As Safir Logo
المصدر:

»فقه العنف المسلح« للشيخ محمد مهدي شمس الدين السياسة بين فقه العنف وعنف الفقه

المؤلف: جابر حسن التاريخ: 2001-12-04 رقم العدد:9071

تكمن أهمية الكتاب موضوع القراءة في استطالة مساحة الفقه المستنبط تاريخيا ليستوعب حقلا جديدا بات اليوم من المسائل الشائكة التي كثر التخبط فيها بدعوى الاجتهاد، وجدة الموضوع لم يمنع المتطفلين من هتك عذريته، فغابت الحقيقة في أدغال الاستنتاجات الاستشهادية، وغدا الوقوف على الرأي الشرعي الواقعي شكلا من الاحاجي العصية على الفهم. وعلة هذا التخبط والضياع تعود الى التباس حدود هذا الحقل، إذ يتداخل التدبيري في التشريعي والسياسي في الديني والظرفي في المطلق الى ما هنالك من ثنائيات متنافرة ومتشابهة في آن، وقد أحسن العلامة محمد مهدي شمس الدين (رحمه الله) في تخيّر الباب الذي يلج به الى الحقل الجديد فعكست مقدمته الثرية مذهب العلامة في تصنيف العنف والجهاد فهو منحاز، كما يرشح من المباحث الاولى، الى الرأي الذي يدرج العنف تحت العنوان التدبيري ويخرجه من تحت عباءة التشريع، وقد أفرد في الكتاب بحثا مستقلا بعنوان »في الجدوى السياسية لاستعمال العنف المسلح« الذي يعتبره بمثابة الموضوع الذي يفترض تشخيصه وتحديده قبل البحث عن حكمه. وبما ان المعالجة تستلزم الدراسة المعمقة للظروف والمناخات والمؤثرات والمصالح والمفاسد وحدود صيانة النظام العام ومدايات المنفعة البعيدة عن استخدام العنف المسلح، فان القول الفصل فيها لا ينفرد فيها صنف من العلماء وانما يشترك فيه الساسة المتضلعون وأهل الرأي والخبرة والاستراتيجيون منهم تحديدا، وهذا يعني بعبارة اخرى، خروج الموضوع عن دائرة النص الشرعي لاتساعه وحيويته وعدم ثباته على وضعية محددة في الأزمان والأحوال. وكسرُ الإمام لحلقة احتكار أهل الاختصاص الفقهاء يفتح الباب واسعا لمشاركة أهل الخبرة في السياسة في صياغة وتحديد المصالح والمفاسد وبالتالي أتاح لهم رسم ملامح الحكم الذي ينبغي ترتبه على مقتضيات الجدوى، والذي اعتبره في المبحث الثاني اي »المشروعية الفقهية« مترتبا ومتأخرا ومنبنيا على الأول اي البحث في »الجدوى السياسية للعنف«، فالحكم دائما متأخر رتبة عن الموضوع وكما يقول الفقهاء »العرش ثم النقش«. العنف المسلح في السياسة ولا يضير البحث تصويب هدف الدراسة وحصرها في غير المتسالم عليه، فالعلامة لم يجد مسوّغا للحديث عن الجهاد الدفاعي في إطار رد الاعتداء او مقاومة المحتلين فهما خارجان موضوعا عن محل النزاع بين الفقهاء وأهل القانون، فهو لا يعدّهما من مصاديق العنف المسلح موضوع الدراسة، وانما يندرجان تحت عنوان الجهاد الدفاعي المشروع والواجب »بلا ريب«، كما أخرج العنف المسلح الذي يقع ردا على عنف مسلح مارسه خصوم وأعداء الحركة الاسلامية ضدها دون استفزاز »وهم الانظمة والاحزاب العلمانية« وان استدرك في النهاية بأن ذلك ليس »مشروعا بصورة مطلقة«، وقد تصدى في الأبواب اللاحقة لتفصيل صور وحدود الرد الممكن. فالهدف من الدراسة ينصبّ على أصل شرعية استعمال العنف المسلح باعتباره وسيلة في العمل السياسي، مع ملاحظة كون الاسلام يركز على السلام والمصلحة والحوار، فالاشكالية التي تصدى العلامة شمس الدين لمعالجتها تتمفصل حول معضلة التوفيق بين توخي العنف وسيلة في العمل الاسلامي وبين كون الدين قائما على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن. وأسهب في أبواب القسم الثاني في عرض الادلة التي تخرج العنف المسلح ذا الطبيعة السياسية من دائرة الحقول المشروعة، فنفى عن العنف صفة العمل الجهادي كما أزاحه عن ميدان »قتال البغاة« ورفع عنه عنوان »الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر« وهي جملة مسوّغات لو ثبت واحد منها لأمكن للحركة الاسلامية ان تتسلح بمشروعية استخدامها للعنف، غير ان العلامة شمس الدين لم يقر واحدا من عناوينها، وقد حرص في استدلاله على استخدام اللغة الفقهية ومنهج استنباط الاحكام المتعارف عليه عند أهل الحرفة والصنعة من الفقهاء والمجتهدين. وخلص في النهاية الى عدم مشروعية العنف المسلح باعتباره ليس موردا لجهاد الاعداء ولا ينضوي تحت عباءة قتال البغاة ولا هو مورد من موارد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي استدل على كونه فريضة يتعلق تكليفها الشرعي بالأفراد ولا ينسحب الحكم فيها على الجماعات والاحزاب والحكومات. وتوقف العلامة شمس الدين عند الباب الاخير اي الدفاع عن النفس وقد أسهب في تعداد الحالات التي يمكن ان يحصل فيها الاعتداء، وخلص بعد عرض الآراء والصور الى القول بمشروعية الرد بل وجوبه اذا كان اعتداء من الآخرين بلا مسوّغ. والنتيجة التي أفضى اليها البحث الفقهي الاستدلالي كانت تتسرب مقدماتها وتشف في طيات الأبواب المتتالية بحيث يسهل على المرء التقاط عناصر الموقف والحكم شيئا فشيئا ويكاد الموقف ينبجس من روح المعالجة في صورة تلقائية وطبيعية، وهذا ديدن العلامة شمس الدين في معالجاته وأبحاثه العلمية التي تمتاز بالتماسك والوضوح. ملاحظات غير ان الدراسة موضوع القراءة لا تخلو من ملاحظات وسنقصر الأمر فيها على المنهج الذي كان يوليه العلامة العناية الاولى، وكان شديد الحرص على بيان مختاره في هذا الاطار، من باب الالتزام بمقتضيات البحث العلمي من جهة واحترامه للقارئ الذي له الحق دائما في معرفة السبيل الذي سلكه الباحث في عمله العلمي. فالعلامة شمس الدين أقرّ في مقدمته ان الحكم على مشروعية العنف المسلح في الاسلام ينبني على جدوى الممارسة العنفية المسلحة وثمارها العملية والتي يترتب عليها الحكم بالوجوب او الحرمة او الاباحة كان يستبطن موقفا غالبا ما صرح به في أبحاثه العلمية وحواراته الفكرية من ان الفقه الاسلامي ينقسم الى حقلين كبيرين: حقل التشريع وحقل التدبير واذا كان مورد حقل التشريع النص (يدور معه كيفما دار) فان الحقل التدبيري متروك أمره الى العقلاء الذين باستطاعتهم إدراكه بالاستقلال عن النص، هذا أولا، وثانيا فان العلامة كان يقر بأصالة الاطلاق في النص القرآني وأصالة التقييد في الحديث النبوي والروايات الواردة عن أهل البيت، بمعنى ان النص القرآني يغلب عليه المنحى اللاتاريخي والاخرافي وان تضمن بعضا منهما، بينما يغلب على الحديث النبوي والروايات المنحى التاريخي المقيد بزمان او حالة او ظرف. وبناء على الاقرارين اي مذهبه في القسمة بين التدبيري والتشريعي ورأيه في فهم القرآن والسُنة، كان ينبغي عليه ان يختار سبيلا آخر للبحث يريح القارئ من عناء المتابعة المحمومة للنصوص في عملية الاستدلال، اذ يكفيه الاشارة في مقدمة الكتاب (وقد أشار فعلا) الى كون البحث ينتمي صراحة الى التدبيري ليخلص الى ان الحكم على مشروعية العنف المسلح في الاسلام او عدم مشروعيته يتوقفان على التشخيص الذي يبلوره أهل الاختصاص في السياسة والادارة والقانون الدولي والاستراتيجيون الموثوق بخبرتهم في الامة، عندها يمكن ان تعالج كل حالة على حده بدلا من حسم الموضوع من رأس او إرهاق النفس في إيراد الأدلة على الحكم وهي في معظمها تستند على الروايات التي يغلب عليها التقييد والمعالجات الظرفية ذي الطبيعة الآنية المتصرمة. يضاف الى ما تقدم غلبة الروايات الواردة عن الشيعة وإغفال تلك التي يلتزمها أهل السنة في الصحاح، مع العلم ان الظاهرة العنفية لم تعد حكرا على مذهب دون آخر، فضلا عن ان المبنى الاجتهادي للشيخ شمس الدين قائم على رؤية توحيدية لم يجرؤ أحد على البوح بها او الغوص في معانيها وقد افترض لها شروطا منهجية (تتفق والمعايير الاكاديمية المعمول بها في البحث العلمي) يأتي في مقدمتها عدم حصر الأدلة بمذهب دون آخر وهو ما أطلق عليه العلامة (العلم) مصطلح الاجتهاد في الدين بديلا عن المتعارف لدى مجتهدي المذاهب قاطبة من الاجتهاد في المذهب. وقد يكون للشيخ عذره في استخدام المنهج التقليدي في الاستنباط (الذي كان مجرد جهد يلتزمه حفاظا على المنهج المعتمد) ليتمكن من محاججة مخالفيه من أهل الحرفة والصنعة الذين لا يأنسون الا بهذا اللون من المعالجة. ونحن إذ نكتفي بهذه الملاحظة لا يسعنا الا الاقرار بتفرد البحث وجدته قياسا على المعالجات الاخرى في عصر اختلطت المعايير والمواقف وكان الضحية في ذلك كله المسلم العادي الذي لا حول له ولا طول.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة