As Safir Logo
المصدر:

التعليم الديني بين تراجع السلطة ورفض الطوائف لكتاب موحد المناهج القديمة خلت من المادة وتدريسها ولَّد فرزاً أو انقساماً

المؤلف: علوه سعدى التاريخ: 2001-12-11 رقم العدد:9077

عندما »خرجت« الدولة اللبنانية من اتون الحرب الأهلية، ونهضت تلملم مؤسساتها، حاولت ترتيب »البيت التربوي« بالمناهج التي صدرت بالمرسوم الرقم 10227 تاريخ الثامن من أيار 1997، فأعادت إخراج التعليم الديني من مباني المدرسة الرسمية، مقررة تأمين ساعتين له يومي الجمعة والأحد اختياريا لمن يشاء من التلامذة من خارج الدوام الرسمي. أثارت الخطوة حفيظة رجال الدين والأحزاب المرتبطة بطوائفها، فأقاموا القيامة ولم يقعدوها إلا بقرار وزاري صدر بتاريخ 10/11/1999 خص التعليم الديني »بحصة دراسية كاملة أسبوعيا«، على أن يتم حصر التعليم فيها وتحت طائلة المسؤولية بكتاب يصدر عن المركز التربوي للبحوث والإنماء وذلك بدءاً من العام الدراسي 2000 2001، وها نحن قد باشرنا العام الدراسي 2001 2002، ولم يصدر بعد، بل ان معدي المناهج من لجان دينية ومختصين طالبوا بالتمديد ثلاث سنوات قبل إنجاز مهمتهم. ولم يشر المعنيون في الدولة إذا كان رجوعهم عن قرار سحب التعليم الديني من الدوام الرسمي، ينسجم مع حديثهم عن إلغاء الطائفية السياسية، ومدى تأثيره على هذا البند الذي يعتبر من أهم ما نص عليه اتفاق الطائف، وما إذا كان خطوة على طريق »إلغاء الطائفية من النفوس قبل النصوص«. ولم تشر القرارات الوزارية المتتابعة لا إلى المدارس الخاصة »حرصا على احترام حريتها«، ولا إلى تعدد الطوائف والمذاهب والفرق الدينية التي تفتتح لنفسها مدارس ومعاهد تعليم وتعمل على تأليف الكتب الدينية التي تعتمدها في مؤسساتها، ولا إلى الفرز الطائفي الذي يولده إخراج أبناء إحدى الديانتين لدى تدريس الأخرى، ولا إلى مصير ساعات الفنون والنشاطات المتنوعة التي أتت حصص الدين على حسابها، عملا بالمرسوم الجمهوري الرقم 1847 تاريخ 6/12/1999 والذي صدر ليؤكد قرار مجلس الوزراء الذي أعاد التعليم الديني بتاريخ 10/11/1999، كل ذلك بغض النظر عن المناهج الجديدة التي قيل »إنها متطورة وعصرية تعطي النشاطات اللاصفية بعدا أعمق من المناهج القديمة«. علت صرخة بعض العلمانيين والجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان مشيرة الى خطورة الوضع بما أن الدولة لم تعمد يوما إلى وضع مناهج دينية بناء على اعتبارها الدين شأنا خاصا يمكن التطرق إليه في البيت ودُور العبادة وليس على مقاعد الدراسة، كما سبق لها أن أخرجت التعليم الديني من المدرسة الرسمية نظرا للفرز الطائفي الذي كان ينتجه ولتعدد المرجعيات والفرق الدينية وكتبها و»السيبان« التربوي في هذه الناحية الحساسة، فضلا عن وجود طوائف لا تريد تعليم أبنائها الدين في المدرسة كالموحدين الدروز مثلا. وهناك من يقول بعدم إمكانية تعليم الإيمان ووضعه في مناهج واحتسابه علامات ونقاطا، تحدد مصير هذا الطالب وذاك، وضرورة احترام الرغبة الشخصية سواء للأهل أم للتلميذ في تقرير مدى رغبته في الخضوع للتعليم الديني أم لا. لم تنه اللجان الدينية والأخرى المختلطة ما بين دينيين وعلمانيين وتربويين، والتي شكلت الواحدة تلو الأخرى، وضع المناهج التي سيتم على أساسها تأليف الكتب الدينية الخاصة بالمدرسة الرسمية، ومع ذلك يجد المسؤولون عن المدارس الرسمية أنفسهم وجها لوجه أمام السلطات الدينية المسيطرة في المناطق التي تتواجد مدارسهم في نطاقها مضطرين الى القبول بمن تعينه هذه السلطات لتعليم الدين بغض النظر عن مدى تعدد الطلاب ما بين ديانات ومذاهب مختلفة داخل الطائفة الواحدة حتى. فهذا مدير مدرسة تكميلية رسمية في إحدى المناطق النائية وجد وسيلة لإرضاء الجهتين النافذتين في نطاق مدرسته بأن منح إحداهما تعليم الدين في القسم الابتدائي، والثانية في المتوسط، »هيك بتجنب المشاكل وبنفذ قرار وزارة التربية بتعليم الدين«. ما هي قصة التعليم الديني وكيف تتعاطى الدولة مع الموضوع وأين أصبح الكتاب ومن سيضعه ويعلمه ولماذا لم تنجح الدولة في فرض كتاب ديني موحد لكل الطوائف، ولماذا لم يقبل رجال الدين من جميع الطوائف بتضمين كتب المرحلة الابتدائية بملحق عن الديانة الأخرى... وما هو موقف العلمانيين من الموضوع وماذا سيتعلم تلامذة المدارس الرسمية في ظل عدم إنجاز الكتاب المقرر وفي أي كتاب ومن سيعلمهم وماذا سيفعل التلامذة المسلمون في حصة الدين المسيحي وبالعكس، وهل من حق مديري المدارس الرسمية أن يقولوا لا للخوري وللشيخ طالما أن الكتاب الذي أقرته الحكومة غير متوفر بعد كما فعلت مديرة إحدى المدارس في بيروت؟. أما قمة المفاجآت فكانت باعتبار أحد المراجع الرسمية أن لا مشكلة في خروج أبناء الديانة المسيحية في حصة الدرس الديني الإسلامي وبالعكس، فالمدارس المسيحية تعطي دروسا دينية مسيحية والمدارس الإسلامية تعطي دروسا دينية إسلامية. وعندما ذكرنا المرجع الرسمي بأننا هل يمكن أن نتحدث عن المدرسة الرسمية بروح »تقسيمية«، وانه على الرغم من كل شيء لم يزل هناك مدارس رسمية مختلطة، قال إن الحديث »مش للنشر بس المناطق صارت مفروزة يعني تلقائيا المدارس كمان«. يذكر أنه من المتوقع أن يبحث مجلس الوزراء في جلسته المقبلة طلب التمديد ثلاث سنوات الذي تقدمت به اللجان الدينية، المشتركة، المكلفة وضع المناهج للكتب الدينية المقرر اعتمادها في تعليم الدين في المدارس الرسمية. تاريخ التعليم الديني تحترم الدولة اللبنانية، التي هي دولة علمانية، بمعنى لا دين رسميا لها، ووفقا للمادة التاسعة من الدستور كل الأديان وتقف على مسافة واحدة من المذاهب المختلفة. ووفقا للمادة العاشرة من الدستور، فإن المدارس الخاصة في لبنان حرة بمناهجها وبالتالي بتعليم الدين أم لا. وبالنسبة الى المدارس الرسمية وانطلاقا من نظرة الدولة الى الدين كشأن خاص بالجماعات الدينية وأهالي التلامذة فقد تم تعطيل الدراسة يومي الجمعة والأحد (لرمزيتهما بالنسبة للديانتين الأساسيتين في البلاد) بغية تمكين أبناء جميع الطوائف من تلقي وممارسة شعائرهم الدينية خارج المدرسة وعلى أيدي رجال الدين أو الأهل... وانسجاما مع التوجه المذكور خلت المناهج التربوية الرسمية في لبنان وعبر التاريخ من منهج رسمي خاص بالتعليم الديني، وترك الأمر »للسلطات الدينية لتعيين من تراه مناسبا للتدريس«، واقتصرت مشاركة الدولة بعد تحديد جدول توزيع مواد ساعات التدريس الأسبوعية على عبارة »وبالإضافة الى الساعات المذكورة أعلاه، تخصص ساعة في الأسبوع للتربية الدينية، تؤمن تدريسها السلطات الدينية المختصة«... وفي أول تحديث تربوي للمناهج بعد الحرب لم يتم ذكر التعليم الديني في أي من مراحل التعليم واقتصر وجوده على تضمين منهج الفلسفة والحضارات بعض الفصول عن الديانات في إطار »محاور الحضارات« لمرحلة التعليم الثانوي، ولكنها خصصت في المقابل حصة دينية اختيارية يومي الجمعة والأحد لمدة ساعتين لمن يشاء من الطلاب من خارج الدوام الرسمي. اعتبر بعض رجال الدين ومعهم الأحزاب المحسوبة على طوائفها، أن ما يجري هو »بتر للدين على غرار ما حصل في فرنسا في العام 1887 أيام جول فاري«، وأدت الضغوطات الى إعادة التعليم الديني على حساب النشاطات اللاصفية، مع تطور آخر قضى بوضع منهجية للتعليم الديني في لبنان وإمكانية دفع رواتب معلمي الدين وضمهم لملاك التعليم الرسمي وهو ما لم يحصل في تاريخ القطاع التربوي في لبنان. مؤيدون ومعارضون يبرر عضو لجنة الحوار المسيحي الإسلامي الدكتور محمد السماك مطالبة اللجنة بإعادة التعليم الديني الى المناهج التربوية انطلاقا من رؤيتها أن »المجتمع اللبناني الخارج من الحرب بحاجة الى تعزيز القيم الأخلاقية التي هدمتها ثقافة الحرب وعدم تحميل الدين مسؤولية الانقسام بين اللبنانيين من خلال الإيحاء وكأن وقف تعليمه يساعد على تحقيق الوحدة الوطنية«. ولكن السماك يعترف في المقابل بأن القيم الأخلاقية ليست مرتبطة فقط بالدين وأن أسوأ ما في التعليم الديني بصيغته السابقة هو الفرز الطائفي الناتج عنه من جراء خروج أبناء إحدى الديانتين لدى تدريس الأخرى، »فهو رسالة تهديدية وتكرس التفرقة بين الديانتين، وأعتقد أنه تم إلغاؤه لهذا السبب«. مع الإشارة الى أن الوضع سيظل على حاله (وهو ما أبدى السماك أسفه عليه) مع رفض الجهات الدينية إنجاز كتاب ديني موحد لجميع الطوائف، كما رفضها تضمين الكتب الدينية لكل طائفة فصولاً عن الديانة الأخرى. ويرى السمان انه لا يمكن معالجة الخطأ بخطأ أكبر عبر إلغاء التعليم الديني من المدارس«. في المقابل، تعتبر الدكتورة في علم الاجتماع والعلوم التربوية من حركة حقوق الناس أوغاريت يونان »ان الوضع يشكل فرصة ذهبية للطوائف ورجالها، فهي المرة الأولى التي »سيمنهج« فيها التعليم الديني ويتم التعاطي معه كمادة دراسية يخصص لها الكادر التعليمي الرسمي«. وتدعو يونان »العلمانيين ومن يحترمون حرية المعتقد إلى عدم اعتبار المهلة التي تطلبها الطوائف وقتا ضائعا« وإنما »عليهم تحمل مسؤولياتهم والتصرف على أن هذا الوقت هو وقتهم وسحب موضوع التعليم الديني من أسفل الأولويات الى رأسها وتشكيل قوة ضاغطة على غرار التكتل من أجل الزواج المدني وخفض سن الاقتراع والتحرك لمنع التعاطي مع موضوع التعليم الديني بالطريقة التي تجري فيها الأمور، خصوصا ان الطوائف غير متفقة على كتاب موحد في داخل الطائفة الواحدة حتى وان ما يحصل هو أن الطوائف وللمرة الأولى هي التي تستمهل الدولة وتطلب التمديد لعدم جهوزيتها واتفاقها في ما بينها«. وتدعو يونان رجال الطوائف الى »الإفادة من الثلاث سنوات التي يطلبونها وإنجاز كتاب موحد يشدد على القيم المشتركة بين الأديان وبذلك يخدمون الدين والوطن ويخدمون أنفسهم أيضا«. في المقابل يرى السمان أن اللجان التي تم تأليفها على المستويين المسيحي المسيحي والإسلامي الإسلامي تعمل للتوصل الى مناهج موحدة داخل كل طائفة تمهيدا »لتأليف كتاب ديني موحد للمسلمين وآخر موحد للمسيحيين«. ويعتبر السمان »ان إلغاء التعليم الديني من المدارس هو بمثابة الطلب من التلامذة، وفي ظل التعطش لمعرفة الدين والاحتماء به كأمر روحي، البحث عنه لدى الجمعيات والمنظمات الدينية المتطرفة الواسعة الانتشار لدى الطوائف«. في المقابل ترى يونان أن لدى الطوائف كل الأماكن للتبشير بدءا من أماكن العبادة وصولا الى وسائل الإعلام التي تمتلكها كل منها، خاصة ان حرية الدين في لبنان »مطفطفة« إلى درجة تأكل فيها الحريات الأخرى. وتصف يونان كتب الدين التي تدرس في المدارس كافة »بأنها تزرع الرعب في نفوس التلامذة بدل الإيمان الطيب وتعلم الخوف من الله ومن الدين والطرف الآخر، وتكرس في رأس التلميذ انه هو الحق«. وتقول يونان »إننا حتى عندما نجد كتابا لا يذم بالآخر فإنه يقول للتلميذ أنت الحقيقة وما تؤمن به هو الحق، وبالتالي فإن الآخر هو الخطأ والباطل، وهو ما يمهد ويهيئ للعنف ويغذي التطرف«. وبالإضافة إلى »أنه لا يمكن تعليم الدين بالمسطرة وعلى الطاولة وبسلطة احتساب العلامات والنجاح«، ترى يونان أن الدين كقيم وانتربولوجيا وكتاريخ يمكن إدخاله إلى التعليم ضمن كتاب التاريخ أو من خلال دروس في كتب القراءة كما هو جار في بعض الأحيان. وتشير يونان إلى أن حركة حقوق الناس بصدد إصدار كتاب يتضمن بالإضافة إلى الندوة التي نظمتها الحركة عن التعليم الديني، بدائل واقتراحات للتعليم الديني في المدارس مع عرض لتجارب وأمثلة من اثني عشر بلدا تشبه في تركيبتها وتعددها الديني لبنان. تأخر منهج الكتاب ويرى بعض المعارضين لإعادة التعليم الديني أن التأخر في وضع الكتب الدينية يعود إلى الخلافات المستشرية بين مذاهب كل ديانة على حدة، كون الدولة قد ألزمتهم بكتاب موحد لكل طائفة، وبما أن خلافاتهم كبيرة فإنهم يحتاجون إلى وقت طويل لتذويبها، إن تمكنوا من ذلك، تمهيدا لوضع أسس مشتركة يمكنها التطرق الى نقاط الخلاف سواء على الصعيد المسيحي المسيحي أو الإسلامي الإسلامي. يقول الشيخ عبد الحليم شرارة، ممثل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في اللجنة الإسلامية الإسلامية، ان مناهج الكتب الدينية أصبحت جاهزة »ومهلة التمديد ثلاث سنوات هي لتأليف الكتب، وقد علمنا أنه تم وضع طلب التمديد على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقد يتم البت فيه في أي جلسة مقبلة«. ويرفض شرارة ومعه أمين سر مفتي الجمهورية الشيخ محمد نقري وجود أي خلافات بين اللجان عازيين سبب التأخير في تأليف الكتب الى ضرورة التروي لإنجاز أفضل كتب ممكنة. ويقول النقري: ان الخلاف بين السنة والشيعة هو خلاف سياسي وليس دينيا، ونحن على سبيل المثال نعتبر ان الذين قتلوا الحسين آثمين، ونحن سنترك المسائل الخلافية للهوامش، فنقول مثلا »ان الشيعة يرون في هذه المسألة كذا... والسنة كذا...«. ويقر رجال الدين في اللجنتين المسيحية والأخرى الإسلامية برفضهم إنجاز كتاب دين موحد لجميع الطوائف، كما كانت رغبة مجلس الوزراء بداية، ولا حتى تضمين كتب الإسلام فصولا عن المسيحية والعكس صحيح، وذلك في المرحلة الابتدائية. ويوضح الأب بولس خليفة عضو اللجنة المسيحية المسيحية »ان اللجنتين المسيحية والإسلامية اجتمعتا مرات عديدة بعد صدور قرار مجلس الوزراء الرقم 112 تاريخ 10/10/2000 وتبنت توصية الى الحكومة بضرورة وضع كتاب ديني واحد للمسيحيين وآخر للمسلمين، وذلك لكل صفوف المرحلتين الأساسية والثانوية، على ان يضمن كل من الكتب الثانوية قسما يعرف بالدين الآخر يكتبه منتدبون من قبل المرجعيات الدينية للدين الآخر. وطالبت اللجنتان بحصر وضع المناهج وتأليف الكتب بالمرجعيات الدينية عبر اللجان المشكلة من قبلها لهذا الغرض، وكذلك تعيين أساتذة التعليم الديني والإشراف على تدريبهم وتأهيلهم المستمر، بالاضافة الى تشكيل لجنة وطنية موحدة للتعليم الديني تضم، في من تضم، ثلاثة أعضاء من المركز التربوي، بمن فيهم رئيسه، وثلاثة أعضاء مسلمين وثلاثة أعضاء مسيحيين، تكون مهمتها النظر في المسودة النهائية للكتب لجهة الوفاق الوطني والعيش المشترك.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة