السنة المجلسية، أُقفلت على نحو معاكس لما بدأت فيه. انطلقت في أجواء قريبة إلى التفاهم: قنوات اتصال مفتوحة، تعاون إلى أبعد مدى بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، رغبة في إطلاق عجلة النمو، وتنفيذ برنامج الحكومة الإنقاذي، وضع البلاد على سكة الخروج من الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تتخبط بها، وأثقلت الناس بأعبائها. هكذا انطلقت، وفي أكثر من محطة مجلسية جرى التعبير عن هذه الأجواء، بتعاون واضح وإلى أبعد مدى بين المجلس النيابي والحكومة. وسط هذه الأجواء حددت الحكومة ما تريد. ومن ضمن هذه الأجواء أيضا، سار الأداء المجلسي، فكان للحكومة ما أرادت: إقرار جملة القوانين التي اعتبرتها الحكومة عتادها وسلاحها في معركتها التي قررتها ضد الأزمة الاقتصادية. وعلى ضفاف هذه الأجواء جرى تظهير مقررات خلوة فقرا، وحظيت بمباركة رئاسية. يومها، أعادت أطراف معارضة إحياء تهمة »الترويكا«، وإطلاقها على هذا التفاهم الرئاسي، الذي كان ما يزال في إطاره الكلامي ولم يدخل حيز التنفيذ، وفي وجه ذلك، صمد التفاهم الرئاسي، وفي إطاره الكلامي، أمام الاتهامات »لأن العبرة ليست في ما يتقرر السير به، وإنما في التنفيذ«. لكن المسار الذي سلكته الأمور بعد ذلك، أظهر أن الأمر، لم يكن سوى إطار تجميلي لنوايا مبيتة، ولثقة مفقودة بين »ثلاثية« التفاهم الرئاسي. والنتيجة التي خرجت على أنقاض هذا التفاهم، كانت مراوحة في الأزمة وانحدارا اقتصاديا إلى الأعمق، ألغى كل الأجواء التعاونية التي سادت، وأبرز الأجواء الابتعادية على حقيقتها بين أطراف التفاهم. وطبعا ذهبت مقررات فقرا الى موقعها كمحطة منسية، غير قابلة للتنفيذ، أو لا توجد من الأساس رغبة في الارتكاز إليها كأحد العناصر الداعمة للمسيرة الحكومية في عملية الإنقاذ الاقتصادي وإصلاح الإدارة، وما الى ذلك. كل هذه الأمور طغت على الجو السياسي العام وكان لها انعكاسها في مختلف المحطات المحلية والرئاسية، وخرجت من وسط ذلك حقيقة ان كل شيء يسود الخط الرئاسي، إلا الثقة! والتعايش »القسري والمفروض«، الذي حكم بعض المواقع الرئاسية، والذي كان لا بد منه أو لا بديل عنه، لم تأت ترجمته خارج هاتين الصفتين »القسري والمفروض«، إذ كان عنوانها الأبرز هو التشكيك، حتى بالقدرة على الإنقاذ. والمجالس الخاصة كانت متاريس لإطلاق النار. ومن فتحات هذه المتاريس، خرج الى العلن، العزم على توزيع المهام، عبر حصر ملف معين بموقف رئاسي معين، وحصر ملف آخر بموقف رئاسي آخر، أو على طريقة »صلاحياتي لي: وأما صلاحياتك فلي ولك«. نهج يصارع نهجا، أو يهادنه. و»الأمر لي« كان العنوان غير المعلن للمعركة! بما أرسى الحال على خلاصة ان كل طرف شعر أنه مطوق، وأنه عرضة للتقزيم أو للتحجيم أو لمصادرة دوره«. و»لأن الأخرين يكمنون«، صار مجرد اللقاء، أي لقاء، بين موقعين، بمثابة لقاء محاصرة لموقع آخر أو حبك مكائد ضده! ونتيجة لذلك، تصدرت المسائل الخلافية كل العناوين، وبودر الى هجومات وقائية، وإحباط مبادرات، واندلعت حرب المصادر والأوساط على الشريكين الآخرين، والأصح على الخصمين في الحكم. ساحة الصراع ساحة مجلس النواب، كما كانت المرآة العاكسة لهذا الجو، وللنوايا الرئاسية، ولكل عناصر التفجير على الخط الرئاسي، والتي جرى الإفصاح عنها في لقاء »المصارحة لا المصالحة« في قصر بعبدا، في حضور نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام. فهي كانت أيضا باعثا الى مزيد من العناصر الخلافية على الجبهات الرئاسية. وهذه الحال الرئاسية، إضافة الى الفشل الحكومي في التصدي للأزمة، أو »التفشيل« على حد ما ذهب إليه الكلام في المجالس الخاصة، وما استجد في شأن الحريات العامة، حقنت المعارضة، والنيابية منها على وجه الخصوص بمقويات لمواقفها الاعتراضية، أكان على الحكم والحكومة. وعلى دور الأجهزة الأمنية كذراع للحكم، أو كحاكم بأمره متجاوز للحكومة، بل وأقوى منها، على حد ما قيل آنذاك. ولقد تجلت أبرز الاختلافات الرئاسية، خلال إقرار الموازنة العامة للعام 2001. كانت الحكومة أكثر من مستعجلة لإقرار الموازنة، للبدء في عملية التصدي للأزمة الاقتصادية على نحو ما أعلنت. وما ظهر على ضفاف هذه الموازنة من أداء أظهر أن صفة الاستعجال لم تكن شاملة كل الحكم، ولذلك تأخرت. فهذه الموازنة قد تكون الأولى التي تقر خلال جلستين نيابيتين، ومرد ذلك كان لمزاج رئاسي توقف عند مسألة شكلية، اعتبرت يومها وكأنها تمس صلاحيات الرئاسة، فيومها حدد رئيس المجلس النيابي الجلسة النيابية في الأيام الثلاثة الأخيرة (29 و30 و31 أيار) من العقد العادي الأول لمجلس النواب الذي ينتهي عادة في آخر أيار. إشارة هنا إلى ان إقرار الموازنة يتم عادة في عقد تشرين الأول أو في عقد استثنائي في كانون الثاني، لكن ما حمل الى عقد جلسة الموازنة في أيار هو استرداد حكومة الرئيس رفيق الحريري لمشروع الموازنة كما أعدته الحكومة السابقة التي كان يرأسها الرئيس سليم الحص. في الأيام المحددة لإقرار الموازنة لم يكن ثمة مجال لإقرارها نظرا للشهية النيابية التي فتحت على الكلام يومها، ما حمل رئيس المجلس في نهاية جولة 31 أيار الى تحديد موعد لاستكمال الجلسة مطلع حزيران، مفترضا أن مرسوم فتح الدورة الاستثنائية سيصدر عن رئيس الجمهورية بالتفاهم مع رئيس الحكومة، وخصوصا أن هناك استعجالا حكوميا لإقرار الموازنة. الصدام الأول لكن الذي حصل، أن تحديد بري، لموعد استكمال الجلسة، اعتبر وكأنه يتجاوز صلاحيات رئيس الجمهورية، ما أدخل البلاد في جو سجالي، عرضت مضامينه بصراحة في لقاء المصارحة لا المصالحة في بعبدا، والذي عقد على اثر هجوم الأوساط والمصادر الرئاسية على بري على خلفية ما ورد في خطابه في عيد التحرير في الأونيسكو. في هذا اللقاء الذي تم في حضور خدام مطلع حزيران، الذي أتى لترطيب الأجواء الرئاسية، وبعد الحادث الصحي الذي ألم به في ذكرى الرئيس الراحل رشيد كرامي في طرابلس، استعرضت كل الشكاوى الرئاسية، ومنها الشكوى من تجاوز صلاحيات الرئاسة، فيه تقرر أن تفتح الدورة الاستثنائية لمجلس النواب. لكن الإصرار برز وبقوة، على أن تفتح الدورة الاستثنائية، حسب التوقيت الرئاسي. وهكذا كان، إذ صدر مرسوم فتح الدورة اعتبارا من 12 حزيران، بتأخير نحو أسبوعين للموازنة.. غير أن الجواب المجلسي جاء على ذات السياق، وتحت شعار »اللي عند بيت أهله على مهله« وعلى طريقة إذا كان فتح الدورة تم حسب التوقيت الرئاسي، فإن انعقاد جلسة الموازنة العامة، سيتم حسب التوقيت المجلسي، وحدد بري انعقاد الجلسة في 19 و20 و21 حزيران. وهكذا كان أيضا. هذه الجلسة كانت بمثابة جلسة فضائحية بامتياز، رمى فيها النائب باسم السبع قنبلة التنصت على الرؤساء والنواب والقضاء والإعلاميين، تلقفها الكثير من النواب، وخصوصا من المعارضة لشن حرب على الأجهزة وممارساتها، واستتبع ذلك تأكيد من رئيس الحكومة لهذا الأمر، وكذلك كشف من قبله لسرقة المخابرات الهاتفية من قبل قراصنة محميين بنحو 250 مليون دولار، وهي المسألة التي كانت باعثا لسجال بين حزب الله والنائب وليد جنبلاط الذي تحدث عن جزر أمنية تحمي القرصنة الهاتفية وفهم من كلامه أنه يقصد حزب الله. بري حول هذا الموضوع، كان متحمسا بالمعنى الصدامي ضد الأجهزة، ومطالبا الحكومة، ورئيسها رفيق الحريري، باتخاذ أقصى تدابير الملاحقة ضد المخالفين لقانون التنصت، تحت طائلة وضع المجلس النيابي يده على موضوع التنصت، وبالتالي إلغاء قانون ضبط التنصت، وليتنصت الكل على الكل. وفي المقلب الآخر كانت وقائع الجلسة الفضائحية، المنقولة مباشرة عبر الإعلام المرئي والمسموع، قد أحدثت صدى سلبيا، وأكثر من ذلك، اعتبرت بمثابة إعلان للحرب السياسية على موقع الرئاسة من خلال تشهيرها بأمر متصل بالرئاسة مباشرة ويحظى بحمايتها ورعايتها. فساءت الأمور أكثر مما هي سيئة. وأخذت تنحى في اتجاه تراكمي على مختلف الخطوط، جرى التعبير عن جزء من هذا المنح، في جانب متصل بموظف أمني كبير على صلة مباشرة برئيس الجمهورية. أصول المحاكمات ووسط الكلام الاتهامي الذي حام حول البرلمان، كان المجلس النيابي، قد حقق قبل الموازنة ما اعتبر إنجازا في ما بعد، أي إقرار قانون أصول المحاكمات الجزائية، والذي كان لرئيس الجمهورية فيه رأي مخالف، فرده الى المجلس النيابي مرفقا بأسباب الرد، والتي تركزت بشكل أساسي على ما يتصل بصلاحيات المدعي العام التمييزي. والمفاجأة حول هذا القانون المردود، أن رئيس الحكومة، مع كتلته والحلفاء، وقفوا ضد موقف رئيس الجمهورية، فتشكلت أكثرية نيابية وكان بنتيجتها عدم الأخذ بكل أسباب الرد، ما يعني في المحصلة »رد الرد«. طبعا هنا لا يمكن القول إن رئيس الجمهورية كان مرتاحا، بل على العكس. فقد بدا الأمر لديه وكأن هناك تواطؤا ضده، وان رئيس المجلس طرف أساسي فيه. ما استدعى »تدخلا«، فلقاء ثلاثيا في بعبدات، فتوافق على جلسة تشريعية ثانية تعقب نشر القانون، يصار في خلالها الى الأخذ بأسباب الرد، من خلال اقتراح نيابي لتعديل القانون المنشور، بما يلبي ما يريد رئيس الجمهورية. وانعقدت هذه الجلسة على بعد أسبوع من الجلسة السابقة، تبدلت فيها المواقف، وانقلب الاعتراض الى موافقة. وتعززت صلاحيات المدعي العام. والتبريرات التي سيقت يومها، ردت المواففة الى الظروف ومصلحة البلد التي تستوجب ذلك. وليست نتيجة لقناعة على حد ما أعلنه الرئيس الحريري. لقد شكل هذا الأمر ما يشبه الضربة القوية لمجلس النواب، وذهبت المعارضة الى أبعد مدى في نعي المجلس النيابي، وفي الحديث عن مصادرة قراره، وفقدان مصداقيته. وأيضا تصاعد الكلام الاعتراضي عن نعي النظام البرلماني والديموقراطي في لبنان، ومقارنة اليوم بأسوأ أيام الشهابية، وخصوصا ان تمرير الاقتراح »الاسترضائي«، جاء في جلسة تواكبت مع تطورات ومداهمات وتوقيفات.. وضرب أمام قصر العدل.. وجاء انعقادها غداة الاعترافات المسجلة لمستشار قائد القوات اللبنانية المنحلة توفيق الهندي. حتى ان بعض الكلام الاتهامي لمجلس النواب ألغى عنه صفة ال »سيد نفسه«، وتحدث عن »سيد« يديره من الخارج، أو عن »مجلس تحت الطلب«، أو عن »السيد نفسه لا يأكل نفسه«. كل ذلك كان من نتائج القانون المعجل المكرر لتعديل أصول المحاكمات، أو ما وصف ب »الاقتراح المقرر« وليس المكرر، والذي كان قد تبناه آنذاك نواب من كتلة الرئيس نبيه بري، وحزب الله، والحزب القومي، وكتلة المتن ونواب بقاعيون. مبررات انعقاد هذه الجلسة لإقرار الاقتراح المذكور، كانت، أن ثمة حاجة محلية وإقليمية، لإعادة تمرير هذا الاقتراح، أو إعادة الاعتبار لموقع الرئاسة، بعدما كسرت كلمتها في عدم الأخذ بالأسباب التي استند إليها رئيس الجمهورية لرد القانون، ما أبرز حينها شعورا رئاسيا بأن التوازن قد اختل، وخصوصا بين الرئاستين الأولى والثالثة. هذه الجلسة، على أهميتها، كانت جلسة المعارضة بامتياز، خصوصا أن الموقف الحكومي، كان استنكاريا، لتجاوز صلاحياتها، طريقة اتخاذ القرار في ما اعتبرته المعارضة قمعا وانتهاكا للحريات العامة. حيث ان الحكومة في مواجهة هجوم المعارضة، لم تأت بما يؤكد الاعترافات أو ينفيها، أو يحذر من أمر ما يحاك على حد ما جاء في الذريعة الرسمية، فقد اعتصمت بالصمت الاحتجاجي، على تجاوز دورها، وتغييب رئيسها عن هذه الأجواء البوليسية كما وصفتها المعارضة. الخلاصة الاساسية التي رست إليها هذه الجلسة، انها عرضت المجلس النيابي لضربة معنوية في هيبته. وما تزال حتى الآن، واحدة من المآخذ لدى البعض النيابي، اكان في الموقع الموالي او المعارض، علما ان للرئيس نبيه بري موقفا مغايرا، يرفض كل الاتهامات، ويؤكد ان المجلس تصرف بحكمة، ومن خلال التعديلات التي تضمنها الاقتراح، حقق انجازا كبيرا سيلمس ايجابيته جميع اللبنانيين، المعارضون قبل الموالين. التعيينات والجلسة هذه، جاءت في الوقت الذي كان قد تقرر وضع موضوع التعيينات الادارية، على النار الحامية، وشرعت تمهيدا لصدور دفعة التعيينات المنتظرة، الآلية الخاصة التي وضعها مجلس الوزراء للتعيين في الفئتين الاولى والثانية، وهي الآلية التي نسفها المجلس الدستوري، واعتمد بديلها (الذي اعتمد في التعيينات مؤخراً) والذي كان السبب في الانفجار العلني للعلاقة بين رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء قبل ايام. وقد كان التحضير للتعيينات في الشق الجامعي منها، وكذلك في الشق الاداري، موقعه المباشر في مسار الامور المجلسية، حيث حل التخالف بدل التعاون الذي حكم العلاقة بين الرئاستين الثانية والثالثة حتى الامس القريب من تلك الفترة. وكانت الجلسة النيابية التشريعية التي عقدها المجلس النيابي على مدى يومي الرابع والخامس من كانون الاول الحالي، قد كشفت بوضوح حجم الهوة الفاصلة بين الرئيسين نبيه بري ورفيق الحريري، والتي وصفت بأنها جلسة كهربائية، لكثرة »اللذعات« التي اقدم عليها بري ضد الحريري، ما حمله الى الانسحاب من الجلسة احتجاجا، وبعدما لمس من رئيس المجلس اصراراً على منع تمرير قرض كهربائي، لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان، وبعد ساعات قليلة من انعقاد جلسة للجنة الاشغال النيابية، سيقت فيها اتهامات متنوعة لهذه المؤسسة. بدا الامر، يومها وكأنه »واحدة بواحدة«، حيث ان شكوى بري، تصاعدت، وعبر عنها في تلك الجلسة، اعتراضا على اهمال الحكومة للجنوب، وعلى السياسة الحكومية المتباخلة في المناطق الجنوبية المحررة وكرمها في مواقع اخرى، وتقصد حجز اموال مجلس الجنوب، وعدم دفع اموال البلديات المنتخبة حديثا في الجنوب للبدء بعملية التنمية. وكذلك اعتراضا على السياسة الاستبعادية التي اقصت وزير الخارجية عما هو من صلب صلاحياته، التحضير لانعقاد القمة العربية المقررة في بيروت، وتكليف وزير آخر. اظهرت هذه الجلسة، ان العلاقة الخلافية اكبر بكثير من كل الظواهر، وانها، اي العلاقة، في حاجة الى جهود جبارة او استثنائية لترميمها، فالتعيينات وما وصف بمحاولة اجتياح لمواقع وظيفية. ومبادلتها بمواقع اقل اهمية كانت السبب الجوهري، وفعلت فعلها في تفسخ العلاقة. وما برز سياسيا في هذه الجلسة، ايضا، الهجوم العنيف الذي شنه عضو اللقاء الديموقراطي (الجنبلاطي) النائب باسم السبع، المعروف مدى قربه من رئيس الحكومة، وحمل فيه على الحكم والنظام الأمني: »الحكم وقع في قبضة الضمائر المستترة... ولبنان سيسقط بالذبحة العسكرية«. هذا الحصاد السياسي الخلافي الذي تولد عن السنة المجلسية الماضية، توج قبل ايام، في التصادم بين الرئاستين الثانية والثالثة، على خلفية التعيينات الادارية بشكل مباشر، ما يعني ان السنة المجلسية المقبلة ستفتح على قنوات اتصال مقفلة بين الرئاستين. والاجواء التي سادت بعد المؤتمر الصحافي الاخير لرئيس المجلس، او »مؤتمر استعادة المبادرة«، كما وصفه المقربون منه و»الصدى الشعبي« الذي احدثه، لا توحي بفتح سهل او قريب لهذه القنوات وبالتالي كل الاحتمالات واردة. وصدى ذلك ستحدثه الموازنة وفي موضعين: الاول: امام اللجنة النيابية للمال والموازنة لدى اعادة درس موازنة مجلس الجنوب المعلقة منذ أواخر شهر رمضان الماضي، وفيها كما تقول مصادر نيابية سيكون »حك الركاب«، والمواجهة حتمية بين الحكومة وبين النواب المحتجين على حجز موازنته عن العام 2001 ولم تصرف له، والمعترضين على توجه الحكومة لتخفيض موازنته من 75 مليار ليرة الى حوالي النصف. ومن المرجح ان يلجأ النواب في لجنة المال الى ذات التهديد الذي وجهوه لدى دراستهم موازنة مجلس الجنوب في 2001 التي لم تصرف، بأن يذهبوا الى وضع الحكومة امام خيارين: اما تعليق درس الموازنة، واما التجاوب مع مطلبهم. مع تعهد بالا تتكرر تجربة العام 2001 بحجز الاموال. الثاني: امام الهيئة العامة للمجلس النيابي، حيث ان النية قوية، في جعل جلسة اقرار الموازنة، بمثابة جلسة محاسبة للحكومة، في كل نواحي أدائها السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، الانمائي، والجنوبي بشكل خاص. اشارة هنا، الى ان اليوم الاثنين 31 كانون الاول، هو آخر ايام العقد العادي الثاني لمجلس النواب، والمجلس لم يبت في مشروع الموازنة، وبالتالي وكما توجب المادة 86 دستور، يفترض ان يدعو رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة »فورا« الى عقد استثنائي يستمر لغاية كانون الثاني. الحصاد المجلسي وفي موازاة الحصاد السياسي للسنة المجلسية، كان للمجلس النيابي حصاد تشريعي، على جانب من الاهمية لناحية الكم والنوع، فالمجلس شهد في العام الماضي انعقاد تسع جلسات لهيئته العامة، من بينها جلسة انتخابية لأعضاء اللجان النيابية الدائمة (عقدت في 16 تشرين الاول) ولأقل من ساعة. وأما سائر الجلسات فتشريعية، بينها اثنتان، اقرت فيهما موازنة العام 2001، الاولى عقدت في 29 و30 و31 ايار 2001، والثانية عقدت في 19 و20 و21 حزيران. واما الجلسات الست المتبقية، فتوزعت وفق ما يلي: الجلسة التشريعية الاولى: انعقدت يومي 20 و21 آذار 2001، وكانت حصيلتها 34 قانونا. الجلسة التشريعية الثانية: انعقدت يومي 27 و28 آذار 2001، وكانت حصيلتها 7 قوانين. الجلسة التشريعية الثالثة: انعقدت يوم 10 نيسان 2001، وكانت حصيلتها 8 قوانين. الجلسة التشريعة الرابعة: مناقشة موازنة ال 2001. الجلسة التشريعية الخامسة: اقرار قانون موازنة ال 2001. الجلسة التشريعية السادسة: انعقدت أيام 25 و26 و31 تموز 2001، وكانت حصيلتها 21 قانوناً. الجلسة التشريعية السابعة: انعقدت في 13 و14 آب 2001، وكانت حصيلتها 19 قانوناً. الجلسة التشريعية الثامنة: انعقدت في 3 و4 كانون الأول 2001، وكانت حصيلتها 25 قانوناً. حصاد المجلس في العام 2001 تجاوز ال 110 قوانين جرى اخراجها في 83 ساعة تشريعية ابرزها: القانون المعروف بتملك الأجانب، والذي أقر في جلسة 20/21 آذار، بعدما اثيرت حوله جملة مواقف خوفت من بيع الأرض لغير اللبنانيين، او من ان يؤدي تملك الفلسطيني لشقة سكنية إلى التوطين. قانون أصول المحاكمات الجزائية. اقر في جلسة 27 28 آذار، وبعد طول مداولات ونقاشات استمرت لنحو أربع سنوات، وجاء مضمونه مبدلاً ما هو معتمد في موضوع المحاكمات والتوقيفات منذ أكثر من خمسين سنة. القانون المعروف بدمج المجالس: اقر في الجلسة ذاتها، وجاء مضمونه معززاً لمجلس الانماء والاعمار. قانون مكافحة جرائم تبييض الأموال: اقر في جلسة 10 نيسان، بعدما ساد حوله نقاش نيابي حكومي موسع، فالرأي النيابي الاعتراضي على هذا القانون، اعترض على كون هذا القانون مستورداً ومن اخطر القوانين، وقد وضعته في معرض مدافعتها عن القانون انه روعي في هذا القانون الحفاظ على السرية المصرفية، وعلى التوفيق بين مقتضياتها المبدئية وبين المعايير الدولية المطلوبة لمكافحة جرائم تبييض الأموال. قانون تعديل قانون العقوبات: اقر في جلسة 25/26/31 تموز، بحيث عاد للقاضي، دوره الأساسي وحقه في إمكانية الحكم وفقاً لاقتناعاته، بعدما حرمه من هذا الحق تعديل أحكام المواد 198 و547 و548 من قانون العقوبات وتعليق تطبيقها باتجاه تشديد العقوبات في حالات الجرائم السياسية، وفي حالات القتل عن قصد، وانزال عقوبة الاعدام بمن يقتل إنساناً قصداً أو بدافع سياسي، وحرم القضاء من منح القاتل الاسباب المخففة. قانون الحد من التلوث. قانون مساواة الموظفة بالموظف من تقديمات تعاونية موظفي الدولة. القانون المتعلق بالاحكام الخاصة بآلية التعيين في الفئتين الأولى والثانية في وظائف الملاك الإداري العام: اقر في جلسة 13/14 آب (وقد ابطله المجلس الدستوري). قانون استحداث وسام الأسير: اقر في الجلسة ذاتها. قانون اعطاء تعويضات أو معاشات تقاعد للأسرى المحررين: اقر في الجلسة ذاتها. والذي قضى بمنح الأسير الذي قضى في الأسر بين سنة وثلاث سنوات تعويضاً مقطوعاً قدره خمسة ملايين ليرة عن كل سنة، ومن قضوا في الأسر دون السنة يعطون تعويضاً مقطوعاً قدره مليونان ونصف مليون ليرة (اشارة إلى ان هذا القانون لم يطبق حتى الآن). قانون تعديل قانون السلطة القضائية: اقر في جلسة 3 و4 كانون الأول، وبموجبه منح مجلس القضاء الأعلى وحده صلاحية اقتراح المناقلات والتشكيلات القضائىة. القانون المتعلق بالضريبة على القيمة المضافة: اقر في الجلسة ذاتها، ويعمل به اعتباراً من 1 شباط 2002، وتراهن الحكومة على ان تجني من هذا القانون مردوداً للخزينة لا يقل عن 800 مليار ليرة، فيما بعض المعنيين بالشأن الاقتصادي يشككون بقدرة الحكومة على جني المردود الذي تتوقعه، ولا يتوقعون ان يصل هذا المردود حتى إلى نصف المبلغ المقدر، لأن هذا القانون غير الشعبي ليس من شأنه سوى رفع وتيرة التهريب.