقم السفينة تدرب على الغوص لدى حزب الله في لبنان، وان أحد مدربيه كان على متن السفن الصغيرة التي نقلت السلاح في الخليج الى »كارين أ«. وان هذا المدرب هو الذي وجه عضو طاقم السفينة الى طريقة التعامل مع الحاويات العوامة. لائحة اتهامات إسرائيلية تتهم اسرائيل السلطة الفلسطينية وايران بتهريب أسلحة وبالتعاون مع حزب الله. ولكن اسرائيل وعلى الصعيد الشخصي توجه الاتهامات الى كل من: رئيس السلطة الفلسطينية، ياسر عرفات وتدعي أنه صادق على عملية تهريب الأسلحة وأمر بتحويل عشرات الملايين من الدولارات لتمويلها. المسؤول المالي في ديوان عرفات، فؤاد الشوبكي والذي تشير اسرائيل إليه بوصفه الرجل الذي أمر بصرف الأموال لتنفيذ عملية شراء السفينة وتمويل شراء الأسلحة. عادل المغربي الذي تصفه اسرائيل، حسب صحيفة »يديعوت« بأنه مسؤول المشتريات في السلطة، وانه هو الذي قام بشراء السفينة من لبنان وأدار المفاوضات مع إيران وحزب الله لتنظيم العملية. قائد البحرية الفلسطينية العميد جمعة أبو غالي (أبو زكي) ونائبه فتحي غازي. وترى أنه أوكلت إليهما مهمة ترتيب الشؤون التنفيذية لتحريك السفينة واستقبال شحنتها. عمر العكاوي الذي تتهمه اسرائيل بقيادة السفينة، وقالت إنه يحتل منصب رئيس دائرة السفن في السلطة الفلسطينية ويحمل رتبة عقيد في الشرطة البحرية الفلسطينية. وتضم لائحة الاتهام الاسرائيلية أيضا أسماء لبنانية وايرانية في مقدمتها المرشد الروحي للجمهورية الاسلامية، السيد علي خامنئي. الاستغلال الدعائي لم ينكر رئيس الحكومة الإسرائيلية، أرييل شارون في مؤتمره الصحافي قيام إسرائيل باستغلال ضبط السفينة إعلاميا لتحقيق أغراض سياسية سواء ضد السلطة الفلسطينية او ضد ايران. وكتب عوزي بنزيمان في »هآرتس« ان ذروة الاستغلال الاعلامي لا زالت أمامنا. وكان يقصد المؤتمر الصحافي الذي عقده أرييل شارون وكبار قادة الجيش الإسرائيلي أمام السفينة والأسلحة المصادرة. والواقع ان ما جرى ليس مؤتمرا صحافيا، وإنما هو من قبيل المهرجان الدعائي الذي نظمته الحكومة الإسرائيلية لممثلي الحكومات المعتمدة لديها. فقد تمت دعوة جميع السفراء والسلك الديبلوماسي والملحقين العسكريين لمشاهدة »الكارثة« التي تم تجنبها. غير ان هذا المهرجان في حقيقة الأمر ليس سوى البداية. فقد نشرت صحيفة »معاريف« نص برقية إسرائيلية الى ممثلياتها في الخارج تفيد »بأنه مطلوب منكم بذل الحد الأقصى من جهودكم لكشف هذا الحادث وكل مترتباته«. وجاء في البرقية ان »عملية ضبط السفينة تثبت صحة طريق رئيس الحكومة وإصراره ليس فقط على سبعة أيام الهدوء وإنما كذلك على تدمير البنية التحتية للإرهاب. فكل مزاعم عرفات لزعماء العالم بتصفية الإرهاب ليست سوى كلمات ميتة«. وطلبت إسرائيل من ممثليها في الخارج التوضيح ان السلاح الذي ضبطته لا تحتاج اليه السلطة الفلسطينية لأغراض فرض النظام، وإنما كانت تريده بسبب استعداداتها للحرب ضد إسرائيل و»لتعريض أكبر قدر ممكن من مواطني إسرائيل لخطر الصواريخ«. كما تشير البرقية الى وجوب استغلال القضية لإظهار الصلة الايرانية. ونصت البرقية على وجوب »التشديد على ان الأمر يتعلق بدولة تصدر الإرهاب، تدعم الإرهاب، وان رئيسها هدد قبل أيام باستخدام القوة النووية لتدمير إسرائيل«. تحوّل استراتيجي؟ أعلن رئيس أركان الجيش الاسرائيلي أن ضبط السفينة يشكل »نقطة تحوّل في النضال ضد الارهاب«. واعتبر رئيس الحكومة الاسرائيلية هذه العملية بأنها »كشفت الوجه الحقيقي« للسلطة الفلسطينية. ونقلت الصحف الاسرائيلية عن شمعون بيريز قوله للمبعوث الأميركي، أنطوني زيني بأن ضبط السفينة وضع السلطة الفلسطينية أمام مفترق طرق حاسم. ورأى معلّق في صحيفة »معاريف« أن العملية العسكرية الاسرائيلية الناجحة أظهرت للفلسطينيين وللعالم بأسره قدرة الرد المفاجئ الاسرائيلية التي لا يمكن حصرها بحدود البلاد أو بالمواقع التي يجري فيها القتال. ورأى أن العملية، ومن دون ريب قطعت الطريق على خطوة عسكرية جديدة من جانب عرفات. وخلص الى أن ضبط السفينة هي عملية يمكن وصفها بسهولة »عملية عنتيبه لسلاح البحرية«. وكتب أليكس فيشمان في »يديعوت أحرنوت« أن اسرائيل تتمنى ومنذ وقت طويل عملية »عنتيبة« أخرى تثير الاعتزاز الوطني الذي سوف يرفع المعنويات من الحضيض. وقال: في يوم الخميس حصلنا على أكثر من ذلك. ويرى أن »عملية سفينة نوح« ربما أقل لمعانا من عملية عنتيبة، ولكن هذه العملية منحت سكان الدولة الحياة«. وقد دفعت هذه العملية قائد الاستخبارات العسكرية الأسبق، شلومو غازيت الى الكتابة في معاريف أن اسرائيل »في وضع لم تعش أفضل منه أبداً« من الناحية الاستخبارية. ويكتفي المتشككون في اسرائيل بالإشارة الى أن الإنجاز الأهم لإسرائيل هو ضبط الأسلحة، فيما يرى آخرون أن ضبط السفينة يشكل تحوّلا استراتيجيا في المواجهة ضد الفلسطينيين.