As Safir Logo
المصدر:

»التبر« لابراهيم الكوني في كتاب في جريدة الخميس المقبل لغة الرمل

كتاب في جريدة
المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2001-12-31 رقم العدد:9090

هذا الإصدار من »كتاب في جريدة« يحفل أيضا بخصوصيته، وإن تبدّت هذه الخصوصية مع الكاتب والروائي الليبي إبراهيم الكوني أكثر خصوصية لتناولها موضوعة الصحراء العربية ومفرداتها اللغوية والحياتية. تستلتزم كتابة الكوني في »التبر« الكثير من الجسارة. وإبراهيم الكوني احتاج الى شجاعته كلها، في سبيل هذا الخوض الروائي الذاهب بعيدا في أكثر أشكال الحياة شظفا وبخلا. وهو في اختياره موضوعته، بقي أمينا على عنصرها الاساس، فلم يزينها لغاية الكتابة، ولم تكن حاجته لأعمال الخيال أو الإضافة، أو لحشد الرواية بما يلطف ويهذب من وحشتها، بل مضى في عالمه بتعال حينا، وبساطة أحيانا، ولكن بثقة طوال الأحايين. وهي ثقة العارف بالوجه الحقيقي للصحراء، وبدخيلة حيوانه ومعشوقه »الأبلق« الذي جعل له حياة كاملة، ليست دون حيوات الناس في أحوالهم وأحاسيسهم ومشاعرهم من أقصاها الى أقصاها. لغة استواء اللغة عند إبراهيم الكوني على مصطلحات بعينها، أملاها عالم كتابته عن الصحراء. لغة ألفاظ، ولغة صور، ولغة حركات رملية كلها، غير أنها وافرة الإمكانات لصلة محكمة بذلك العالم دون سواه. كتابة تتصل بأفعال تلك الطبيعة، ساقها الكوني في سرده الطويل الى موجوداتها كما هي عليه، ووفقا للإشارات الحسية والملكات النفسية لقاطن الصحراء. جسم الرواية، هو تلك الصلة بين الإنسان والحيوان. ولعل »الجمل« في يوميات الصحراء، ليس موضوعها فحسب، بل يتبدى الموضوع المقدر حق قدره، والهوى المصنف أولا، للأعرابي والبدوي، سليل الرمال الصفراء وذهان السراب والتفاصيل القليلة للحياة المسطحة. نلمح عند الكوني، في كتابه »التبر«، تأثير العلاقة بين الطبيعة (الصحراء) والمفردة. وثمة ذلك الميل عنده الى الإيقاع الذي لا يني يتردد في الكتابة كلها. ظاهرة صوتية ضخمة تدل على مدى تماهي الكاتب مع تلك الأصوات القليلة المرصودة لحياة الصحراء، التي تنتشلها الكتابة من فخ نسيانها، لترفعها الى ما يشبه موسيقى الألفاظ، وتحمي في الوقت نفسه عالم الصحراء الرتيب، من شبهة الصمت التام والصمم. حدث كل أحداث التبر (وأقواها يكاد يكون الحدث البادئ والمنتهي في تلك العلاقة الجميلة والغريبة بين »أوخيد« أحد فرسان الصحراء الليبية، وبين الجمل أو »الأبلق« كما كان يسميه صاحبه). وهي أحداث أو حدث، متحدد بسمة أساسية هي استقلاله الذاتي عن كل الصور الحديثة والحداثية التي نراها أو نقرأها في الإصدارات الروائية الراهنة. هذا الافتراق الذي صنعه إبراهيم الكوني، لم يأت وليد ابتداع المختلف أو غير المسبوق، بل هي الرغبة بالتماهي التام مع البيئة والجغرافيا والمنشأ، والصورة التي تصنعها العين من وفرة تكرارها اليومي. الصحراء إذن، بتراميها وتبرها وناسها و»جملها« وعلاقات الحب المتسترة فيها، وقداستها في تقاليدها وأعرافها، بدت مرتعا خصبا ومقداما لقلم الكوني وإحساسه وعينه الثاقبة. علاقة ثمة ذلك الحنان اللامتناهي، الذي يكاد يكون متقدما عن الحنان في العلاقات البشرية، بين الرجل وأبلقه، حين يعمد الكاتب الى التقاط بعضه في هذا الوصف: انطفأ بريق المرح في عينيه الكبيرتين، ودلى شفته السفلى أكثر. وقف في العراء هادئا، صامتا، يشيع الأفق المتراقص في ألسنة السراب السماوية، بنظرة حزينة. كان خجولا. لاحظ أوخيد كآبته، ولكنه لم يكتشف السر إلا بعد أيام. تفحص وبره البهي وهو ينزع شوك السدر من جلده المبقع ويتفقده من القراد في الجلدة. تحت الوبر تمكن المرض وسكن الالتهاب. حكه بأصابعه، فتوجع المهري وصاح من الألم. جاء بالمقص واختار موقعا حلق منه الوبر الكثيف. تعرى الموقع عن المرض اللئيم. اسودّت الجلدة، وأكلت لحم الحيوان«. الصورة هنا مشبعة بالعاطفة، كما يقوم تكوينها على العلاقة القائمة بين الكلمات، لا على الكلمات وحدها. ظاهرها الحزن وإن كانت تتضمن في داخلها فرحا مقبلا ومحتفلا بذلك الود الكامل والحدب والحنو على »البهيمة« في دلالات تامة لناس الصحراء. هذه الصورة وسواها، كما حين ينخرط الجمل في الرقص أو حين يقع الأبلق بغرام ناقة في نجع بعيد، أو مشهد معاشرتهما، تجعل من الصور الأخرى أو الحالات المختلفة التي تعتري البشر في الرواية، مقصرة تماما في وصفيتها وجمالها. جغرافيا مع إبراهيم الكوني في »التبر« يعاد الاعتبار الى جغرافية العربي، الأكثر حضورا في ثقافته، عنيت صحراءه التي تغرق في رمزيتها واستعاراتها وتشابيهها في كتابات أخرى. الكوني يتناول الصحراء في مفهومها الأساسي الذي لا تحيد عنه، ومنه إعلاء القداسة عن متناول العصر التجاري، الذي يحاول إقحام نفسه في الرواية عبر فكرة إنشاء مصرف فيها، سوف يرميها لا بد في دوامة المفهوم المالي البحت، أو رأسمال المجتمع المدني، ويسلبها ذلك النقاء الذي تفاخر به. ذلك النقاء، يوازيه في كتابة الكوني، ذلك الضرب من الطهارة الكتابية، حيال كتابات توشك على الغرق في استلابها وأجنبيتها. وإذا كانت الصحراء قد غادرت تماما ميادين الكتابة المنتمية عند الكثيرين، فإن الكوني أعادها بحرفيتها وأهليتها، مستفيدا من لغته المتمكنة والسلسة في إلقاء الضوء على »التيمة« الأساس التي تقف كمتن للرواية، وهي الرفض والامحاء التام لكل دخيل الى عالم الصحراء، من شأنه تعكير روحانيتها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة