يحاول الدكتور محمد شحرور في كتبه ودراساته تقديم قراءات معاصرة للقرآن وطرح الأسئلة الباحثة في أزمة الثقافة الإسلامية وسبل النهوض بها وإصلاحها. وفي ظل ما يثار من قضايا حول الإسلام اليوم ، كان من الطبيعي ان نلتقي به ونتحاور... { بعد أحداث ال11 من أيلول اكتشف العالم خطابا يدعو الى القتل والكراهية بين الديانات والشعوب، ويدعي الانتساب الى الاسلام. ما هي المنطلقات الفكرية والثقافية لهذا التيار الذي بات يمثله اليوم أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة وحركة طالبان، وما هي علاقته بالدين الاسلامي؟ الارهاب هو استعمال العنف في غير محله. هناك بالتأكيد مسببات سياسية للعنف من بينها سياسية الولايات المتحدة الاميركية في منطقتنا. لكنّ هناك ايضا أسبابا ترتبط بإشكاليات موجودة ضمن الثقافة العربية الاسلامية. لقد بتنا نحمل ثقافة مريضة تنتج العنف. وأنا عندما أقول ان ثقافتنا الاسلامية ثقافة مريضة، فأنا لا أعني الاسلام كدين، ولكن أعني الثقافة الرائجة اليوم، والتي تتماثل في أذهان الناس مع الدين الاسلامي. وأحد أسباب تخلفنا هو هذه الثقافة المريضة، ومن هنا ضرورة معالجتها. عند سماعي لابن لادن زعلت عليه وليس منه، فهو لسان حال هذه الثقافة المريضة. ما حدث في ال11 من أيلول هو دليل على ان الاسلام اليوم في أزمة. الفكر الطالباني موجود في كل بلد، والكتب التي درسها طالبان واستنبطوا مبادئهم منها، تدرس ايضاً في كل كليات الشريعة في العالم الاسلامي. الفرق ان طالبان طبقتها والآخرين لم يطبقوها بعد، لكن أسس الفكر واحدة، انا كمسلم أشعر بالخجل ان ينتهي الاسلام الى طالبان. الى الآن لم يتجرأ احد من المؤسسة الرسمية الاسلامية على الخوض بشكل جدي في المنطلقات التي ينطلق منها كل من يمارس العنف. لأنه في هذه الحالة عليه ان يعيد النظر في أصول الفقه الاسلامي وطريقة التعامل مع كتاب الله، وهذا ما هم غير مستعدين له إطلاقا. ان علماء المسلمين في المؤسسة الدينية الرسمية لم يتعرضوا بالنقد والتفنيد الى المنطلقات النظرية والبنية المعرفية للحركات الاسلامية الجهادية. بل ان هذه المؤسسة الاسلامية الرسمية لا تستطيع ان تدخل في مواجهة فكرية مع منظري تنظيم القاعدة لأن هؤلاء سيهزمونهم. فالطرفان ينطلقان من نفس المدرسة الفكرية. الذي يمارس العنف والذي لا يمارسه، كلاهما ينطلق من نفس الأصول والمنطلقات التي تتضمن مبدأ الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومبدأ القياس. ان العقل العربي الحالي عقل قياسي، والعقل القياسي لا يبدع ولا ينتج اي معرفة، وهو قائم على نموذج أصلي حدث في القرن السابع، هذا النموذج يقاس عليه بشكل تكراري. الفكر العربي فكر تكراري، يكرر نفسه دائما من خلال القياس الذي هو المجال الوحيد لنشاط العقل. ان الاسلام الذي هو اليوم بين أيدينا اليوم، بما يتضمنه من مفهوم المعلوم من الدين بالضرورة ومفهوم القدرية والجبرية وتعريف القضاء والقدر وأصول الفقه والسنة، هذا الاسلام وضعت مفاهيمه العامة في العهد الاموي وتأطر ودوّن وأخذ شكله النهائي في العهد العباسي. لا بد اليوم من إصلاح ثقافي من الداخل، ولا بد لنا من ان نعيد النظر في مفهوم السنة ومفهوم الإجماع ومفهوم القياس ومفهوم الناسخ والمنسوخ ومفهوم الحرية ومفهوم أولي الامر ومفهوم أهل الحل والعقد وغيرها من المفاهيم ذات الطابع البشري. ليس هناك من حل آخر. الثقافة الاسلامية في ازمة، وهي في خطر. { هل أستطيع ان أفهم من كلامك أن ابن لادن اكثر انسجاما مع نفسه وأكثر تمثلا وإخلاصا لهذه المبادئ الفقهية من ممثلي الإسلام الرسمي؟ بالتأكيد، وكمثال لنأخذ مبدأ الناسخ والمنسوخ، فكل آيات كتاب الله التي تتكلم عن الحكمة والموعظة الحسنة من مثل: (لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي) (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن..). (ادعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً) (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) هذه الآيات كلها منسوخة، تُقرأ فقط ولا يؤخذ بها. ونسخ هذه الآيات لم يأت من ابن لادن ولا من تنظيم القاعدة ولا من الاخوان المسلمين، هذا نسخ سابق. هذه الآيات نُسخت بآية اسمها آية السيف من سورة التوبة: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلَّ مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم إن الله كان غفوراً رحيماً). اذا أردنا مكافحة الارهاب ومكافحة العنف فعلينا ان نعيد النظر بمبدأ الناسخ والمنسوخ في كتاب الله، وإلا فإن الامور ستبقى على حالها وسيستمر انتاج العنف الأعمى على هذه الشاكلة. وستبقى ثقافتنا العربية الاسلامية مريضة. فعلم الناسخ والمنسوخ من أوله الى آخر علم لا يحوي إلا الأوهام، وبالتالي فهو علم لا وجود له إطلاقا. وللأسف، في كتابي الاول »الكتاب والقرآن« كنت لا أزال مقتنعا بمبدأ الناسخ والمنسوخ ولم أخضعه للمناقشة والنقد، وتراجعت بعد ذلك في كتابي الثاني. ووجدت انه كمبدأ موجود بين الرسالات وليس ضمن الرسالة الواحدة. لكن من يتجرأ اليوم من العلماء ان يقول ان مبدأ الناسخ والمنسوخ وهم وان هذا العلم الذي يحمل نفس الاسم لا وجود له. { اذا تركنا الآن مفهوم الناسخ والمنسوخ، وتناولنا موضع القتل بالردة. كيف ترى إمكانية مراجعة هذه الموضوع في حاضرنا الراهن؟ علينا هنا التفريق بين الردة السياسية والردة العقائدية. فالردة العقائدية بمعنى تغيير الدين، ليس للمجتمع اي علاقة بها، وعقوبتها إلهية في كتاب الله. فالأساس في الحياة هو الإباحة والأساس في الدماء هو الحرام إلا ما حلل الله، والله لم يحلل قتل المرتد. فالله هو واهب الحياة وهو يأخذها. في ما يخص الردة السياسية، علينا ان نعود الى مفهوم الدولة المركزية في العهد النبوي ونناقش الدعوة من الجانب السياسي البحت، فقبل مجيء الرسول لم يكن للعرب دولة مركزية، وجاء الرسول ودعا الى التوحيد ودعا الى الدين الجديد، وانتهى في دعوته الى تأسيس دولة مركزية عاصمتها المدينة المنورة، يطلق فيها اسم المؤمنون على كل من أيّد الرسول ودخل في دعوته وأصبح من أتباعه. (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) وكذلك (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله..). أما الاسلام كمفهوم فهو أوسع بكثير من الإيمان. إذاً من الناحية السياسية هناك حزب اسمه المؤمنون شكّل وأسس الدولة. لذلك، في الوعي السياسي للناس في ذلك الوقت كل من يريد ان يؤسس دولة عليه ان يصير نبياً. الأسود العنزي قبل وفاة الرسول بأشهر ادعى النبوة في اليمن لأنه كان يريد ان يقوم بانفصال عن الدولة المركزية، وعليه أمر النبي بقتله. ففي الردة السياسية الانفصالية يوجد قتل وقتال. كذلك بعد وفاة الرسول حدثت عدة محاولات انفصالية لم يكن أمام أصحابها إلا ادعاء النبوة، وكأنهم في ذهنهم السياسي يريدون تأليف حزب جديد. مثال آخر على الردة السياسية، عندما تأسست الدولة كان الدخل الوحيد لها هو الصدقات عند المسلمين، جاء أهل اليمامة وقالوا إننا لن ندفع الصدقات للمدينة المنورة ولكن لأهلنا، وحدث تماما كما لو ان أهل حلب قالوا اليوم ان كل الضرائب التي تدفع في حلب ستصرف على حلب، اي انهم انفصلوا عن الدولة المركزية. ومن الطبيعي في هذه الحالة ان تدافع الدولة المركزية عن وجودها. اذاً في حروب الردة كانت الردة سياسية، ومن هنا قاتلهم أبو بكر وفق منطق الردة السياسية التي فيها قتل وقتال. فعندما كان الدخل الوحيد للدولة هو أموال الزكاة، كان اي امتناع عن دفع الاموال معناه الانفصال. ونحن العرب والمسلمين لسنا بدعاً من الناس في الردة السياسية التي تؤدي الى الانفصال. فالرئيس الاميركي ابراهام لنكولن قاتل الانفصاليين في جنوب الولايات المتحدة الاميركية وراح مئات آلاف الضحايا. واليوم إذا أعلن المسلمون في فرنسا مثلاً انفصالهم عن الدولة المركزية في احدى المحافظات فبالتأكيد ان الدولة ستقاتلهم وتمنعهم عن ذلك. أما الامتناع عن دفع أموال الزكاة والصدقات اليوم للدولة، فهذا ليس فيه ردة سياسية لأننا ندفعها لأقربائنا وللمحتاجين، بعيدا عن الدولة التي تجني هي الاخرى الضرائب. { خلال قرون طويلة أُجبر أهل الكتاب على دفع الجزية، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، أين نحن اليوم من كل هذا؟ الآية الوحيدة التي تتكلم عن الجزية في القرآن، هي من سورة التوبة: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). أين يمكن لي اليوم ان أطبق هذه الآية؟ ولمن هي هذه الآية وأين تتموضع؟ أين هم هؤلاء الناس من أهل الكتاب (فالله في كلامه لا يشمل كل أهل الكتاب) الذين تنطبق عليهم هذه الشروط الثلاثة حتى نطالبهم بالجزية، فأهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر ويحرّمون ما حرم الله ورسوله (قتل النفس وأكل مال اليتيم.. الخ. المحرمات الاسلامية محرمات عامة وإنسانية غير موقوفة على أتباع محمد). مفهوم الجزية مفهوم سياسي بحت، وأمير المؤمنين سمي كذلك في الماضي، لأن المؤمنين أتباع الرسول هم الذين أسسوا الدولة والسلطة السياسية في يدهم، لكن بيت المال سمي بيت مال المسلمين لأن في الدولة التي أمير المؤمنين فيها عمر بن الخطاب نصارى ويهوداً. ومقابل المال الذي يؤخذ من المؤمنين باسم الصدقات والزكاة، كان يؤخذ المال لخزينة الدولة من اليهود والنصارى باسم الجزية. وهذه الاموال كانت تصرف على الجميع. والآن كون المؤمنين وغير المؤمنين تحولوا الى مواطنين، والدولة لم تعد بحاجة الى أموال الصدقات او الجزية، فلديها ميزانيتها الخاصة وضرائبها المتعددة، فمفهوم الجزية وأهل الذمة ألغي تماما لصالح مفهوم المواطنة. فالجميع يدفع الضرائب للدولة، والضرائب هي القاسم المشترك لجميع أفراد المجتمع، وكل انسان يدفع صدقاته وفقا لمعتقداته الدينية من دون تدخل الدولة. إذاً مفهوم الجزية مفهوم تاريخي بحت ولا داعي البتة لاستعادته اليوم. { هذا يقودنا الى ما تذهب إليه بعض التيارات الاسلامية من تكفير لأهل الكتاب، ما رأيك في ذلك؟ في القرآن هناك أهل الكتاب وهناك الذين كفروا من أهل الكتاب، وهما شيئان مختلفان تماما، فالذين كفروا من أهل الكتاب هم الذين هجموا على النبي وحاربوه. وفي المصحف دائما تأتي عبارة »الذين كفروا من أهل الكتاب« وليس أهل الكتاب جميعهم. هنا يجب علينا أيضا ان نفرّق بين الشرك والكفر في كتاب الله. فالشرك هو لسان حال، والكفر هو لسان حال ومقال وموقف عدائي والفرق بينهما كبير جدا. ومن حارب النبي محمداً من العرب فقد كفر به، من مثل أبو لهب وأبو جهل والذين كفروا من أهل الكتاب. فالكفر مفهوم سياسي وموقف أكثر مما هو مفهوم عقائدي. ومن هنا جاءت الآية تقول: (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما نعبدون) ولم يقل يا أيها المشركون. مفهوم الكفر الى الآن غير واضح في الأدبيات الاسلامية، وهناك لغط بين الايمان والكفر. فالبلاد التي ليس فيها مؤمنون، يجب ان لا نسميها بلاد الكفرة ولكن بلاد غير المؤمنين. وإلا تصبح الدنيا كلها عدوتك. فأن تقول ان غير المسلمين المؤمنين كافرون هو بالضبط مثل قول بوش اليوم ان الذي ليس معنا فهو ضدنا. كذلك لا يحق لأي انسان مؤمن ان يقاتل الناس لأنهم ليسوا مؤمنين، يمكن ان تقاتل الناس من أجل ارض، من أجل مصالح، من اجل خلافات سياسية، ولكن لا يحق لك ان تقاتلهم لأنهم ليسوا مؤمنين وليسوا من أتباع الرسالة المحمدية. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً..) (ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعاً) (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين). السؤال اليوم كيف يمكن لنا ان نتعامل مع أهل الكتاب بشكل جيد وننظر لهم نظرة انسانية؟ اذا استمررنا مثلا في تفسير سورة »الفاتحة« التي نقرأها في كل ركعة من صلواتنا وفق أصول الفقه القديمة التي تشرح على ان المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم الناصرى. بينما المغضوب عليهم والضالون هم الذين خرجوا عن الصراط المستقيم، فقاتل النفس هو من المغضوب عليهم، والمشرك هو من الضالين. وعليه فيمكن ان يكون المغضوب عليهم والضالون من اتباع محمد ومن غير أتباع محمد. وهذه التفاسير والمفاهيم وضعت عندما كانت هناك دولة قوية تنظر الى رعايها من أهل الكتاب نظرة سيطرة وترفع ورحمة وليس نظرة مساواة. أما اليوم فإن دولة المواطنة ودولة لا إكراه في الدين هي الصيغة المعدلة والأعلى من دولة المؤمنين وأهل الذمة التي كانت أول شكل للدولة. في دولة المواطنة لا فرق بين مسلم مؤمن ومسيحي ما دام الاثنان يدفعان الضرائب، ولكن هناك فرقاً في الإيمان. أما أركان الايمان بالنسبة للمؤمنين من صوم وصلاة فهي مفصولة عن الدولة، ولكن غير مفصولة عن المجتمع. { أعود لسؤال كنت طرحته عليك في مقابلة سابقة أجريتها معك قبل عام ونصف، حول ضرورة فهم النص القرآني داخل المجال التداولي للغة العربية في عصر نزوله وداخل السياق الداخلي للآيات في علاقتها مع أسباب التنزيل، وحول ان ألوهية النص القرآني لا تعني أزليته، لأنه لا يمكن ان يكون القرآن أزلياً بجانب الله، وأن تاريخية النص القرآني لا تعني زمنيته، او كما يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد: القرآن نص نزل في التاريخ ويعكس لنا حالة التاريخ قبل نزوله ولحظة هذا النزول اي انه يحمل ملامح القرن السابع الميلادي، وهو يتفاعل مع التاريخ تفاعلاً حراً وسيستمر عمله في التاريخ. يومها أجبتني بما يخالف هذا الرأي وقلت: ان كتاب الله هو كينونة وصيرورة، كينونة في ذاته ولغيره سيرورة وصيرورة. وتحدثت عن ثبات النص وحركة المحتوى وقلت بالحرف: »ان القرآن كلام إلهي وهو وحيد وعالمي والرسول خاتم الأنبياء، لذلك وجب ان تكون في الصياغة خاصية غير موجودة في صياغة اخرى. هذه الخاصية تتجسد في كون الصياغة ثابتة والقارئ متغيراً. وأضفت ان النص القرآني صالح لكل زمان ومكان، ولكن القارئ يختلف باختلاف الزمان والمكان. دكتور شحرور ألا تعتقد ان هناك تناقضاً بين ما ذكرته سابقاً وما تقوله اليوم من ان سورة »التوبة« مرتبطة بحيثيات الدعوة النبوية، وكأنك تنسخ هذه السورة؟ لا، ليس هناك تناقض، ان ارتباط سورة التوبة بحيثيات الدعوة المحمدية، وكونها السورة الوحيدة التي لا تسبقها البسملة، يجعل آياتها غير صالحة لكل زمان ومكان. وهذا يعود الى قوله تعالى: (الرحمان علّم القرآن، خلق الانسان، علّمه البيان). وكلمة »علم« في اللغة العربية لها معنيان. المعنى الأول يأخذ مفعولين به كقوله »علم الانسان البيان« اي بمعنى درّسه. اما عندما تأخذ كلمة »علّم« مفعولا واحدا كقوله تعالى »علم القرآن«، فالمعنى هنا انه وضع عليه علامة. وعلامة القرآن في المصحف هي الرحمان. ومن هنا، عدم وجود »بسم الله الرحمن الرحيم« في بداية سورة التوبة معناه انه ليس فيها قرآن، فالقرآن وضعه الله لحفظ الأحكام، وهذه السورة لا أحكام قرآنية فيها، وليس هناك آيات قرآنية فيها. اي انه هناك قصص قرآني عن نوح وهود وصالح.. الخ، وسورة التوبة هي قصص عن الرسالة المحمدية وعن حيثياتها تماما كما ان هناك قصصا وحيثيات عن دعوة موسى عليه السلام. { نأتي الآن لموضوع الجهاد في الاسلام، وعلاقته باستخدام العنف وبالقتال في سبيل الله، ما هي قراءتك لهذا الموضوع الشائك في الاسلام؟ قبل ان أجيب عن هذا السؤال، أحب ان أقدم توضيحا يخص الفرق بين كلمتي عباد وعبيد. ان كلمة الله العليا التي سبقت لأهل الأرض ان الناس كلهم عباد الله وليسوا عبيدا له، (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون). فالناس يطيعون الله بملء إرادتهم ويعصونه بحرية اختيارهم، ومن أجل ذلك خلقهم. فالمؤمنون عباد الله والعصاة عباد الله والملحدون عباد الله. الناس كلهم عباد الله، خلقهم وترك لهم في آيات عديدة حرية اختيار الطاعة والمعصية، والايمان والكفر، ثم وعدهم باللقاء ليكافئ من أحسن الاختيار ويعاقب المسيء. فكلمة عبد في اللسان العربي من أفعال الأضداد تحمل معنى الطاعة والمعصية، وهناك فرق كبير بين عباد وعبيد. (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي خلقهم ليكونوا عبادا أحرارا وليسوا عبيدا، ولا كما يقول البعض من اجل الصلاة والصوم. الآن في الجهاد هناك نوعان ويأتي هذا من قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبرّوهم وتُقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). فهناك الجهاد في سبيل الله، وهو الجهاد من أجل رفع الإكراه عن الناس، أي أن تكون كلمة الله العليا هي في سبيل حرية الاختيار من أجل الناس جميعاً وليس من أجل المؤمنين فقط. فالقتال في سبيل الله هو قتال في سبيل (لا إكراه) عموماً، و(لا إكراه في الدين) خصوصاً، ففي البلاد التي يُكرَه فيها الناس على أداء الصلاة او تجبر فيها النساء على ارتداء الحجاب فكلمة الله هي السفلى، وفي البلاد التي يُمنع فيها الناس من أداء الصلاة او تمنع فيها النساء من ارتداء الحجاب فكلمة الله هي السفلى. والجهاد في سبيل الله هو ضد الاستبداد ومن أجل الحرية للناس قاطبة ولرفع الإكراه عنهم، وهو جاء كفريضة لأتباع محمد فقط، ولا يحق إلزام غيرهم به إلا طوعاً. وهذا الجهاد له أشكال عدة وقد يكون استخدام القوة مرحلة من مراحل الجهاد وأحد أشكاله. لكن هناك ايضا الجهاد بالمال والكلمة وقول الحق. أما استعمال القوة والعنف فتقرره الشروط الموضوعية من العلاقات الدولية وتوازن القوى السياسي والعسكري وغير ذلك. أما النوع الثاني من الجهاد والقتال فهو في سبيل عدم الإخراج من الديار، وهنا يقاتل أهل الديار من مسلمين مؤمنين ومسيحيين وغيرهم، وليس أتباع محمد فقط، فهذا ليس قتالا ًفي سبيل الله بل في سبيل الارض والديار. { هل تعتقد ان هناك شروطاً تضبط استخدام العنف في الجهاد؟ وهل كل أنواع العنف مباحة عندما يكون الوضع كحال الأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم؟ هناك ثلاثة شروط لذلك واردة في الآية التالية من سورة البقرة: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين. وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين). هنا نلاحظ انه يجب ان لا نكون البادئين في الاعتداء، وأن نتقي الله في أعدائنا إذا كنا الاقوى، وإذا كنا الأضعف فعلينا ان نمارس كل أنواع الجهاد وأن نعرف كيف نستخدم العنف حتى لا نلقي بأنفسنا الى التهلكة. فمثلاً أن نحارب اليوم أميركا بالقوة فسنخسر، ولكن يمكننا إنفاق أموالنا كما تفعل اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة. في ما يخص الشعب الفلسطيني بنضاله ضد اسرائيل فهو محق، ولكن كونهم أصحاب حق لا يعني أنهم دائما على صواب في إدراتهم للصراع مع اسرائيل. وأي عمل عسكري او استشهادي لا يرافقه فكر سياسي ناضج فهو عبث وهدر للدماء والأموال. عندما تتحول العملية الاستشهادية الى مؤسسة فهذا خطأ، وهذه المؤسسة قد تنقلب الى أهداف ثانية، وربما إجرامية كما حدث مع ابن لادن. الاستشهاد لا يحوّل الى مؤسسة، وقرار الاستشهاد قرار فردي، فالله هو واهب الحياة وليس لأحد الحق بنزعها غيره. وبحسب منطقهم فلم يثبت أن الرسول أرسل أحدا الى حتفه بل كان يقول لهم: من قاتل مقبلاً غير مدبر وقُتل فله الجنة. مثلاً الطيار السوري الذي فجر طائرته الميغ بطائرة إسرائيلية، لم تأمره قيادته بل أخذ قراره بنفسه. انا أجلّ هذا القرار، وقيادته كرمته بعد ذلك. { لكن هل نحن مضطرون دائما الى العودة الى الدين؟ ولماذا يجري اليوم في كل صراعتنا السياسية إقحام الاسلام في المعركة وعلى يد المسلمين أنفسهم؟ لا. الاسلام غير قابل للتسييس، وإذا تم تسييسه مات بموت الدولة التي سيّسته. وكتاب الله يكفي لإقامة مجتمع انساني ولا يكفي لإقامة دولة في حدود التاريخ والجغرافيا. فهو يحوي فقط على الكليات والنواميس العامة، ويحتاج الى إضافات وليس الى شروحات كما يقولون. وهذه الاضافات مثلاً قام الرسول بها لبناء دولته ومجتمعه في شبه جزيرة العرب في القرن السابع. وفي حاضرنا الراهن هذه الاضافات هي القانون المدني والبرلمانات. { لكن معظم تيارات الإسلام السياسي تدعو الى إقامة الدولة اليوم على نفس الأسس التي قامت عليها في عهد الرسول والخلفاء الراشدين؟ المشكلة هنا هي في قياس الشاهد على الغالب، فمثلاً كل الإجراءات السياسية التي قام بها الرسول والخلفاء الراشدون هي ليست شرعا إسلاميا ولا يقاس عليها. فكل الاجراءات في بناء الدولة وتنظيم المجتمع والحروب والقرارات العسكرية هي إجراءات دنيوية سياسية لا يقاس عليها. فمثلا ًالنبي قام وقتل بني قريظة وقتل فيهم كل من أنبت (كل من بلغ سن البلوغ) وليس فقط المقاتلين، بسبب خيانتهم للعهد بينهم وبين النبي. وإذا أردنا ان نقيس على هذه الحادثة يحق لنا ان نقتل كل من يعيش في بلد يخون العهد مع دولة مسلمة. نحن هنا لا نوجه اللوم الى هذا القرار السياسي البحت، لكننا لا نقيس عليه. فالنبي محمد اتخذ في حينه قرارا عسكريا وسياسيا مرتبطا بظروف بعصره. ونحن لا علاقة لنا بهذا القرار. الاشكالية هنا ان السنة النبوية تحتاج الى اعادة تعريف. ومن دون ذلك ستبقى الامور عالقة، فالرسول كان يأمر وينهى وأوامره ونواهيه لا تحمل الطابع الأبدي. كمثال قانون السير، لنفرض ان الرسول لا يزال حياً ووضع ملاحظاته على قانون السير، بالنسبة لأصول الفقه هذه الملاحظات ستأخذ الطابع الأبدي وتتحول الى شرع إسلامي. إشكالية المسلمين الكبرى أن الثقافة العربية البدوية التي سادت في القرن السابع الهجري في شبه الجزيرة العربية تحولت برمتها الى دين. من اللباس الى الآداب الى العادات الاجتماعية الى المأكل وحتى الموسيقى. فمثلا ًالدف الذي كان الآلة الموسيقية الوحيدة السائدة تحول في يومنا هذا الى موسيقى إسلامية. حتى أكل التمر أصبح إسلاماً، والذي لعب دوراً منهجياً في تحويل هذه الثقافة الى دين هو الشافعي. عندما يتكلم الفكر الايديولوجي الاسلامي عن الموسيقى الاسلامية والعمارة الاسلامية وفن القصة الاسلامي والشعر الاسلامي، فإن هذه التسميات وهذا الفكر يشبه الفكر الايديولوجي الشيوعي، والفرق الوحيد بينهما، ان الاول مؤمن والثاني ملحد، وبالمناسبة ابن لادن في العام 1998 شكل أممية أسماها »الأممية الاسلامية« تنتشر في العديد من البلدان. عندما تُفرض ثقافة أحادية المحور، وتبذل الجهود لأدلجة المجتمع في كل جوانبه، فالنتيجة ستكون حكما شموليا إرهابيا. { دكتور شحرور، لديك نظرية خاصة في شأن حاكمية الله ومن يقول بها، هل تستطيع أن توجزها لنا؟ ان حاكمية الله بشكلها المطلق الصافي لا وجود لها إلا عند الله، أما محاولات التطبيق كلها فنشاطات إنسانية بحتة لا علاقة لله أو لحاكميته بها لأنها نشاطات سلطوية تاريخية جغرافية محددة. وكل من يزعم انه يمثل حاكمية الله فهو مضلل مفسد وذلك لتغطية القمع ومصادرة الحريات. وفي ما يخص حاكمية الله فهناك خمس نقاط أحب ان أعرضها: 1 الله لا يُشرك في حكمه أحدا، وكل من لا يشرك في حكمه أحدا فقد تعدى على الله في حاكميته. 2 الله كما تقول الآية (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون). وكل من يضع نفسه فوق كل مساءلة فقد تعدّى على الله في حاكميته. 3 الله بحسب الآية (فعّال لما يريد)، وكل انسان يضع نفسه في موضع فعال لما يريد فقد تعدى على الله في حاكميته. 4 الله رب السموات والارض وكل انسان يفترض ان البلاد والعباد هي ملكه الشخصي فقد تعدى على الله في ربوبيته. 5 الله سبحانه وتعالى إله العالمين. وكل انسان يطلب الطاعة المطلقة من الآخرين فقد تعدى على الله في ألوهيته. وكل نظام حاكم يجب لهذه الامور الخمسة ان لا توجد فيه. وهذا هو النظام التعددي ونظام الاحزاب والمعارضة والرأي والرأي الآخر، ونظام المساءلة. وبالتالي الدولة هي عقد بين السلطة والمواطنين عن طريق الدستور الذي يجب ان يكفل عدم وقوع هذه الامور الخمسة. اليوم هناك ثلاثة حلول: إما ان تندثر الأمة، او ان تتخلى عن الاسلام او تعمل على إصلاحه. وإلا فإنني أبشر الانظمة والحكام العرب من المحيط الى الخليج بطيب إقامة وطول سلامة، ما دامت مشكلة الحرية مستعصية في رؤوس الناس كما في بنية الانظمة. ففي تاريخنا مفهوم الاستبداد راسخ، ومفهوم الحرية هو فقط بالضد من الرق، وهذا المفهوم يحتاج اليوم الى إبداع، والإبداع لم يحصل بعد.