As Safir Logo
المصدر:

هل »يحق« للمريض معرفة مدى خطورة مرضه؟ علاقة الطبيب بمريضه تحكمها الأخلاق فقط والقانون غير واضح

المؤلف: سميح مريم التاريخ: 2001-12-04 رقم العدد:9071

ماذا يعني ان يقول الطبيب لمريضة انها يجب ان توقع على اوراق الموافقة على عملية جراحية لاستئصال رحمها؟ هكذا ومن دون مقدمات او شروح؟ الى اي مدى يحق للمريض ان »يعرف« او يناقش في الامور التي تخصه وتتعلق بأهم ما يملك.. حياته وصحته؟ جربت سلام ان تستفهم من الطبيب عن اسباب اخرى لقراره هذا غير »التليّف« الذي ظهر في صورة الاشعة وعن نتائج العملية الجراحية التي تقررت بعد ظهور هذه النتائج، الامر الذي اثار حفيظة الطبيب »اذا كنت لا تثقين بما اقوله فيمكنك ان تذهبي الى طبيب اخر وانتهينا، في النهاية انها حياتك وليست حياتي«. كانت السيدة تعرف انه الطبيب الافضل في اختصاصه لذا فإن اخر ما يمكن ان تفعله هو الشك به او في قدراته الطبية، لكنها كانت تريد ان تعرف اكثر وان تبحث في خيار العملية الجراحية ونتائجها، خصوصا عندما »يلعب الفار في الرأس« وتضربه الشكوك »اعتقدت اني اعاني من السرطان وانه لا يريد ان يخبرني«. لم يكن لدى الطبيب اي رغبة في اخفاء معلومات عن مريضته او ايهامها بشيء لم تكن تعاني منه بل اراد التريث في الحكم الى ما بعد العملية الجراحية »لم اكن اريد ان اناقش في امور لا تفيد« يقول. فهو اعتبر انه يتمتع بخبرة وتاريخ طبي يخولانه تقرير الداء والدواء معا، ولذلك كان على السيدة ان تكتفي بما قاله والا فهو لن يستطيع »اكمال علاجها«.!! تختلف الدكتورة ماجدة الداعوق، الاختصاصية في امراض الكلى في الجامعة الاميركية، مع رأي الطبيب »فالناحية الانسانية توازي من حيث الاهمية الناحية الطبية ومهارة الطبيب. ولا ينبغي له ان يتحول الى آلة او جهاز كمبيوتر«. اما الاختصاصي في امراض القلب الدكتور وليد غرز الدين فيعتقد »انه في الحالات الحساسة كالقلب والكلى والسرطان يجب ان »يحكم العلاقة نوع من الثقة والاعتماد على الطبيب«. لا يمكن لهذه الحادثة ان تعمم على علاقة الاطباء مع مرضاهم الا ان ذلك لا يعني انها لا تحصل بكثرة وهذا ما يطرح بالطبع سؤالا عما يحكم علاقة الطبيب والمريض »ادبيا« لناحية الصراحة المتبادلة »وحق المعرفة والاختيار« وتحديدا نوع العلاج الذي سيتلقاه المريض ومعرفته لكل ما له علاقة بمرضه من الناحية السلبية قبل الايجابية. تحدد بعض المواد »قانون الآداب الطبية« واجبات الطبيب نحو مريضه فالمادة السابعة والعشرون تلزم الطبيب بمعاملة مريضه »بإنسانية ورفق واستقامة وان يحيطه بالعناية والاهتمام«. ويلفت البند الرابع من المادة عينها الى انه »يجب على الطبيب ان يحترم ارادة المريض« لكنها لم توضح ما هي الامور التي يجب على الطبيب ان يحترم فيها ارادة مريضه ان لجهة نوع العلاج مثلا او التوقف عن تلقيه او غيرهما. كما انها لا تتطرق الى »مقدار« الصراحة او الحقيقة التي يجب ان يفصح بها للمريض بل يترك تحديد ذلك بطريقة غير مباشرة للطبيب نفسه. ولذلك تختلف الطريقة المتبعة بين طبيب وآخر. فرئيس الجمعية اللبنانية لمكافحة امراض السرطان والأخصائي في علاج الامراض الداخلية والدم والأورام الدكتور ناجي الصغير يرى »ان المهم هي الصحة، اي صحة المريض، وليس الصراحة« فبالنسبة اليه »هدف الطبيب هو الاهتمام بصحة المريض نفسيا وجسديا ومعنويا ولذلك عندما يلجأ المريض الى الطبيب جل ما يريده هو الحصول على علاج جيد وهذا يعني انه يمنحني ثقته ويسلمني صحته وحياته« لكنه يضيف »هذا لا يمنع ضرورة شرح الوضع للمريض«. ولذلك تشارك الدكتورة داعوق المريض معلومات حول الادوية ونوعها »فأفسر لكل مريض ماهية الدواء الذي اصفه له وعوارضه الجانبية مع شرح لسبب اختياره بالتحديد وليس غيره. فالعمل مع المريض بوضوح يشعره بالراحة«. في المقابل لا يترك الدكتور غرز الدين مجالا لمريضه في اختيار نوع الدواء بل يكتفي فقط بذكر العوارض الجانبية »فأدوية امراض القلب محدودة«. وقد تختلف نسبة »المعرفة« التي يحظى بها المريض بحسب »مستواه العلمي ورغبته في المعرفة او نقاشه لطبيبه« كما يقول الدكتور غرز الدين. ويتجنب بعض الاطباء بل قد لا يرتضون اخبار المريض »بالتشخيص الحقيقي لمرضه اذا كانت حاله خطرة« او كان على شفير الموت ولبعض الاطباء اسبابهم »المهنية« في ذلك. فقد اظهرت دراسة قام بها طبيبان في كلية الطب في جامعة شيكاغو ان حوالي 64 في المئة من الاطباء لا يخبرون مرضاهم مدة الحياة المتبقية لهم على الرغم من ان الاطباء اكدوا ان العلاقة المثلى بين الطبيب ومريضه تحكمها الصراحة« ويوافق الدكتور الصغير على ذلك »فإخباره المدة الزمنية المتبقية له بكل بساطة لا تفيد العلاج«. ويرى الدكتور غرز الدين انه »من المهم جدا ان نستعمل الكلمات الملطفة عندما نخبر المريض بحالته لان كل ذلك يؤثر على نفسيته ومدى تقبله للعلاج ومن المهم ان لا ييأس«. لذلك فهو يلجأ الى اسلوب »النسبة« اي ان يقول لمريضه ان من يعاني حالته لا يعيش اكثر من فترة محددة او لديه امل محدد نسبيا في الشفاء. تعيش ناديا »ايامها الاخيرة« كما تقول احدى قريباتها ندى فهي مصابة بسرطان ذات الرئة منذ ستة اشهر. وقد ادخلت المستشفى منذ اسبوعين ولا تزال فيه. وتأكدت العائلة انه لم يبق لها الكثير من الوقت بعد ان اخبرهم الطبيب ان الحالة الآن »على الله«. لم يخبر احد ناديا ابنة الثلاثة والثلاثين عاما انها على شفير الموت بمن فيهم طبيبها »لماذا نخبرها، تقول قريبتها والحزن باد في صوتها، فهي تشعر بحالها وتعرف ان نهايتها قريبة. لكننا سنبقى الى جانبها كما طلب الطبيب الذي اكد لنا انها لن تشعر بتحسن اذا ما اخبرناها«. وتروي قريبة ناديا انها طلبت قبل يومين من اهلها ومن داخل الغرفة الزجاجية التي تسكنها ان ينقلوها الى منزلها لكنهم رفضوا علّ حالها تتحسن. وترى قريبتها ان طلبها »دليل واضح على انها تعرف«. ويشارك كل من الدكتور غرز الدين والداعوق قريبة ناديا الرأي »فالمرضى ليسوا اغبياء وهم يعرفون ان حالتهم خطرة وانه لم يبق لهم الكثير لكن لا يجب قول ذلك لهم من دون ان يعني ذلك ان نوقف علاجه لأنني ابقي الامل موجودا دائما فنحن بطبعنا عاطفيون جدا وممكن ان تصيب كلمة خاطئة المريض بالإحباط واليأس في وقت تهمنا حالته النفسية جدا في العلاج«. اما الدكتور الصغير فقد لاحظ »انه في كثير من الاحيان يلتزم المرضى بالعلاج وينصاعون لما يطلبه الطبيب منهم لكن لا يريدون ان يسمعوا ان مرضهم مستعص«. قد يكون اخبار احدهم بأنه يعاني من مرض مزمن او خطير من الامور الصعبة التي تواجه الطبيب والمريض على حد سواء وقد تؤثر على رغبة المريض في اكمال علاجه الا ان معرفة الحقيقة »الكاملة والصريحة« عن موعد الوفاة قد يمنح »في بعض الاحيان المريض وعائلته فرصة ثانية. فسعيد لم يسامح حتى الآن نفسه او طبيب والدته لانه لم يخبرها بوضعها الحقيقي. كانت والدته تعاني من ترقق متقدم في العظام وقد اكد الطبيب لها مرارا ان وضعها ليس خطيرا بل عليها ان تلتزم العلاج فقط« وكلما اتصل بها سعيد من المانيا حيث يعمل منذ اربع سنوات من دون ان تسنح له الفرصة بالمجيء كانت تعيد عليه ما قاله الطبيب وتطمئنه. لكن ما لم يكن سعيد ووالدته يعرفانه هو انها لم تكن ابدا بخير وأنها شارفت على النهاية. فقد فضل الطبيب ان لا يخبرها عن تطور حالتها الخطيرة لانها كانت تعاني حديثا من فقدانها احد اولادها الشباب بحادث سير ولم يكن يريد ان يزيد من »همومها وهموم عائلتها« كما اخبر سعيد عندما واجهه. اما سعيد الذي كان يؤجل دائما موعد عودته الى لبنان لرؤية والدته فقد فجع في احد الايام باتصال من احد اقاربه يخبره بوفاتها! لم يعد بيد سعيد حيلة الآن وهو ربما لو كان يعرف حقيقة وضعها لربما حضر لوداعها. لا يستطيع سعيد ان يقاضي الطبيب. اذ انه بحسب قانون الاداب الطبية اللبناني في مادته السابعة يستطيع الطبيب ان يخفي »بعض« المعلومات عن مريضه اذا ارتأى انها تضر بمصلحته. وبما ان الطبيب، كما اخبر سعيد، لم يجد اي فائدة »طبية« في اخبارها فإن القانون »يحميه«. في المقابل فإن البند الخاص الذي يتناول علاقة الطبيب والمريض في نصوص »الجمعية الطبية الاميركية« "American medical association" ينص على انه »يحق للمريض ان يعرف كل شيء عن حالته ومرضه كما يحق له الاطلاع على كل المعلومات التي يعرفها الطبيب حول مرضه ومناقشة »فوائد ومخاطر العلاج بالاضافة الى بدائله التي يمكن ان يقترحها الطبيب«. كما ينص بند »اخلاقيات العلاقة« في الجمعية على »انه من واجبات الطبيب ان يحترم ارادة مريضه ويؤمن له العناية الطبية الكاملة بالاضافة الى احترامه لمجمل حقوق الانسان في العلاقة«. كما انه يحق للمريض التمتع »بالسرية« حول مرضه والمعلومات التي يريد ان يعرفها الغير حوله. الا ان كل هذا يندرج بحسب الجمعية في اطار »اخلاقيات« المهنة نافية وجود نص قانوني في هذا المجال. فهل يصبح هناك في لبنان قريبا نص اخلاقي شبيه يحفظ للمريض حق الاطلاع وتقرير المصير؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة